محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

المسكوت عنه في السيرة الروائية «حجر الفسيفساء»

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
فراس حج محمد

(كاتب فلسطيني)


تتحدث الكاتبة الفلسطينية مي الغصين في كتاب «حجر الفسيفساء» (2021) عن تجربتها الاعتقالية التي امتدت خمس سنوات ونصف السنة، متخذة من السيرة الروائية جنساً لهذا العمل، هذا الجنس الأدبي الذي يتيح للكاتب توظيف عناصر روائية خلال حديثه عن سيرته الذاتية أو جانبٍ منها.

عرضت الغصين مجموعة من المشاهد المنتقاة من تلك السنوات، ولم تدون -بطبيعة الحال- كل ما حدث معها في المعتقل، وليس مطلوبا منها فعل ذلك، لكن من المؤكد أنها اختارت المشاهد التي تبين حياتها داخل السجن وعلاقتها بالمحيط الاجتماعي داخل السجن وخارجه، وعلاقتها بالبيئة وأثر كل ذلك في نفسيتها ولغتها وانتقاء أحداثها.

تنبغي الإشارة إلى أن هذا الكتاب هو ثمرة ورشة إبداعية شاركت فيها مجموعة من الكاتبات الأسيرات لحثهن على كتابة تجاربهن، وقد سبقه كتاب «حفلة لثائرة: فلسطينيات يكتبن الحياة» (2017)، حررته الكاتبة العراقية هيفاء زنكنة واشتركت فيه ثماني كاتبات فلسطينيات كانت الغصين واحدة منهنّ، ثم تبعه كتاب ثالث هو كتاب «ترانيم اليمام» (2021) التي اشتركت فيه الغصين مع أسيرات أخريات؛ لتوثيق جانب من مذكراتها ويومياتها. وبذلك يكون هذا الكتاب حلقة من سلسلة أُطلقت لهدف واحد، هو توثيق حكاية الأسيرات الفلسطينيات ومعاناتهن في المعتقلات الصهيونية.

وبالنظر إلى قلة كتابات الأسيرات الفلسطينيات بالمقارنة مع الكتّاب الأسرى، تتخذ هذه الكتابات بعدا مهمّا في سياق السرد الفلسطيني؛ لما لها من أهمية في كشف العوالم الذاتية والداخلية لحياة الأسيرات، وخصوصية المرأة الأسيرة في احتياجاتها الذاتية؛ ما يفرض نوعا من خصوصية الكتابة التي لا يحسن للكاتب الأسير أن يكتبها، ولا يستطيع أن يقوم بذلك حكماً وواقعاً لافتقارها ساعتئذ إلى الصدق.

لم تقترب تلك الكتابات إلى تخوم «التابو» المحذور الاقتراب منه، ليظل مسكوتاً عنه، فثمة عوالم قاتمة ربما لن تجرؤ الأسيرات الحديث عنها، لكنهن يتحدث بلغة معجونة بالإنشائية والشاعرية عن المعاناة والصمود، ويبقى الصندوق الأسود مغلقاً، ولعله لن يفتح أبداً، ليموت جانب من الحكاية قد يكون الأهم في تجربة الاعتقالات النسوية في فلسطين والعالم أجمع.

لقد راعى القانون الدولي الإنساني هذا الجانب من الخصوصية عند الأسيرات، ونصت المعاهدات ذات الصلة باحترام هذه الخصوصية، ويندرج التعدي عليها ضمن انتهاكات المحتلّ للقانون الدولي وبنود المعاهدات الدولية، وقد تعرضت له الغصين من بعيد، في حرجها مثلا عند استخدام الحمام لقضاء الحاجة أو للاغتسال وخوفها الدائم من أن يقتحم عليها الزنزانة سجان أو سجين جنائي إسرائيلي فينتهك تلك الخصوصية، بل إنها لم تكن تخلع غطاء رأسها إلا عندما تكون مطمئنة أنه لا أحد سيطل عليها من شباك تلك الزنزانة، لقد سبب لها هذا الأمر مشاكل صحية أدت إلى تساقط الشعر لمكوثها داخل العزل الانفرادي محافظة على غطاء الرأس ما فاقم من هذه المشكلة، ومشاكل صحية أخرى لاضطرارها إلى تأجيل قضاء حاجتها في ساعة متأخرة من الليل.

يضاف إلى ذلك الخوف الطبيعي والتوجس من الأسرى الجنائيين الإسرائيليين ومن شتمائهم البذيئة وتعديهم على المعتقلات، ومن السجانين الذين لم تكن نظراتهم بريئة للأسيرات، ولا يخلو الأمر كذلك من الخوف من أن تتعرض الأسيرات إلى الاغتصاب أو التحرش المباشر من المحققين، مع أن هذا لم يحدث مع الغصين أو مع أيّ أسيرة ورد اسمها في «حجر الفسيفساء»، وقد كان هذا هاجس الأهل دوما وخوفهم من أن تتعرض بناتهم للاغتصاب، لذلك فإن السؤال الذي كان يدور في ذهن عمّ مي في الزيارة الأولى هو استفساره عن هذا الموضوع تحديدا، واطمأن عندما جاءه الجواب بالنفي.

لكن المحقق الإسرائيلي ليس بهذه الصورة المثالية التي قد تنطبع في ذهن القارئ بعد قراءة سيرة الغصين، فالكاتبة لم تقف كثيرا عند التحقيق، بل كانت إشارتها له سريعة، ولم تضئ جوانب من التحقيق مع الأسيرات أو معها بشكل مباشر ومفصل، كما عرضته مثلا عائشة عودة في كتابيها «ثمنا للشمس» و"أحلام بالحرية».

هذه المنطقة المسكوت عنها في تجربة الاعتقال النسوية فيها الكثير مما يجب أن تتحدث عنه الأسيرات الفلسطينيات وغير الفلسطينيات، وهذا يحتاج إلى جرأة كبيرة، كتلك التي تحدثت فيها عائشة عودة أو غيرها ممن قلن ما هو فظيع خلال المقابلات التلفزيونية بعد خروجهن من الأسر. ولعلّ القراء يريدون أن يجدوا إجابات لأسئلة تدور في رؤسهم عن هذا الجانب المهم، لأنه يفضح الإجراءات الصهيونية غير الإنسانية والخارجة على القانون الدولي، إذ تمثل كل كتابة للأسير، كاتبا أو كاتبة، وثيقة تاريخية قد تكون وثيقة قانونية أو تدعو إلى التحقيق -إذا وجدت الظروف المناسبة- والتحرك لوقف تلك الانتهاكات عظيمة الأثر في نفسية الأسيرة، سواء أكانت الأسيرة من المحافظات دينيا أو اجتماعيا أو من الاتجاهات الليبرالية أو اليسارية، فثمة خصوصية إنسانية نسوية إنثوية يجب ألا تُنتهك، ولا يتم التعرف على تلك الانتهاكات إلا بالكتابة عنها وتعميمها. فالمسألة تتعلق بالحق الإنساني ابتداءً، بصرف النظر عن الأيديولوجيا التي تؤمن بها الأسيرة.

إن اختيار لغة شاعرية جميلة في الكتابة عن التجربة الاعتقالية لن يخدم الكتابة ومشروعها، فاللغة ذات مدلول نفسي، وتكون هذه الدلالة واضحة في مثل هذا النوع من الكتابات، لذلك فإن لهذه اللغة آثاراً عكسية على نفسية القارئ الذي سيرى في الكتابات الأنيقة الشاعرية ذات اللغة الجميلة بقاموس لغوي رومانسي غارق في جزء منه في عوالم الذات القصية، الكتابةَ والجمال اللغوي ولا يرى التجربة، بمعنى آخر فإن الأثر الذي تتركه تلك الكتابات سيكون أثرا ذاتيا انفعاليا، يدور في فلك الجمال اللغوي، وليس النقمة على المحتل والسجن والسجان في المقام الأول، وتدعيم القناعات بوجوب التحرك من أجل حل قضية الأسيرات والأسرى ثانيا.

إن الحكايات التي روتها الكاتبة لا تخلو من تصوير لهذه المعاناة، لكنها المعاناة منزوعة التأثير الإيجابي في القارئ، الدافع لاتخاذ موقف، ولو كان موقفا فكريا عاطفيّا ينمّي فيه الإحساس بقضية الأسرى بمفهومها الإنساني والوطني العامّ. من هنا ربما يكون الحديث عن لغة الكتابة هو الأبرز وليس عن التجربة الاعتقالية التي تشابهت مع كل من كتبوا عن الأسر وعاشوا التجربة؛ فالمساحة الخاصة والخصوصية جدا ظل مسكوتا عنها، وبشكل يثير الشكّ وعدم الاقتناع بخصوصية التجربة.

ويشترك في هذا المسكوت عنه محدودية الحديث عن المشاعر المتعلقة بالعلاقة مع الرجل، مع أن ديوان «حبيبتي» لنزار قباني كان من أكثر الكتب قربا إلى الكاتبة، وكانت تحرص على أن يرافقها في تنقلاتها بين المعتقلات. وهذا المسكوت عنه في الكتابة عند الغصين شمل جميع الأسيرات، زميلاتها في المعتقل، فلم تتعرض له من قريب أو بعيد. هذه المساحة الغائبة عن الكتابة وأفقها، تقدم صورة غير مكتملة عن العوالم الذاتية للأسيرات. وهذا أيضا جانب من الكتابة لا تستطيع الكاتبات الخوض فيه، لعلاقته بأشخاص آخرين، ولاعتقادهن أحياناً أنه موضوع يجب أن يبقى طي الكتمان في مجتمع لا يرى أهمية في كشف مثل تلك المشاعر، بل إنه يسعى إلى محاربتها وطمسها وتجريم من يتحدث عنها، وربما تصبح كتابات الأسيرات والأسرى أشد توجسا وابتعادا وهن يتحدثن عنه.

والدارس لأدب الأسرى يرى تضاؤل هذه المساحة وتقلصها في أغلب الكتابات إن لم يكن في كلها، على الأقل في ما اطلعتُ عليه من تلك الكتابات، فالأسرى ما زالوا يرون أنهم أبطال؛ ليس من الصواب الحديث عن ضعفهم الإنساني وخضوعهم لشروط العاطفة التي قد تكسر هيبتهم، على ما يعتقد بعضهم، وللأسيرات إضافة إلى هذا، محذور آخر قد يتعلق بالسمعة والتقويم الأخلاقي لسلوكياتهنّ ما قد يسبب لهن مشاكل اجتماعية.

لعلّ زمن الكتابة وظرفها كذلك هما السبب في مثل هذا الانحراف في اللغة عن طبيعتها النفسية التي من المفترض أن تكون عليها في الجانب العاطفي والتوثيقي الخاص، فقد كتبت الكاتبة كتابها ضمن ورشة إبداعية بعد الخروج من الأسر بسنوات، ما يعني أن هناك مسؤولا عن الكتابة نفسها؛ تعديلا وتحريرا، ويتعامل مع الكتابة كجماليات لغوية دون النظر إلى التجربة الاعتقالية وثقلها النفسي، هذا الثقل الذي تعافت منه الكاتبة ذاتها، على ما يبدو فيما كتبته، وليس كما كتبت الكاتبة عائشة عودة مثلا التي عانت كثيرا وهي تكتب التجربة وتعيدها، إذ قالت في أحد اللقاءات إنها لحظات ألم شديدة كانت تنتابها وهي تكتب، ففي استعادة الألم ألمٌ آخر أشد. لم يجد القارئ هذا الألم في «حجر الفسيفساء» كما يجد ثقله النفسي في تجربة عائشة عودة الكتابية كمثال على الكتابة النسوية الاعتقالية، أو كما يجدها القارئ عند فرج بيرقدار الذي كتب تجربته في المعتقلات السورية في كتابه «خيانات اللغة والصمت».

هذا الواقع اللغوي الحاضر بجماليته في الكتابة لا يعني أنه لا يوجد في اللغة ومشاهدها حيوية أو توتر عاطفي يدعو إلى تأثر القارئ، بل إن في «حجر الفسيفساء» الكثير منها، ظهر بشكل واضح في «الزمن النفسي» للسرد، لكنه توتر عاطفي بلاغي سردي محصور في البنية النصيّة، سيطرت عليه اللغة، وليس المشهد السردي المحيل على الواقع نفسه، ومن هنا -مع عناصر أخرى ألمحت إليها- اكتسب العمل صفة «السيرة الروائية» في اختيار التجنيس الفنّي له، ومع التسليم بالموهبة التي تمتعت بها الكاتبة لتكتب بهذه الطريقة إلا أن اللغة كانت حاجزا نفسياً يحول بين القارئ والتأثر بالتجربة نفسها من حيث كونها تجربة اعتقالية ووطنية وإنسانية على درجة كبيرة من الأهمية التوثيقية والسردية.

وهذا يقود الدارس إلى الانتباه إلى مثل هذه اللغة عند الكتابة، وأعيد مرة أخرى ما قالته عائشة عودة في مقدمة كتابها «ثمنا للشمس»: «لم أشأ إخراجها (مادة الكتاب) بلغتها الجافة التقريرية والتوثيقية، بل حلمت بكتابتها بلغة حية، كما التجربة ذاتها؛ يكون فيها صراع وانتصار وانكسار وذبول وتلألؤ وغوص في العمق، لا مجرّد أحداث تسجّل»، وبلا شك فإن ما قالته عائشة عودة عن حلمها بالكتابة موجود في كتاب ميّ الغصين، لكنه توارى خلف بلاغة اللغة وشاعريتها، ما جعل اللغة هي الأولى وليست التجربة الاعتقالية ذاتها. فهل كانت الكاتبة تريد أن تنتصر باللغة كما انتصرت على السجان بمثل هذه اللغة؟ احتمال وارد، لكنه لا يخلو من المحاذير عند القراءة النفسية للعمل الأدبي، تلك القراءة التي تكشف عما وراء اللغة من محدّدات ومحركات.
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress