محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

غضب الطبيعة والسنين العجاف أوراق من الذاكرة الشعبيّة

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
فضيّة المقابلة (كاتبة أردنية) ثمة أحداث ارتبطت بالطبيعة؛ كالزلازل والبراكين والثلوج، لكنَّ وقعها وتأثيرها تجاوز استحقاقاتها من مظاهر الطبيعة لتشكِّل علاماتٍ فارقة في حياة الشعوب وذلك بأن صارت الأحداث تؤرَّخ بالاتِّكاء على زمن حدوثها؛ فيُقال: «حدث الأمر في سنة الثلجة» أو «بعد الهزَّة»، أو «قبل سنة الجَراد». ولم يكن الأردن استثناءً من ذلك، إذ صارت تلك الظواهر جزءاً من الذاكرة الشعبيّة.

والأحداث إما أن تكون كوارث أو أحداثاً سعيدة، وتبعاً لذلك نستخدم مفردة «سنة» أو «عام» عند الإشارة إليها، فحين تعمُّ الخيرات والبركات التي تغمر البلاد والعباد وتعود على الناس بالغلات والثمار والوفرة في الزَّرع والضرع فإننا نستخدم كلمة «عام»، أمّا «سنة» فتُستخدم عند حدوث الضيق والشدة والجفاف والمَحْل (ندرة المطر وقلة المحاصيل الزراعية) وكذلك للإشارة إلى الزمن الذي تحدث فيه الحروب والكوارث والأوبئة وما شابه ذلك.

قال تعالى في سورة العنكبوت: «ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون»، وهنا فإنَّ الخمسين عاماً المستثناة في الآية بعد الطوفان عاشها نوح في الإيمان مع مَن نجا من الغرق؛ وهم الذين ركبوا السفينة وكانوا مؤمنين، فكانت قبل الطوفان تسعمئة وخمسون سنة في الشدّة والصِّراع.

وبكل الأحوال، فإن تلك الكوارث والظواهر الطبيعية أثّرت في الذاكرة الشعبية، وحملت دلالات البؤس والشدّة، لكنها في الوقت نفسه حملت دلالات مبشّرة بوفرة خيرات الأرض، وما تجود به من ثرواتها.

سنة الجَراد

من أحداث الطبيعة التي شكّلت علامات فارقة في حياة الناس، وما يزال الأجداد والآباء يذكرونها، وتُروى من السَّلَف للخلف: «سنة الثلجة»، و«سنة الجراد»، و"سنة الهزَّة».

كانت سنة الجراد في عام 1915، ذلك العام الذي كانت فيه سوريا الطبيعيّة (بلاد الشام) تحت الحكم العثماني، وعانى الناس فيه من مصادرة المحاصيل، والتجنيد الإجباري الذي أصدره جمال باشا على إثر انخراط الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى إلى جانب حلف المحور بقيادة ألمانيا.

اجتمعت المآسي على سكان بلاد الشام في تلك السنة، إذْ هجم الجراد الذي غطّى قرص الشمس على ما تبقّى من المحاصيل الزراعية، وكان ذلك في ظلّ النظام الإقطاعي الذي فرضته الدولة العثمانية على أراضي بلاد الشام.. وأكل الجراد الأخضر واليابس مخلفاً البلاد خراباً هامداً، وكأنها سياسة «الأرض المحروقة» التي يتقنها الجراد كما في استراتيجيّات الحروب العسكرية.

في سنة الجراد عمَّت المجاعة في بلاد الشام وأدَّت إلى موت عشرات الآلاف في حلب وحدها، ووفاة أكثر من ثلث سكان لبنان بحسب ما يُروى عن سكان جبل لبنان، ومن هذه الوفيات ما هو موثق بصور وأرقام في مؤلَّفات كتاب عاشوا تلك الأحداث المؤلمة، أو تواصلوا مع مَن عاصرها، أو استفادوا من الوثائق الرسميّة المتصلة بها.

ولم يكن الأردن أوفر حظّاً من بقيّة بلاد الشام، فأصابه المصاب نفسه من القحط والجوع والجفاف. وتوفِّي مَن توفي في تلك السنة، وشُرِّد مَن شرد، وقُتل في الحرب العالمية مَن قُتل، ومرضَ مَن مرض، أمّا مَن بقي فليس يُدرى؛ أهو الشقيّ أم السعيد!

خلاصة القول إنَّ الظروف الصعبة في تلك السنة اجتمعت من كلِّ حدب وصوْب؛ سواء من غضب الطبيعة أم من صنع البشر.

سنة الثلجة

من غزو الجراد إلى تساقط الثلوج، حيث تتعرض بلادنا لهطولات ثلجية كثيفة وعلى فترات متباعدة، وبالعودة إلى منتصف القرن الماضي، فإنَّ أبرز هذه الهطولات الثلجية كان في عام 1950، وبسبب غزارة الثلوج اشتهر ذلك العام باسم «سنة الثلجة».

بدأت الثلوج الغزيرة تتساقط على بلاد الشام بتاريخ 5 شباط 1950 إثر جبهه قطبيّة أدَّت إلى هبوب رياح شديدة وانخفاض حاد في درجات الحرارة، إذ وصلت إلى تسع درجات تحت الصفر المئوي في بعض المناطق، وبلغ ارتفاع الثلوج في العاصمة عمّان أكثر من متر.. وتساقطت الثلوج على جميع أنحاء بلاد الشام ومنها الأردن، ورسمت الطبيعة لوحة فنيّة تثير البهجة البصرية والوجدانية.

ويروي الأجداد أنّ الثلوج غطَّت صحراء النقب وسيناء ووادي عربة وغور الصافي والبحر الميت (أخفض منطقة عن مستوى سطح البحر)، رغم أنَّ هذه المناطق تندرج ضمن نطاق الندرة والجفاف وعدم وصول الرياح المشبعة بالرطوبة والقادمة من فوق المسطَّحات المائيّة من جهه الغرب، أي أن سقوط الأمطار فيها نادر الحدوث.

ويستذكر الناس الويلات والأوجاع وشدة المعاناة التي أصابتهم من شدة البرد القارس الذي تعرّضت له البلاد في سنة الثلجة.. وسُجل أكثر من سبعين حالة وفاة كان معظمها في مخيمات اللاجئين داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ونفدت المواد الأساسية، وبخاصة الخبز، ناهيك عن عدم توافر المحروقات، وتهدُّم البيوت وتشرُّد الأهالي، وشُلّت الحياة العامة وأُغلقت المراكز الحكومية والمدارس.

في تلك الأيام كان من البذخ تسجيل تواريخ الميلاد لحديثي الولادة، فكانت سنة الثلجة «روزنامة» الفلاحين؛ إذ يؤرَّخ بها للمواليد والأعراس والوفيات، كأن يُقال: فلان وُلد سنة الثلجة أو قبلها أو بعدها.. ومنهم مَن أطلق اسم «ثلجة» أو «ثلجي» على المواليد الجُدُد.

سنة الهزَّة

من الأحداث التي سُجلت نتيجة لغضب الطبيعة «سنة الهزَّة»، فعند الساعة الثالثة من ظهر يوم الاثنين 11 آب 1927 شعر سكان بلاد الشام ومصر بهزّة أرضيّة بلغت قوّتها بحسب مرصد الزلازل الوحيد شرق نابلس (٦/٢٥) على مقياس ريختر (هزة صُنِّفت بالمتوسطة).

ويؤرِّخ كبار السن بـ"سنة الهزّة» لأبرز أحداث حياتهم؛ لأنَّ هذه الهزَّة تركت دماراً في مدن الأردن وفلسطين: نابلس والقدس وأريحا والرملة والسلط وعمّان وإربد وجرش ومادبا (كانت نابلس والسلط أكثر المدن تضرُّراً لأن مركز الزلزالكان يتوسَّط المسافة بينهما). وخلف الزلزال حوالي 400 قتيل وأكثر من 1000 جريح، والكثير من البيوت المهدمة، وسقطت بعض مآذن المساجد.

وبشكل عام، ظلت منطقة الغور عرضة لموجات من الزلازل عبر التاريخ، وذلك لوقوعها في منطقة حفرة الانهدام الآسيوي الأفريقي التي تمتد من جنوب تركيا حتى أواسط الحبشة، والتي نتجت بعد زلزال كبير أدّى إلى تغيير شكل الأرض وصفائح القارّات، فتكونت بحار وبحيرات وأنهار وتدفقت الينابيع والمياه المعدنيّة في غير موضع. وتسبب ذلك في هبوط الأرض من جهةٍ مشكِّلةً الغور والبحر الميت الذي يعدّ أخفض منطقة في العالم تحت مستوى سطح البحر؛ ومن جهة أخرى ارتفاعها لتشكيل الجبال والهضاب المحيطة بالمكان. وهو الأمر الذي انعكست آثاره على الطقس ?المناخ والجيولوجيا والخريطة الجيوسياسية.
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress