محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

خبر

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
حنان بيروتي (كاتبة أردنية) وقعَ الخبرُ على كلِّ من عرفه كالصاعقة، صحفيّ نشط سياسياً وُجد ميتاً في سيارته بطلقةٍ في العنق، تطرقت مواقعُ إخبارية إلى وجود شبهة جنائية في حادثة موته، وثمة مواقع رجحت الانتحار!

في بيته اجتمعت النسوة الباكيات، كان صوتُ البكاء بأنفاس متقطعة بالكاد يُسمع ثم يعلو مترافقاً مع صوت والدته وهو يرتفع حارقاً «الضنى غالي، قطعة من القلب.. كيف ما أبكي يا ناس؟!»، وتتحدث عن حِنّيته، ومساعدته لها ولوالده في كلّ ما يطلبانه، وتجهش ببكاء مرّ يُبكي المحيطاتِ بها القريبات منهن والغريبات، تدنو منها امرأة من الواضح أنها مقرّبة وتبدأ بتهدئتها «ابنك منير في ضيافة الرحمن، وهو أحنّ عليه منكِ، لا تبكي.. حرام يتعذب بدموعك!»، فتتحايل على الأمر وهي تقول: «أنا بنوِّح على أخوي المرحوم، أمس أجاني بالحلم! صار لي أ?بوع الزاد بثمي مرّ، أتاريه جاي يعزي عليّ بمنير! آه يمّه».

***

الطلقةُ التي أحسستُها تخترق عنقي وتستقر فيه أو ربما خرجت من الجهة الثانية تشبه وخزة لاسعة؛ لم أعِ تفاصيل ما حدث؛ لأنّي توقفتُ لحظتها عن الحياة بشكلٍ خاطف، جهاز كهربائي انقطع عنه التيار بغتة، هكذا شابهتْ حالتي تلك اللحظة، جسدي أصبح غريباً عني بشكلٍ مؤلم، لم أعد أنا هو وهو أنا، انفصلنا مثل غريبينِ كأنّا لم نعش متداخلينِ طيلةَ ثلاثة وأربعين سنة تنقصُ عدة أشهر موعد عيد ميلادي القريب، آهٍ أتخيلني في العيد القادم دون جسد لكن يبدو أنها النهاية، أنا هناك لكني لستُ أنا، أنظر إلى جسدي، يبدو محزناً وقد تدلى رأسي وظهر?مكان الطلقة جلياً، ووقع نصف جسدي الأعلى على طرف المِقود بينما سحَّ دمي بغزارة مما أفسد ربطةَ العنق الأنيقة وقميصي الأزرق المكوي بعناية، ما الذي أوقفني هنا؟ من أين جاءت الرصاصة التي قتلتني؟

أووه، وقعُ الكلمة ثقيل عليّ!

أجرجر ما تبقى مني وأبتعد إلى حافة الرصيف، أجلس منتحباً وأنا أهتز إلى الأمام والخلف في حركة بندولية، ما الذي يُشعرني بالذنب؟ ألم أمت وانتهى الأمر؟ أيّ أمر؟ انتهت كل الأمور، يمرُّ بالقرب مني شخصان يهرولان إلى سيارتي وهما ينظران إلى جسدي بخوف، هل صرتُ مخيفا إلى هذه الدرجة؟ لا يريانني وأنا جالسٌ على الرصيف ناظراً إليهما، لا أشعر بالاستغراب فأنا نفسي لا أرى ما تبقى مني، أنسي انتحابي وأتابع ردود أفعالهما وهما يقتربان ثم يبتعدان كأنّهما يحملان عدسة تصوير لتقريب الصورة وجعلها أكثر وضوحاً، أحدهما يطلب الشرطة من هات?ه الخليوي، سأتابع معكم ما يحصل، أشعر بوخز في شيء غير مادي ربما كان ذاكرتي أو ضميري، أنا لا أذكر من أنا، ومن ذاك المنكس رأسه في سيارتي في طقسٍ جنائزي تراجيديّ.

يا الله! كم أنا متعب! أفكر في ترك كلّ شيء والذهاب إلى بيتي لأستريح قليلاً، الجميل في الأمر أنّ المكانَ الذي مِتُّ فيه قريبٌ من بيتي، أسير بخفة وأتفاجأ بكمّ كبيرٍ من السيارات أمام البيت، لا أهتم، فهذا في النهاية بيتي، ربما كان لدى الجيران مناسبة، لا يهمني شيء الآن، أبدأ بصعود الدرج، أصوات متداخلة تأتي من داخل البيت وبابه مشرع، أكاد أتراجع، ربما اخطأتُ في العنوان، لكنه بيتي، لا أخطئه! هذه الصالة، وتلك غرفة الضيوف، لكن المكان مزدحم بالنساء الباكيات، وتلك زوجتى بدت مثل وردة قُصف غصنها، ما كلُّ هذا؟! أتذكر أني ?ِتّ قبل قليل، آه، لا عليكم، أنا متعَب، أفسحوا لي الطريق لأنام في فراشي قليلاً، ربما كلّ ما يحدث الآن مجرد كابوس أو تهيؤات. أتسلل إلى سريري، ثمة امراة سبق أن رأيتها لكن لا أتذكرها اللحظة تمدّد طفلها مكاني وتهمس «نَمْ يا حبيبي.. أريد أن أجلس مع المعزّين».

أجلسُ على طرف السرير وأنا أشعر بالرعب، لماذا أحضرُ عزائي؟ أيّ ذنب ارتكبته لاعيشَ هذا العذاب كلّه، أهذا هو الموت؟!

تبدو المرأةُ منهمكةً في تنويم ابنها على فراشي، سأنتظر... أتمشى في البيت دون أن يراني أحد أو أتعثر بشيء، أرى أمي إلى جوار زوجتي تنتحب «الضنى غاالي يا ناس.. قطعة من القلب!».

كيف أعتذر لكِ عن ألمك؟ أبكي بلا دموع. حزنها يحرقني، وفجيعة زوجتي تنكأ قلبي، أودُّ أن أسألها عن الأولاد، بحثتُ عنهم في غرفهم الملأى بالغرباء، لم أرهم في البيت لكنّ زوجتي في عالم مختلف عني.

أسمع امرأةً تهمس بأذن من تجاورها: هو ما كان مريض، بقولوا انقتل قتل أو يمكن إجته رصاصة طايشة!

تهز الأخرى رأسها وتفحّ: وبجوز انتحر، أو انطلقت الرصاصة من مسدسه بالخطأ! الله أعلم! الحزينات زوجته وأمه بفكروا إنه مات جلطة.. هيك مفهمينهم.

لم أعد أستطيع الاحتمال أو المكوث أكثر، أدورُ في المكان غيرَ مصدّقِ ما يحدث، أتألم ألماً سحيقاً لا يدركه أحد من المجتمعين في البيت، لم أعد أشعر بألفةٍ مع المكان، هذا لم يعد بيتاً لي، ثمة مكانٌ أرحب، ضوءٌ بعيدٌ أتتبعه وأتبعه بينما الأصوات من حولي تخبو...
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress