محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

قصائد سمير القضاة ومفردات الحياة المُستعجَمة

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
مجدي دعيبس

(كاتب أردني)


في ديوانه الأخير «عُري» (الآن ناشرون وموزعون، عمّان، 2021)، يتنقّل سمير القضاة بين الذّاتي والوطني والحبّ والحنين والذكرى. أربعون قصيدة من شعر التّفعيلة غلب عليها بحر المتقارب بتفعيلة «فعولن» الجميلة والمنضبطة. كما لم تخلُ المجموعة من الهمّ والشجن العربي؛ في قصيدة «للعراق مذاق» تحية للتاريخ ودجلة وأبي نوّاس والرشيد، وفي قصيدة «جدول الضرب» ذكريات ما زالت تنزف ألمًا وحزنًا في سورية. في بعض القصائد تظهر «المكانيّة» كأنّها هاجس يدفع الكلمات والمشاعر لتتحلّق حول المكان. يقول الشاعر في قصيدة «عن ضوء عمّان»:

«أشعر أنّ جميع العيون تراقبنا

فأعود لعمّان

كم هي رائعة فيلادلفيا القديمة

كم شاعر مرّ بين التلال الجميلة

ثم مضى

بعدما خطّ نقشًا لها

في كتاب الحجر».

وهناك قصائد اعتمدت على طرافة الفكرة وخفّة الظل كما في قصيدة «ألم طويل العمر»: «ينتابني ألم طويل العمر

حين أزور حمّام السباحة

في مواعيد الظهيرة».

ومن الواضح أنّ الشاعر لم يتجبّر بالقصائد من حيث الطول أو القصر أو الأسلوب، بل أرخى اللجام للفكرة كي تتطوّر على مهل ثم تندفع نحو هدفها بقوة وشاعرية وعذوبة. وجاءت الألفاظ موحية أحيانًا، وفي مواضع أخرى كانت مرتبطة أكثر بأصل وضعها دون انزياح وعوّض ذلك بشاعرية الفكرة وحيويتها.

عندما قرأتُ في صفحة التصدير: «متشبّثًا بك، كأنك أبي الوحيد.. نفختَ في روحي لحن القصيدة، فرأيتُ وجهكَ في كل معنى.. ووعدتني أن نظلّ معًا، لنكمل هذا السطر على صفحة العمر الجميل، يا أبا سمير»، قلت في نفس:ي هذا عهد شجرة البلّوط للأرض؛ أن تتشبّث بها وكأنّها آخر ملاذ في الدّنيا.. «وكأنك أبي الوحيد»، لا يقول هذا الكلام إلّا فلّاح أحبّ الأرض والشمس والزيتون ومواسم القطاف ونار أبيه في كوانين الجبال الشاهقة، ودعاء أمّه كلما حمل النسيم عطره إليها. فلاح يرى الحياة ظل زيتونة أو قامة شجرة لوز تغوّل جذرها في بطن الأرض، فأورفتْ وتسامقتْ. قلتُ: هذا حبٌ كبيرٌ وألمٌ أكبر، اشتياق وذكرى تحوم في مدى عينيه وخياله. كم من الشوق يلزم ليقول الإنسان هذا القول؟

قصيدة «عُري» من القصائد الطويلة، وقد وُسمتْ المجموعة باسمها، وعادة ما يختار الشاعر القصيدة الأبهى أو فرس السبق لتقوم بهذا الدور المهم. «عُري» رحلة في التّأمّل والتّدبّر، وقد قُسّمتْ إلى مقاطع لا يوجد بينها رابط عضوي، ويستطيع كل مقطع أن يقوم بذاته دون الاتّكاء على ما سبق أو التّواصل مع ما يلحق. ولعلّ عنوان القصيدة جاء ليحضّرنا لأجوائها ومناخاتها. تعرية ما نعيشه ونعايشه كل يوم من مواقف حياتيّة ووجوديّة تمرّ بنا أو نمرّ بها دون أن نلتفت إليها. سلسلة من المحطّات المتتالية، فما إن نخرج من سطوة محطّة حتّى نقع في براثن التالية.

في مطلع القصيدة يقول الشاعر:

«عليكَ بأن تستعين بكأس

لتعرف ما الفرق

بين الحياة وبين البقاء».

ما أبسط هذا المدخل وما أعمق طرحه؛ الفرق بين الحياة والبقاء شاسع وممتد، لكنّنا نستخدم أيّهما لنعبّر عن الآخر. أيّ ارتباك مفاهيميّ وحياتيّ هذا؟ الحياة هي أن نشعر بنبضنا وكأنّه قرع طبل في فضاء صامت. البقاء ليس صنوًا للحياة، بل هو ظلّها الباهت. على الإنسان أن يبحث عمّا يُشعره بأنّه ما زال على ذمّة الحياة ولم يفارقها بعد.

في المقطع اللاحق يقول:

«هناك مكان به يستطيع الجبان

بأن يحمل البندقيّة

عقب رجوع الجيوش من المعركة».

هذه الصورة فيها اختزال لمعانٍ ومواقف كثيرة كامنة تحت الرماد. الجبان يرفع بندقيته بعد أن تنتهي المعركة ويعود الجنود إلى ثكناتهم. البخيل يبسط يده بعد أن يشبع الجائع. الكاذب يعترف بكذبه بعد فوات الأوان. أشياء كثيرة في الحياة تفقد معناها بسبب سوء التوقيت. «أن يأتي متأخرًا خير من أن لا يأتي أبدًا»، مقولة ناقصة ولا تحيط بالمعنى المقصود. ربما ما يناسب الحالة المشار إليها هي الكوميديا السوداء التي نشتمّها في قول مثل: «يا خسارة! مات بعد أن تعوّد قلّة الأكل». يقول الشاعر:

«أنا لا أحبك أنتِ

ولكنني أتصوّر أنّكِ

سوف تصيرين أجمل

بعد انتهاء علاقتنا العابرة

لماذا تصرّ النساء على

الخوض في الصفقة الخاسرة».

أليست هذه حالة معروفة بين الأنا المذكر والأنا المؤنث، وكبرياء الأنثى واستهتار الرجل؟! هذه حرب نقاتل فيها كل يوم، نموت ونحيا ثم نموت ونحيا ويبقى هو هو وهي هي.

جاءت بعض المقاطع على مستوى أعمق من سواها، فيصبح القارئ مثل من يسمع صوتًا ولا يرى مصدره:

«رياح الشمال تمدّ الجنوب

بشيء من البرد

والعافية

أنا أتضوّر جوعًا

ولا آكل اللقمة الثانية».

كما اشتملت بعض المقاطع على كلمات رمزيّة، مثل المدى والحجاب المقدس والذباب وغيرها. ويبدو المقطع التالي من أجمل المقاطع، لأنّه أمعن في انزياح الصور التي بدت مجتزأة من سياقات متنوعة، على غرار قصيدة النثر، لكنّ خيطًا شفيفًا طوّقها ولظمها بخفة ورشاقة:

«أصاب ببعض الهدوء

إذا نمت منفردًا

حين لا تتوقع شيئًا من امرأة

لا تنم عندها

أتابع رسم خطوط القصيدة

كانت فتاتي تثرثر شيئًا

ولم يستطع قلمي صدّها».

فلسفة الحياة كانت موضعًا من مواضع التّأمّل:

«تمتعْ بكل المتاح

فقرشك أبيض

واليوم أبيض

والغد شيء كثير الغموض

هنالك أشياء لا تتأجل:

امرأة خانها زوجها

اللوز إذ يبدأ الاخضرار

القصيدة في آخر الليل».

هناك مقاطع كثيرة بمضامين مختلفة ولا مجال للإحاطة بها هنا، لكن وجدتني متعسّفًا إنْ لم أذكر المقطع التالي لما فيه من خفة وتحليق وظرافة في الصورة والتركيب:

«أنا لا أسافر كي

أتّعلّم

بل أتدرب ألّا أعودْ

يحيّرني الطائر البلديّ

لماذا جناحاك يا صاحبي؟! إن تركتَ الفضاء وجولاته

وعزمت الرقودْ».

نوّع الشاعر بالأساليب بين الإنشائيّة والخبريّة، وكان الانتقال من أسلوب إلى آخر سلسلًا متدفّقًا. ابتعد عن التقريريّة ما أمكن وركن إلى البناء المتيسر والصورة القريبة والتلقائيّة، أي أنّه لم يعاند الشعر حتى يتهذّب ويتأنّق، بل أطلقه حالما شعر به يحرك شيئًا داخله. الصدق الفني هو المفتاح إلى قلب القارئ ووجدانه، وهذا ما لمسته في مجموعة «عُري» للشاعر سمير القضاة الذي صدر له أيضًا: «ما أشهى طعم الحريّة»، و«هنالك مرّة أولى»، و«هذا صباح آخر من دونها».
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress