محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

الراشدية.. أسسها الحسين وسَماها الحسن

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
كتابة وتصوير: مفلح العدوان نهاية الخط الصحراوي..

في مركز تشعب الدرب المؤدي إلى البحر حيث العقبة، والمتفرع باتجاه عمق الصحراء نحو وادي رم، في تلك النقطة، «تنطر» القرية التي كان اسمها المثلث وترقب المرتحلين من أمامها، مشيرة لهم بيديها إلى الصراط الصحيح نحو مبتغاهم، قبل أن تغفو ليلاً على حلم أهلها بما مرّ عليها ذات زمان وهي قابعة في موقعها جنوب البلاد.

تلك القرية الواقعة على «تقاطع رم»، محصورة في انتظارها هناك بين الخط الصحراوي، والجبال البازلتية التي تزينها من الغرب والجنوب، وقد كانت ذات زمان لا تعرف البنيان ولا الاسمنت بل كان أهلها يعيشون فيها بإبلهم وبحلالهم في بيوت الشعر هناك، قبل أن يتخذوها مستقراً لهم، ويُشيّدوا فيها قريتهم التي هي الآن تحمل اسم «الراشدية» بينما تخبئ في تاريخها الشخصي أسماء أخرى وقصصاً وحكايات تجعل في جعبتها كراساً خاصاً تسطر فيه ذاكرة الاسم والناس والعادات المرتبطة فيها.

تل «رويس مطلق»

في منتصف القرية..

أول ما يلفت نظر القادم إليها ذلك التل البارز بين بيوتها التي بنيت حوله، الذي يسمونه تل «رويس مطلق». ولعل الاسم هذا كما يروي عنه أهل القرية أنه منسوب إلى «مطلق المِحلف» الذي ينتمي إلى «عشائر المِحْلَف» التي تنتشر من قاع النقب إلى وادي اليتم، وقد أقام هذا الشخص على هذا التل منذ فترة طويلة فعرف التل منذ تلك الفترة ب «تل مطلق».

أما القرية الموزعة حول التل فلاسمها تقلبات خلال مراحل عدة قبل أن تستقر على اسم الراشدية، ولكل مرحلة منها قصة وتاريخ شفوي يعرفه أهل القرية أبا عن جد.

إن لتلك التغيرات في الاسم ارتباطاً جذرياً بالدعوات التي شاعت رسمياً وشعبياً بضرورة الاستقرار لأهل المنطقة، وحتمية رمي عصا الترحال في هذا المكان، فقد كان اسم القرية ذات مرة «المثلث»، ثم صارت «مثلث رم»، غير أن حكاية تحولها الثالث ليصبح اسمها «مثلث رم عرب القدمان» لها تداعيات كان قد رواها لي، قبل عدة سنوات، المختار علي عوده القدمان(أبو عيد)؛ قال إن أغلب سكان القرية هم من عشائر القدمان والملاعبه والطرشان والعثامين والمداهين والأديات، وهؤلاء يعودون الى عشائر المِحْلَف، والاسم هذا مأخوذ ليعبر عن تحالف عدة عشائر في فترة سابقة.

موكب الملك.. وتسمية القرية

كانت القرية في الماضي جزءاً من واجهة عشائرية لكل العشائر الموجودة في المنطقة، وكان أهلها المتواجدون فيها يسكنون في بيوت الشعر ومعهم مواشيهم، إلى أن كان عام 1975 حيث كان هناك برنامج لجلالة الملك المؤسس الحسين بن طلال لتفقد منطقة الجنوب في زيارة لمشايخ المناطق بدءا من «ابن فايز» ثم «ابن جازي» وحتى ابن نجاد في القويرة، ثم ينطلق من هناك إلى وادي عربة حيث عشائر الأحيوات والسعيدية، وقد دُعي كبار المنطقة ووجوهها لاستقبال الملك، إلا أن «الشيخ الحاج عيد القدَيّم» عندما أبلغوه ليحضر الاستقبال قال للمسؤولين إن «عشائر القدمان المقيمين في هذه المنطقة حابين يكون الهم قرية فيها»، فقال له المسؤولون إن الملك سيأتي إلى المنطقة، وأن بإمكانه أن يخبر الملك بطلبه هذا في القويرة.

قرر الشيخ «عيد القديم» أن يقدم طلبه بطريقة مختلفة، فبعث إلى كل أفراد عشائر القدمان المتواجدين في المنطقة، فحضروا إليه، وتواجدوا في موقع القرية، وكانوا أكثر من مئة بيت شعر، مع إبلهم وحلالهم، وعملوا قوسا للاحتفال على الشارع الرئيسي القريب من القرية، وصاروا يستعرضون بالهجن، على أمل أن يمر الملك من هناك ويعرج عليهم مستمعا لهم، وهو ما حدث بالفعل، إذ أن جلالته بعد أن أنهى زيارته إلى القويره «طلع بالطياره (المروحية)، وكان هو الذي يسوقها، ومعه رئيس الوزراء، وقائد البادية، وممثل الملك لشؤون العشائر محمد هاشم (أبو هاشم)، ولما صار فوق الجبل اللي جنوب القرية، وهو جبل الحميرا، شاف التجمع، وحركة الهجن وهي تلعب، والقوس اللي عملوه القدمان، فسأل اللي معه عن هذا التجمع، وجاوبوه أن هذا الحفل مش من ضمن البرنامج، لكنه الله يرحمه برحمته، رجع بالطياره، ونزل عند التجمع، واستقبله رحمة الشيخ عيد ووجهاء عشاير القدمان، وتقهوى عندهم، وقال الشيخ عيد للملك أنه يريد مَحَل لتوطين عشاير القدمان، وياريت يكون في هذه المنطقة لأنهم فيها من زمان، فقال له الملك «ان شاء الله»، وأعطاه الشيخ كمان أوراق خاصة بمطالب الناس..).

بعد أسبوعين من تلك الزيارة جاء المهندسون والمساحون، ثم مرت فترة قصيرة وتم تثبيت المنطقة هذه كقرية تحمل اسم (مثلث رم، عرب القدمان).

كانت المطالبة مستمرة بعد ذلك بتثبيت حدود القرية واستملاك أراضيها، وتنظيمها، وتوزيعها «كنُمر» سكنية، لأنها كانت مملوكة للدولة، وكان لأهالي القرية ما أرادوا.

يذكر تاريخ الراشدية أن أول البيوت التي بنيت فيها كانت «ستة دور، للشيخ وجماعته في البداية»، وهذا كان في نهاية عام 1977، ولأنه لم يكن هناك مصدر ماء في القرية كان يتم إحضاره من بئر القويرة الارتوازي بواسطة «صهاريج مجرورة بتراكتورات».

«الراشدية..بعد الاسم يجي الما»

تبوح القرية بما تبقى من ذاكرتها عن اسمها الذي استقرت عليه في بداية الثمانينات، ليكون اسمها الذي نعرفه الآن: «الراشدية». وحول تفاصيل تلك المرحلة من التسمية، وقد كان قد انضم الينا في تلك الجلسة قبل أعوام في الراشدية المختار سلامة عيد الملاعبة (أبو سالم)، حيث أضاف جزءاً متمماً إلى حديث المختار(أبو عيد)، فقال أن البناء كان عشوائياً في القرية، لكن في عام 1981 قام الأمير حسن بن طلال بزيارة إلى القويرة والتقى شيوخ المنطقة.

وفي هذه المناسبة، أيضا، تقدم «الشيخ عيد القديّم» طالبا من الأمير تسمية القرية، قائلا له «يا سيدي حسن سمّي بلدنا». ورد عليه الأمير «وليه ما تسموها انتم؟». فكان جواب الشيخ أن «قريتنا تتبارك بأسمائكم». فقال الأمير، وكان قد رزقه الله بالأمير راشد في تلك الفترة: «اسمها الراشديه». واستبشر الشيخ والحضور من أهل القرية بالإسم وقالوا: «ان شاء الله تتبارك قريتنا بالاسم، وإن شاء الله بعد الاسم يجي الما(الماء)».

وكانوا يقصدون بذلك طلب توصيل الماء الى القرية، وتوفير الخدمات الضرورية لها. وبالفعل ففي شهر حزيران من تلك السنة(1981)، أي بعد تسميتها الجديدة، قال المختار ابو سالم أنه «جاءت الميه والكهربه، وجرى تنظيمها كاملا»، ثم قاطعه المختار «أبو عيد» قائلا: «لما اجت الكهربا كان رقم عداد دار الشيخ عيد القديّم واحد، ورقم عداد داري اثنين». وأكمل حديثه عن ذاكرة تلك الفترة متحدثا بأن دائرة الأراضي وسلطة إقليم العقبة عملت على تنظيم بناء القرية وترتيبه وتوزيع الأراضي كنُمر سكنية، ثم بعد التسمية الجديدة تكثفت الجهود لتثبيت مجلس قروي لقرية الراشدية، وقد شاورني «الشيخ عيد» حتى أستلم رئاسة المجلس، وكان هذا عام 1985، وكنت (قال المختار علي القدمان(ابو عيد)) أعمل في تلك الفترة في «مكتب الدور في الاتحاد (شركة اتحاد الشاحنات)، فقدمت استقالتي وصرت رئيسا لمجلس قروي الراشدية في شهر عشره (تشرين أول) عام 1985».

بناء المدرسة

ربما في كثير من القرى الأردنية كان أول مرفق يسعى إليه أهل تلك القرى هي المدرسة، وقد حصل هذا لقرية الراشدية أيضاً، وكان هذا بعد الاستقرار مباشرة إذ انه في البداية تبرع «الشيخ عيد» بغرفتين لتدريس أبناء القرية، وقد أحضروا في تلك الفترة معلم جنسيته مصرية لتعليم هؤلاء الطلبة، ثم بعد سنه كانت الغرف الخاصة بالمدرسة التي تبرعت بها «منظمة كير» الأجنبية جاهزة.

وتحدث المختاران عن هذه المدرسة بأنه تم بناؤها بالتعاون بين تلك المنظمة و«عونة من أهل القرية» الذين حفروا الأساسات، وساعدوا في العمل بينما كانت المواد الأولية من المنظمة، والمهندسين «كانوا يجوا (يأتون) من بلدية معان، وقد تم بناء، في البداية، غرفتين كملت في عام 1977 وهما جزء من مدرسة الراشدية الثانوية للبنات، وكان فيها أربعة معلمين فقط وتدرس حتى نهاية المرحلة الابتدائية.

الأخ العزيز والذهب الإبريز

عن تاريخ التعليم قبل المدرسة، وفي مرحلة الخمسينات بالتحديد، تحدث المختار أبو سالم والمختار أبو عيد أنهما قد بدآ «قرايتهما» في العقبة عند المرحوم الأستاذ محمد ذياب «أبو جمعه»، كان هذا عام 1953.

عن هذه المرحلة تحدث المختار «أبو عيد» ببعض تفاصيل تلك الفترة: «جئت للعقبة أنا وأبوي اللي صار يشتغل حارس مدني مع الانجليز في مستودعاتهم وكانوا يعطوه كل يوم ثلاثين قرشاً، يعني تسع نيرات (دنانير) في الشهر، وأنا كنت آخذ منها نص نيره أدفعها كل شهر للأستاذ أبو جمعة اللي كان يعلمنا القرآن والقراية والكتابة، وكان من اللي علمنا إياه وأتذكر اشي منه وهو كيف (تكتب المكتوب)، فكان يعلمنا أن بداية المكتوب هي: حضرة الأخ العزيز والذهب الإبريز «فلان بن فلان»، بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عدد من صلى وصام، وطاف بين زمزم والمقام.

ثم يكمل الرسالة بما يريد كتابته فيها، كما أنه كان يجيبلنا شاي لأنه كنا ندرس عنده في البيت، وكانت عنده والدته العجوز التي كنا نلجأ إليها عندما «يضربنا فلقه» إذا أخطأنا، فكانت تتدخل و«تقوم تهاوشه»، فكان يقول لها «طيب يا والدتي، ويروح للبحر يهدي أعصابه ويدخن، قبل ما يرجع يكمل تدريسنا»، وبعد ما خلصنا من عند الأستاذ أبو جمعة درست في مدرسة القويره حتى الصف الخامس الابتدائي، وبعدها دخلت الأمن العام وصرت مأمور لاسلكي.

«تمرجي» على جمل

كان أهل القرية في الماضي يعانون من سوء الوضع الصحي وقلة الخدمات، ويروي أهل القرية في سياق حديثهم في هذا الجانب أنه كان هناك عيادة بدائية في القويرة، وأخرى في العقبة، وكانت خدماتها متواضعة، وتحاول أن تقدم الخدمة للقرى المجاورة، وللبدو في مضاربهم أيضا، ولأنه لم تكن هناك وسائل مواصلات حديثة ولا طرق، فقد كان التمرجي(الممرض) المتواجد في عيادة القويرة «يطلع على العربان (البدو) على جمل ومعه أدوية، وإذا لقي مريضاً يسأله» ايش مالك، ويعطيه دوا من اللي حامله على الجمل. كان يقعد في القرية، ويتقهوى ويشرب شاي ويجي كل اسبوع مرة.

يتذكر أهل القرية من هؤلاء الممرضين المرحوم ناصر مطلق النجادات، وسالم أحمد النجادات الذي ما زالوا يلتقون به.

«ماناويل» في دكان الشيخ

يقول المختار أبو سالم أن شعبة البريد تأسست عام 1977 وكان اسمها «شعبة بريد مثلث رم-عرب القدمان» وكانت في بيت «رحمة الشيخ عيد القْدَيّم»، وكانت تلك الشعبة عبارة عن تلفون «ماناويل» أي يدوي، في دكان الحاج، وكان «يجي عليه اللي بدو يتصل أي تلفون ويقعدوا يحاولوا فترة طويلة حتى يلقط معهم الخط».

ويضيف أهل القرى الى ذاكرة البريد أحاديثهم عن المساعدات التي كانت تقدمها الدولة لهم خاصة في عامي 1959 وعام 1960 حيث كانت سنوات فقر وجفاف، وكانت تلك المساعدات تأتي الى منطقة «كيلو تسعين» في مكان قرية المزفر الواقعة الآن بجانب مركز جمارك دخول العقبة في وادي اليتم، حيث كانت تلك المساعدات عبارة عن بطانيات وطحين وسكر وزيتون وغيرها من الضروريات للمعيشة.

مسجد بلا مئذنة..

لعله لا بد قبل التنقل الى ذاكرة القداسة في قرية الراشدية من التعريج على «بوح المساجد» الموجودة فيها، حيث أن أقدم تلك المساجد هو «مسجد الراشدية الكبير» الذي بني عام 1986.

ولكن المختار أبو عيد توقف عند كلمة «الكبير» مع توقفنا أمام المسجد الذي نفاجأ باكتشاف أنه بلا مئذنة. فقال آنذاك المختار أبو عيد أنه رغم كل المطالبات ببناء تلك المئذنة لم يتبرع أحد بشيء كما أنه لم تبادر وزارة الأوقاف لإكمال بنية المسجد بتلك المئذنة المفقودة.

«حُوطة» باقر، ومزار سليمان

أما مزارات القرية التي يتذكرها أهلها، ولكنها محتجبة بين الجبال، فتحدث كبارها عن «مزار باقر» في جبل باقر الذي يقع في الجهة المقابلة لمركز جمرك العقبة, في مكانه الباشق في المرتفع, ولم تكن الإبل تصله لصعوبة الصعود إليه, وكان له حوطه تسمى «حوطة باقر», ويعتقد أهل القرية أنه رجل مؤمن قديم, واسمه «باقر»، فكانوا يزورونه للتبرك به، ويذبحون عنده «الفدو والنذور».

ويروون أنه عندما ترعى قطعان الأغنام قريبا منه فإنه إذا تسلقت إحدى تلك الأغنام وتركت القطيع باتجاه مزار باقر فإن على صاحب القطيع أن يذبح هذه الغنمة تقربا لله على اسم باقر.

لكن أهل القرية رووا لي عن أحد أصحاب الحلال أنه في إحدى المرات عندما كانت أغنامه ترعى قريبا من الجبل اتجه تيس القطيع إلى المزار، فعلّمه الراعي بأن «جدع اذنه» (قص طرفا منها) لكن صاحب القطيع عند الذبح استخسر أن يذبح التيس لأهميته في القطيع فاختار شاة وذبحها.

ويقال إنه في تلك الليلة جاء الذئب إلى الأغنام وتركها جميعها «وتناول التيس من بينها»، وفي اليوم الثاني عندما علم أهل القرية بما حدث صار الكل يردد على مسمع صاحب القطيع: «ايوه ما انت احرمتوا باقر.. كان لازم تكون عشا باقر، فأكلها الذيب».

وهناك مزار آخر في القرية يسمى «قبر الولي سليمان» في منطقة المرصد التي تبعد عشرة كيلو مترات جنوبا، وكانوا يعتبرونه رجلا صالحا, حيث تتم زيارته و"اذا واحد ما يجيه ولاد يروح عند الولي سليمان ويذبح شاه عند قبره»، وكان الزائرون للولي سليمان يرمون عنده نقودا ومناديل وخرزا.
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress