محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

»خطفُ الحبيب«.. تجربة حياة تختصرها رواية

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
سارة سليم (كاتبة من الجزائر) تنطلقُ بعض الأعمال الأدبيّة من الخاص لتدوّن العام، الذي لم يكن سِوى نتيجة من نتائجه، جيدةً أكانت أم سيئة، إذ أحياناً تقودكَ الاضطرابات العامّة للبحثِ في أسبابها التي تأخذكَ إلى النشأة والتربية، ومنها تستطيع تفسير كلّ شيء بطريقةٍ سليمة، ولهذا وُجد الأدب، كي يمنحنا القُدرة على فهمِ الحياة ومحاولة استيعاب كلّ ما يحدثُ حولنا من مظاهر تعودُ في الأساس إلى الأسرة، خاصّة تلك التي تبدو في ظاهرها قويّة متماسكة، لكنّها في الواقع بخلاف ذلك، إذ أنّها مفكّكة، وكلّ فردٍ فيها لا يعرفُ عن الآخر سوى أنّه بخير وأنه لا يحتاج ?يئاً، لاعتقادهم أنّ المال ينجحُ في سدّ بعض الفَجوات والفراغات، لكنْ لا يصلح العطار ما أفسده الدهر.

ومن هذه الفِكرة إلى أفكارٍ أخرى أكثر خطورة قدّم الكاتب والروائي الكويتي طالب الرفاعي روايته «خطف الحبيب» الصادرة حديثاً عن دار نشر ميم الجزائرية (صدرت الرواية بالتزامن لدى 14 ناشراً عربياً)، إذ أنّ الرواية تذهبُ في شخصية كلّ واحدٍ من أفراد عائلة يعقوب بدءاً بزوجته شيخة، إلى أحمد، إلى البنت التي فُتِن بها، إلى يعقوب نفسه وبقية الشخوص. فكلّ واحدٍ بالرواية له صوته وتفسيره للأشياء من وِجهة نظره لكلّ ما يُحيط به، وتساؤله عن مدى تخلخُل علاقته بمحيطه، ونلاحظُ أنّ كلّ شخصيّة تقوم بلوم الآخرين، وتعطي في حديثها الخا? مع نفسها أسباباً تبدو منطقيّة، لكن الإشكال أنّ أحداً منهم لم يجلس مع المقربين منه، لمحاولة فهمِهم واستيعابهم، كلٌّ يرى الحياة من وجهة نظره وأنّه على صوابٍ دائماً

تمكّن الرفاعي بكلّ جسارة في أن يصوّر العلاقة الأُسَرية كما هي دون تزييف، خاصّة عند بعض العوائل الثريّة التي ترى أنّ المال يعوّضُ الأولاد عن كلّ شيءٍ، في حين يكبرُ أبناؤهم بمشاكلٍ قد تكبر مع الوقت، لتغدو واقعاً لا يمكن أنْ يكبحَ جماحه أحد، فالمال يمنحُ الحياة الجميلة، لكنّه أيضاً لا يستردّها حين تضيع منك.

نجحَ الروائي في الاقترابِ من الواقع ليصوّره من زاوية أخرى دون أنْ يطلقَ الأحكام على أحد، بعدها ذهب مباشرةً إلى الحديث عن العام وما يحدث بالمجتمع، من خلال ما حدثَ لأحمد وانضمامه إلى الجماعات الإرهابية وخطفه، إلى الوضع الذي وصلَ إليه في نهاية الرواية، على الرغمِ مِن محاولات الأب الكبيرة لأجل استرجاع ابنه وحمايته، لكنّ الآوان قد فات، فلا يمكنك استرداد ما نجحتَ في تضييعه سنواتٍ خلت.

إلى جانب العلاقات الأُسَرية المفكّكة، تتناولُ الرواية واقع الحياة الثريّة في دول الخليج والبذخ الذي تعيشُ فيه بعض الأُسر، وعلاقتها بالخَدم، منتقلاً من النقيض إلى النقيض، وكيف لمن يُناضل لكي يحصل على شيءٍ قليل يُبقيه على قيد الحياة، يرى حياةً أخرى بقُربه تعيش في أقصى درجات الثراء الفاحش، إذْ يوضّح فكرة مَن ترك أسرَته كي يحميها مِن الفقر ومَن ترك أسرته راكضاً وراء المال. تقول الرواية:

«أحياناً يدور في بالي السؤال: كيف ينظرُ الخَدم إلينا، وهم يعرفون دواخلَ تفاصيل حياتنا؟ هل يعلمون بأسعار مشترياتنا وأنها تتجاوز بأضعافٍ مضاعفة رواتبهم؟ وهلْ يؤلمهم تنعُّمنا بمباهج الحياة، بينما أسرهم لا تجدُ ما تأكل؟! لا نتوقّف عن الشراء، وهم يبصرون كلّ شيء، ويتكفّلون بحمله إلى غُرَفنا، ومِن ثمَّ رمي أكياسه الخالية في القُمامة».

كما أنّه يوضّح فكرة محدودية المال حين ينجحُ في تدمير كلّ العلاقات الإنسانيّة وتشتيت الأسر، إذْ يفسحُ المجال دائماً للعلاقات المُنفتحة على كلّ شيءٍ، دون أدنى رادعٍ أخلاقي.

بلُغةٍ جميلة وبسرد يحملُ مِن السلاسة ما يجعلُ القارئ يتماهى مع الرواية، التي تعلِّمكَ الكثير مِن الدروس الحياتية القاسيّة، كما أنّها تُطلعُكَ على أشياء تجهلها عن نظام حياة شعب، لا تعرفُ عنه إلا ما تراه، ولعلّ هدف الرواية تسليطُ الضوء على بعضِ الظواهر الاجتماعية والأُسَرية، وبدون شكٍّ السياسية، إذْ نرى ذلك في ما حدثَ لأحمد.

وهنا تنتقدُ الرواية الأُسرة والدولة التي تتساهل مع أبنائها حتّى تقودهم خياراتهم إلى طريقٍ مسدود.

الرواية تقول أنّ أيّ شيءٍ في الحياة مهما بدا صغيراً، سيكبرُ فجأة، ويصبح مصدر خطر، لدرجةٍ لا يمكن بعدها أن تتحكّم فيه، كالتطرُّف الديني، وظواهر كثيرة كأزمة العمالة الوافدة، والمحسوبية التي تكادُ تكون سِمة لكلّ دولةٍ عربية.

الجميل برواية «خطف الحبيب» ذلك الصوت الذي نسمعه عندما تتحدّثُ كلّ شخصيّة عن نفسها، ذلك الإنسان الذي يحاولُ جاهداً في أن يكون جيداً، تلك الأصواتُ الداخلية التي لو تلاقتْ لشكّلت صوتاً قويّاً لا يمكن المَساسُ بصلابة بُنيانه.

في هذه الرواية نقتربُ كثيراً من خطاب الذّات الإنسانيّة التي تتنازع بين الخير والشر، بين الشَهوات الزائلة وضياع العلاقات الدائمة، بين فهم واستيعاب مَن نُحبّهم وبين تركهم للضياع، بين العلاقات الاجتماعية المبنية على الحبّ وبين العلاقات التي تحاولُ الحفاظ على الشكل الزائف للحبّ إرضاءً للمجتمع.

وتتناولُ الرواية التطرُّف الديني والإرهاب الذي ينجحُ المُجتمع في صناعته حين يغيبُ الوعي.

«خطفُ الحبيب» ليست رواية عن الحبّ ولا عن الأسرة، إنّها رواية الإنسان الذي يصارع رغبَاته وأحلامه في مجتمعات تقمع الحريات، وتشوه الحياة بصناعة مسوخ بشرية تعيش على الدماء وتقتات على الفتن والحروب..

وجاءت نهاية الرواية كما تجيءُ بعض نهايات الحياة المؤلمة إنْ نحنُ أهمَلنا صناعة الإنسان من أجلِ كراهية تمتدُّ أحبالها لتخنق كلّ مَن يقتربُ منها.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress