محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

«هكذا أراها».. البحث عن الأسطورة والمرأة والفرح

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
د.مازن عصفور  (أستاذ النقد الفني وعلم الجمال) منذ انطلاقة فن عصر الحداثة مطلع سبعينات القرن الماضي وما أحدثه ذلك العصر من تحولات فكريه واجتماعية وثقافية تمثلت بصعود نزعات جديدة قلبت مفاهيم الثقافة والفنون رأساً على عقب، وأدت إلى تحولات من أهمها إزاحة مفهوم «النخبة» وتلاشي الاهتمام بالحركات الفنية الحداثية التي كان لكل منها مفهومها وفلسفتها ورسالتها الخاصة. وكردة فعل مضادة لفكر الحداثة المشار إليها سابقا، قام فنانو ما بعد الحداثة السائدة حاليا بالدمج بين الفنون المختلفة في عمل فني واحد، مما كرس مفهوم الشعبوية بالفن، وبات الفنان بعيداً عن نضوج التجربة?وتراكمها. وأصبح بإمكان كل انسان أن يشتغل بالعمل الفني وينتجه، وكما يقول جورج لاكان: «في عصر ما بعد الحداثة يمكن لأي فرد أن ينتج عملا فنيا خلال دقائق، حتى لو لم يكن متخصصاً فيه».

وفي معرض «هكذا أراها» المقام في جاليري المشرق للفنانين غسان أبو لبن وعلي عمرو وإسلام عبادة، قدم الفنانون أعمالا فنية حرصت على إعادة الاحترام للوحة التلوينية التصويرية بنضوجها وألقها وتماسكها وجوها السحري الذي كان تحقيقه يتطلب خبرات دراسية وتمرساً على أصعدة فلسفة الشكل والمضمون وتطويع مادة الخام الفنية.

فالفنان غسان أبو لبن الذي يعد واحدا من أعلام التصوير المتماسك الملون القليلين في الحركة الفنية المحلية، وتماشيا مع التصور الذي أشرت إليه اعلاه، قدم أبو لبن في هذا المعرض تكوينات فنية تلوينية صيغت بمعرفة ودراية متعمقة بلغة الشكل والخامة وانسياباتها اللونية، التي يتداخل بها كل من رسم العمق بالتسطيح، وذلك من حبكه لشفافيات لونية تربط تلكما الخاصتين معا.

وعلى صعيد المحتوى الرمزي والدلالي، تمحورت مفردات الفنان أبو لبن البصرية حول المرأة كشيفرة بصرية جوهرية. راصدا ما يكمن فيها من جماليات في الشكل والدلالة والانفعالات التي يزخر بها الموضوع الأنثوي. ولهذه الغاية قدم الفنان في لوحاته نوعا خاصا من التحفيز الإبداعي البصري ارتكز بصورة رئيسية على جسد المرأة متكئا على الهندسة البديعة التي يحفل به ذلك الجسد، وذلك من خلال مقارنات تجريدية وحدت بين المساحات المجردة والسطوح التكوينية بأبعادها وفراغاتها المتنوعة بمستويات مختلفة. ومما يلفت النظر بتوليفات أبو لبن البصرية ب?اعته في الجمع بين درايته بالرسم الميكروسكوبي والتشريحي والرسم بالأسلوب التلويني التعبيري الحر.

أما الفنان علي عمرو، فقدم في المعرض لوحات تكوينية أكدت أيضا احترامه للوحة التلوينية التصويرية المتماسكة، وبمساحة رحبة من الحرية التعبيرية دمج فيها لغة الفن التجريدي بلغة الرسم التصويري ذي البعدين، من خلال متواليات لونية عذبة وشفافة بتدرجاتها المختلفة وإيقاعها البصري، في سعي للقبض على تسرب الإيقاع في الشكل. إضافة إلى تمسك الفنان بحضور الإنسان في أعماله، سواء أكان الإنسان غائباً أم حاضراً شكلاً ومضموناً. وعلى غرار زميله أبو لبن، برع الفنان علي عمرو في إبقاء خاصية الرسم الميكروسكوبي في تكويناته حاضرا رغم قيام? بإذابتها في أغلب الحالات وبتدرج بشفافياته الموسيقية البصرية بكل ما فيها من تدرج بالنغمات والمفاجآت التي نشعر بها دون استخدام المتضادات اللونية التقليدية.

بدوره، اختار الفنان النحات إسلام عبادة أن يقدم في هذا المعرض سردياته البصرية النحتية ذات الأبعاد الثلاثة وبتوليفات في الشكل والحركة وبمسحة حداثية وشبه ما بعد حداثية. ولم ينسلخ عبادة عن تأصيل الموروث الاسطوري الفرعوني، مقدما إياه بلباس معاصر وذلك من خلال سردية بصرية نحتية تشكل تجسيدات القطط الأسطورية الفرعونية كل مفرداتها.

قدم الفنان سردياته البصرية سالفة الذكر، من خلال استعراض بصري متحرك أقرب ما يكون لما يمكن تسميته (بروفايل بصري أسطوري) لمجموعة من أشكال تلك القطط وهي تندفع وتجوب بالبصر بحركة بصرية نشطة ومتعددة الاتجاهات، وذلك في سرد بصري لا يسرد فقط حكاية الكائن الأسطوري والمكان، بل يسرد أيضا حركة الزمان وعبق التاريخ.

ويمكن القول إن تجربة الفنان عبادة ما هي إلا محاولة للتعامل مع ما وجده الفنان صالحا للاستثمار من فكر ما بعد الحداثة، حيث لا يخلو عمله من توزيع تفكيكي وتركيبي، وفي الوقت نفسه بقيت الأشكال بمجملها مترابطة في الحركة والتكوين من خلال ما يوحي بهالعمل من خاصية التوالد والتناسل لمفردات الشكل والحركة التي صاغها الفنان في تكويناته النحتية.

خلاصة القول، إن ما قدمه الفنانون الثلاثة في معرضهم يعد علامة ذات خصوصية في الحركة الفنية المحلية، يستحق معها وقفة متمهلة ومتعمقة بالرصد والتحليل، بالنظر إلى مما احتوته اللوحات من صدق وأصالة في التعبير، على صعيدي الشكل واللغة الفنية.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress