محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

»ليس من أجل تشوانغ تسو فقط« لعامر الطيب.. حلم الفراشة

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
لمياء القفصي (كاتبة تونسية) ما الحلم إلا مرآة الروح تعكس الأعماق الغامضة والسراديب الخفية للنفس. هو بعد لذيذ من أبعاد الحياة، مشهد نتمنى أن يكون كما نرغب، ونتخيله كما نتمناه. تعبير بالصورة عن الذات والعالم والرغبات كما يرى سيغموند فرويد في قوله «الرؤى هي عبارة عن الدوافع والرغبات اللاشعورية عند الإنسان»، ذاك الكائن الحي المحكوم بالموت والحياة والحلم. كما أن الحلم هو سؤال الوجود الأول وهو أيضا سؤال اللغة والقصيدة في لحظات إنسانية فارقة يتقاطع في ظلالها الزمن، وينفتح الشعر على وعي الشاعر بذاته وحقيقة وجوده وواقعه الإنساني.

في ظل هذا الأفق يرسم الشاعر العراقي عامر الطيب في مجموعته «ليس من أجل تشوانغ تسو فقط» الصادرة عن دار العائدون للنشر بالأردن، بهمسات حروفه تسابيح الأحلام طوقا للنجاة، وفسحة الضياء فراشة تتوق للانعتاق. بين عالمي الحلم والواقع ينسج جدلية فنية تحيلنا إلى تحول طبيعة الوعي بالذات وبالوجود، مما يفرز نوعاً من الوعي الموضوعي والوعي الممكن، وما يثيره في الذات من رؤى، فتدرك أن الحياة حلم والكتابة حلم والقصيدة حلم.

على جدار الحلم يستند الطيب منذ عتبة العنوان لبناء عالمه الشعري «ليس من أجل تشوانغ تسو فقط» إلى مفتاح وضعه بين أيدينا للكشف عن خبايا النص والتعمق في شعابه والسفر في أرخبيلات المعنى وتجليات الفلسفة في نظرية «تشوانغ تسو» الفيلسوف الصيني وقصة «حلم الفراشة»، إذ تقرأ في الاستهلال الذي وضعه الطيب في مقدمة المجموعة:

"هذا الكتاب

لرجل تخيل أنه فراشة

فطلب من الرب أن يبقيه كذلك

لكن وقد تحولت حياته إلى الليل

حاول أن يقول يا إلاهي

إن أردت أن أحلم مطولا

فبأيّ يد سأطفئ الشمعة الآن؟».

على تخوم الحلم في قصة حلم الفراشة المبنية على فلسفة العلاقة بين حالة اليقظة وحالة الأحلام، أو الواقع والمتخيل، يخطو الطيب شعرا وإبداعا. بخفة فراشة يطير على جناح اللحظة الهاربة في نزهة روحية ينفذ من خلالها إلى عالم آخر، يستنشق هواء مغايرا يصعب إدراكه في كوابيس الحياة، في واقع ملدوغ بالسوداوية مشحون بالحزن. بصرخة البوح يغمض عينيه ليستفيق على حلم يعدّ أملا منتظرا لفجر وضّاء خال من الألم الإنساني عند مواجهة ذاك القدر المرعب الذي يطاردنا مهما اتسعت بنا الحياة وتشعبت، إنه الموت الثيمة التي حملها إهداء مغلف بالأش?ان، زجّ فيه الطيب بكل ما يحمله القلب من وجع لفقدان شخص شكل حياة كاملة:

"لقد توفي أبي

قلت لأخي على الهاتف وأنا لا أصدق

أنني أنهي حياة كاملة

بجملة تقطع النفس

بدأ الناس يتوجهون نحو بيتنا

كان العزاء ضاجا

قال بعضهم: مات قبل أوانه

وهمس الآخر:

لقد عاش ورأى أحفاده أيضا

أما أخواتي فقد كنّ يبكين

كما تبكي الحمائم الخائفة

ولسبب ما

وددت لو كنت طفلا

تستحوذ عليه رغبة فطرية

بفتح القليل من التابوت».

عبر رغبة فطرية يسعى الطيب إلى الانفلات من عقال واقعه المؤلم، ليهيم بروحه في عالم الطفولة، نحو الماضي البعيد يرحل. لكن لماذا العودة إلى الماضي؟ هل معنى ذلك أن الشاعر يريد أن يمنح لحياته الحاضرة قوة دافعة من الماضي الطفولي؟ أم هي العلاقة بين الإنسان ومختلف مراحل عمره والعالم؟ أم هو حلم يحقق رغبات تنهض على ذكريات الطفولة لتخطي مشهد الموت، ألم الرحيل، ووجع الغياب؟

من الجرح وُلد الحلم، بساط يحمل الطيب بعيدا عن العالم المرئي وظلاله، بمنأى عن «الأوغاد الذين ينقلون الإشاعات ببركة ويسر». «لحظة تقتطع من الزمن» للخلاص من واقع مزرٍ بأحداثه وسلوكياته، والنزوع إلى التمركز حول الذات في خلوة فاعلة مع الذات حيث صورة الواقع مبنية بحسب رغبات الذات على لا واقعية العالم. صورة يتمناها الآخر الموجود في ذات الشاعر. يتمسك بظلها وسرابها ويسعى لتحقيقها أو العيش على جمالها في فضاء المتخيل، فنراه كـ"تشوانغ تسو يريد أن يصير فراشة» في قصيدة «غابات». صورة تنمو داخل القصيدة وتتشعب من خلال المرا?حة بين الحلم واليقظة، الواقع والمتخيل، الموجود والمنشود:

"لعلي مزيج من الفراشة

وتشوانغ تسو

مع أن الحكاية لم تكن أصيلة

فلم يكن أحد المخلوقين

أليفا في عذابي

إلا أنني حاولت أن أصف حياتي للغرباء

الأوغاد

الذين ينقلون الإشاعات

ببركة ويسر

فاتضح أني بمواجهة الضوء دائما

هكذا سأعرف حتى في اللحظة

التي آكل فيها طعاما لا أستسيغه

أنها اللحظة التي ينبغي أن تقطع من الزمن

عندما أقتحم الشمعة

كتشوانغ تسو يريد أن يصير فراشة

وأطفئها

كتشوانغ تسو يريد أن ينام».

هنا يغدو الحلم لدى الطيب إعادة لصياغة عوالم الذات صياغة تخيلية مفتوحة على عوالم الرؤى وردم المسافة بين الشعور واللاشعور، الوعي واللاوعي، ومجال اتصال الذات بعوالمها المباشرة والخفية وتجاذبها بين العالم الواقعي والعالم المتخيل، مما أنتج جدلية تطغى في ممارستها على الوعي الشعري، تتحكم فيها ثنائية الحلم واليقظة، فالحلم استمرار لليقظة وتجاوزا لها على حد تعبير يونغ «الحلم هو الواقع الذي نشرع فيه، ونواصله على نحو مطّرد».

وتمثل عملية الاستمرار دوام الوجود الإنساني الذي يغدو عند الطيب معطى ثقافيا جدليا ما بين الحلم واليقظة باعتبارهما صيغتين من صيغ الوجود، وهو ما أشار إليه عالم النفس الألماني إيرك فروم في كتابه «اللغة المنسية» في قوله: «إن الفرق بين الوظائف الحيوية أثناء اليقظة وأثناء النوم هو الفرق الذي يميز في الواقع، صيغتين من صيغ الوجود، فإن مهمة الإنسان المستيقظ تتلخص في الحفاظ على بقائه. لذا فهو يخضع للقوانين التي تحكم الواقع، في حين أن الإنسان النائم لا يهتم أدنى اهتمام بإخضاع العالم الخارجي لغايته ومآربه».

جدلية تختزل الرؤية الشعرية التي تتخذ من الحلم مفتاحا تتطلع به إلى الغد «لنطفاتٍ لم تتكون» نافذةَ أمل تطل منها على الحياة بعيدا عن «عالم مرير».. مرآة تعكس الواقع بعيني شاعر لا يرى الخيبات والانكسارات فقط، بل يبصر العالم المنشود أيضاً. شاعر نلمس في حلمه هاجس التغيير لهؤلاء الذين «لم يجدوا بعد تعريفا للألم». يقول الطيب في قصيدة «سكانين":

"لا نكره ولا نقول هذا اليوم سيئ

ولا نوجه كلاما قاسيا

لنطفات لم تتكون بعد

العالم مرير وقد خبرناه

لكن هؤلاء الذين لم يولدوا

لم يجدوا بعد تعريفا للألم

دائما ثمة طريقتان لتعريف الأطفال بالعالم

الأولى أن نخبرهم أننا نمنا طويلا في السفر

والأخرى أن ندعهم ينامون».

فالذات الشاعرة تختزن الكثير من الألم والمعاناة الذاتية والإنسانية، تفجرها عبر اللغة الشعرية، لينبعث صوت الشعر المتعالي على الصراع بين الواقع التراجيدي والخيال الصوري معلنا رؤية تستشرف الآتي الجميل من خلال الاحتماء بالحلم. وهذا ما جعل مفهومَي الحلم والواقع عند الطيب يتجوزان علاقة الذات بالعالم الشعري ويتعلقان بمفاهيم أخرى: الرؤى، والحياة، والحاضر، والمستقبل.

فمن التقابل بين الحاضر المؤلم والمستقبل المنشود تتولد لحظة الانفعال التي تدفع الذات الشاعرة إلى البحث عما يطفئ وهج الانفعال، ويعيد إليها توازنها واستقرارها، في لحظة تعترض زمنين (الآن والآتي)، لحل التناقضات القائمة بينهما وصهرهما في كينونة جديدة.

من هنا كانت المجموعة الشعرية «ليس من أجل تشوانغ تسو فقط» طرحا فلسفيا جدليا للذات في علاقتها بالوجود في تجربة شعرية تنبثق من الهمّ الذاتي إلى الهمّ الوجودي العام، لتتحول تأملات الذات وأحلامها إلى أحلام جماعية وتصبح الرؤية للحياة دعوة إلى إعادة النظر في الموجودات. كما تثير جملة من قضايا الإنسان العميقة كالحب والموت والحياة، فالحياة حلم يتسرب من جيوبنا في الوعي، وحيرة تغزو إدراكنا في اللاوعي وفق منظور الطيب في قصيدة «سكانين":

"أما حياتي إن جاز لي تعريفها

فهي الحيرة

من أن تصير الأرض كلها

حجرة صلبة عندما أسند رأسي».

برهافة فراشة يحلق عامر الطيب بخياله فوق أرض من إيحاءات وصور رمزية في ديوانه «ليس من أجل تشوانغ تسو فقط»، مغدقا ببث معانٍ غائرة في آبار الدهشة والجمال تنبع من الواقع إلى عالم المتخيل أو أحلام القصيدة حيث المعنى مفتوح على المدى ورؤى بعيدة الأفق، تشي بجلاء عن سعي الشاعر إلى قراءة الواقع، والوجود، والحياة بفكر فلسفي، وشاعرية متوهجة، مثقلة بضوء التأمل، والوجدان، تأخذك عنوة باتجاه الشمس لترفرف كفراشة جرى في جناحيها دم الحياة.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress