محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

بُرما.. حكايات الزيتون وصناعة البارود

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
كتابة وتصوير: مفلح العدوان

ما أن تطل على برما وأنت قادم إليها من جهة جرش حتى يستقر في ذهنك السبب الحقيقي وراء نسبة الزيتون في المنطقة إلى هذه القرية حتى أُلفت عليه الأمثال والأشعار، فأنت أيها القادم إلى هناك، تمر بين أشجار الزيتون كأنك تتمسح بالقداسة فيها، وتتبارك بتلك الشجرة، لأن بحراً من هذا الأخضر المبارك يحيط بالقادم، ويراه أمامه على مدّ البصر.

هناك... بؤرة زيتون برما

القرية بسيطة مثل كل القرى الأردنية، وحين تريد أن تبوح عما فيها من تاريخ وذاكرة تصمت قليلاً كأنها واقعة تحت مباغتة السؤال، ومفاجأة الاهتمام بماضيها بعد طول نسيان، لكنها تُذكّر من يريد معرفتها بأن اسمها يرجع في تداعياته الأولى إلى الآرامية وهو تحوير للكلمة التي أصلها الآرامي «برميت»، والتي جاء منها اسم برما.

ويروي الناس من أهل القرية أن الاسم يعود أيضا إلى ارتباط القرية بالبر والماء، فهي «برماء»، لأنها كانت تحتوي فيها على (101) نبع ماء (لم يتبق منها الآن إلا إثنى عشر نبعا منها: عين الجرن، وعين الخرور، وعين حامد، وعين الديك،..)، وكانت تربتها خصبة وطيبة وملأى بالأشجار، ولهذا ارتبطت بالماء والتراب وبالخير المرتبط بهما فصارت «برماء»، ثم برما.

بينما يقول الكبار أنهم كانوا يقولون عنها هذا لأنهم في ما مضى من الزمان كان الناس «يبرمون»، بمعنى يلتفون، من جوار هذه القرية في ترحالهم مشياً، أو على ظهور الخيل والدواب، عندما لم يكن هناك طريق للوصول إلى العاصمة والبلقاء إلا عبر هذا الدرب مروراً بطريق الرمان إلى عمان.

صناعة ملح البارود

تلك القصص التي تألفها القرية الوادعة جنوب جرش، تتماوج بين ذاكرة الزيتون، وشفاهية التاريخ المخبوء فيها ولمّا يكتب بعد، إلا قليلا في كتاب هنا ومذكرات هناك.

وقد كانت برما في العهد العثماني تابعة إلى سنجق عجلون، كما أنه قد زارها الرحالة جون لويس بيركهارت في أيار من عام 1812 في معرض مروره بجرش وسوف، وكتب عن صناعة البارود فيها ضمن كتابه «رحلات في الديار المقدسة والنوبة والحجاز»، حيث قال عنها وعن القرى المجاورة لسوف: (وتتكون سوف من أربعين عائلة تعتمد في حياتها على الزيتون الذي يزرعونه في سفوح وادي الدير، وهي القرية الرئيسية في منطقة المعراض وحولها القرى التالية: الكتة وتبعد ساعة عن جرش، وقد هجرها أهلها منذ العام الماضي (ويقصد 1811)، برما، حمته، جزازه، دبّين، وقد جرت العادة في هذه القرى أن يقوم كل بيت بصناعة ملح البارود اللازم لاستعماله ويبيع الزائد للأعراب المتجولين في المنطقة، وقد شاهدت في كل بيت دخلته هاونا كبيراً لا يتوقف عن الدق أبدا حتى والنار مشتعلة بالقرب منه، ويصنعون البارود بخلط جزء واحد من الكبريت مع خمسة أجزاء ونصف من التراب المحتوي على الملح(البوتاس) وجزء واحد من فحم شجر الصفصاف. وملح البارود الذي يصنعونه ليس من النوع الجيد، الا أنه يخدم الغرض منه).

زيتون برما داشر

صار هذا المثل شماعة تعلق عليه كثير من المحامل السياسية خارج إطار القرية برما رغم ارتباطه بها، خاصة في الكتابة والصحافة، حتى أنه في عام 1971 استخدمه الاستاذ ملحم التل عنوانا لإحدى افتتاحيات جريدة الرأي حيث تم استخدامه لإيصال رسالة من خلال توظيف هذا المثل ليقوم بتلك المهمة بديلاً عن كثير من الكلام وكان العنوان هو (زيتون برما ليس داشرا).

أما قصة المثل فقد تمت صياغتها لتنطبق على حال مرحلة كان فيها، كما يقول أحد المسنين في القرية، بأنه كان الزيتون في برما كثير، والناس تلقط جزءاً منه و«تدشّر»، أي تترك، جزءاً منه على الشجر، فكانت جماعات من القرى المجاورة، ومرارين الطريق، واللصوص يأتون إلى برما ويلقطون هذا الزيتون، فصار المثل دارجا على حال القرية وهو (زيتون برما داشر وتعيّشوا يا همل).

وفي إشارة لهذا المثل يشرح المثل الدكتور زياد الزعبي في تحقيقه لديوان عشيات وادي اليابس للشاعر مصطفي وهبي التل «عرار»: برما قرية أردنية في لواء جرش، تشتهر بالزيتون، لكن هذا الزيتون لم يكن يجد من يحميه، فأصبح مزاراً للصوص «والهمل» الذين لا يجدون عملا يكسبون منه.

وقد كتب الشاعر عرار هذا المثل شعرا، ومعها ستة عشر مثلا آخر في جريدة الأردن في الثلاثينات من القرن الماضي، وتحت عنوان «جد في هزل أو هزل في جد»:

(زيتون «برماء» يبقى داشرا أبدا لكل مرتزق أفّاقِ يجنيه).

تجارة الحديد

هذا الحراك الذي ينعكس على القرية يجعل من المتأمل في حالة ربط دائم لماضيها وحاضرها، ولعل اشتغال الناس بغير مهنة يعطيها صفة مختلفة عن القرى الأخرى المجاورة.

يتحدث أهل القرية عن تجار كبار فيها مختصين بتجارة الخردة والحديد، وآخرين مختصين بالفحم وإقامة المفاحم والتجارة بهذه المادة على مستوى الأردن والعالم العربي، هذا إضافة إلى الإتجار بالزيت والزيتون وبقية المنتوجات الزراعية في القرية.

وردة وصلاح الدين

لكن تجارة الخردة صارت جزءا من تاريخ القرية، واذا تم الاتساع في الربط في ذات السياق فيمكن أن نعود بهذه المادة والتعامل معها إلى أبعد من ذلك في بطون التاريخ حين نكتشف أن منطقة وردة المحاذية للقرية، وفيها مغارة وردة أيضا، كان فيها مناجم للحديد في العهود القديمة، ويروى أنه عندما تم بناء قلعة عجلون في أيام صلاح الدين الأيوبي استفادوا من هذا الحديد الذي كان يتم استخراجه من منطقة وردة، ويتم تعدينه وصهره وتصنيعه في مغارة وردة أيضا، وتاريخ المنجم هذا يعود إلى ما قبل العهد المملوكي، عميقا إلى العصر الروماني والبيزنطي، لكن في فترة صلاح الدين الأيوبي كان التعدين هنا، ويتم تزويد الحديد للحامية في قلعة عجلون وتصنيع السلاح ولوازم القلعة من الحديد في تلك الفترة، وبجانب المغارة كانت خربة للعمال الذين كانوا يقومون بمهمة التعدين والتصنيع، وربما يكون الحديث عن «وردة»، الآن، فاتحة لتسليط الضوء على تداعيات الاتجار المعاصر بهذه المادة كجزء من علاقة قرية برما التاريخية بهذه المادة.

من الشويخ إلى برما

لكن هذه المهنة الجديدة، في عهدها المعاصر، قدمت إلى القرية بعد عام 1990 عندما رجع أكثر من ستين تاجرا من أبناء برما عائدين إليها من الكويت أثناء دخول الجيش العراقي في حرب الخليج الأولى، وكانوا هناك يقطنون ويتاجرون في الخردة في منطقة الشويخ.

عندما رجعوا إلى القرية بدأوا منها استئناف عملهم التجاري في الخردة، وتوسعوا به إلى عمان في منطقة «الرجيب» التي أسسوا فيها محلات سكراب، حيث يتاجرون في الخردة، ويشاركون في مزادات ضخمة حتى صاروا يشكلون وحدهم طبقة منفصلة في هذا المضمار، وبعضهم بقي في القرية، غير أن الغالبية الكبرى منهم سكنوا عمان، ولا يأتون إلى القرية إلا في زيارات متباعدة.

الجزء الثاني من سكان برما مهتمون بصناعة الفحم والاتجار به، وآلية عمل كثير منهم في هذا المجال تقوم على دخول مزادات كبيرة لشراء الحطب من وزارة الزراعة ومن البيارات قديمة بأكملها في الأغوار كما أنهم يستوردون من الخارج أحيانا حيث يشترون الحطب بآلاف الأطنان ويعملون المفاحم في الأرض التي يشترون منها الحطب مركزين في انتاجهم على فحم الليمون والحمضيات.

معمر برما

كنت التقيته قبل أكثر من عشر سنوات: قصير القامة، وملتح، ومقبل على الحياة رغم المئة وخمس سنوات من عمر «الحاج يوسف فياض محمد الدبيسيه»، والتي يشي بها الشيب، وصمته المتقطع، أحيانا لتذكر بعض ماضيه المقترن بالقرية، وبتفاصيلها وحكاياها التي عاصرها أو سمع بعضها مذ عهد «العصملي» مرورا بالانجليز وتأسيس الامارة وبعدها المملكة وحتى حاضرنا الآن.

قال: كانت حياتنا بسيطة، نربي المواشي، نحلب الأغنام، ونصنع اللبن، ونفرط الزيتون، ونزرع ونحصد، رغم أن «المصاري» كانت قليلة في جيوبنا.

وكان سيل الزرقاء قريبا منا، هذا كان قبل بناء السد، وكان نظيفا، «ونشرب منه، ونصيد السمك، ونسبح فيه» وكان تابعاً لأراضي برما، ويشكل جزءا من ذاكرة الناس هنا.

يتذكر أيام «العصملي»، فيقول كان «الأتراك يجوا على القرى، ومنها برما، ويأخذون الشباب للجندرمه»، وكان اللي مرتو «زوجته» من البلد يبعثوه للسفر برلك وياخذوه نظامي ويغيب اشهر وسنوات، وكانوا يختاروا هؤلاء لأن زوجاتهم عند اهلها وما في خوف عليها لو غاب».

وعن الزيتون في تلك الأيام يتذكر أن رطل الزيت الشامي (كان هناك الوزن بالرطل الشامي ومقداره أقل من 3كغم، والرطل النابلسي وهو أكثر من الشامي من ناحية الوزن، وهذه القسمة بحسب المراكز التجارية في تلك الفترة) كان يباع «على ترابو» بأربع قروش، وكانوا يبيعوه في الزرقاء «بشلن»، حيث كانوا يأخذونه «بالقِرَب» على الدواب، وعبر طريق «العنابه» (الذين كانوا يشيلوا العنب ويوصلوه من هناك)، مرورا بطريق طواحين العدوان إلى الزرقاء. كما أن الزيتون الروماني في برما كان مطلوبا من قبل القرى المجاورة، وكانوا «يشتروا منو ويزرعوا اشتال» حول برما في تلك القرى، كانوا «يشترا» في تلك الفترة «ال12قرمية بقرش»، ويقول الحاج يوسف أنه كان «يجمّد 3 نيرات بالشهر» في تلك الفترة.

أول راديو

يروي كبار القرية طرفة عن أول دخول للراديو إلى القرية، في أنه كان مجموعة منهم جالسين وجاء تجار من نابلس مرورا بالقرية، وعندما جلسوا معهم، وكان أحد هؤلاء التجار يحمل راديو «في عُبّه» تحت ثوبه ويضع يده عليه، وكان يصدر منه الصوت، صوت يشبه البكاء، وما كانت شفاه أحد من هؤلاء التجار تتحرك، عندها قال أحد الجالسين من أهل القرية: «ما هذا الصوت، هل تحملون طفلا معكم، وهو يبكي الآن؟».

في تلك اللحظة أخرج التاجر الراديو من تحت ثوبه وشرح لهم عنه، وكانت تلك القصة تلخص أول دخول للراديو إلى برما.

لكن أول واحد اشتراه من أهل القرية هو مفلح البرماوي (أحد وجهاء جرش، وكان عضوا في أول مجلس تشريعي أردني عن محافظة جرش والمفرق)، وهو أيضا أول من أشترى تلفزيون في القرية.

عَفُونه..مات وعمره قرن ونصف

يروي أهل القرية حكايا وأساطير ينسبونها إلى عفونه، أحد رجالات برما الذي توفي عام 1978 عن عمر بلغ المئة وخمسين سنة وهو يعتبر أكبر معمر في المنطقة.

كان اسمه علي العبد الله العفونه، وأساطيره مرتبطة بمجابهة الغزو، وبمطاردة من يعتدي على القرية، ومن تلك القصص التي يسردها أهل القرية أنه سرق له فرس، وبقي «يقُص» وراءها، ويتبع أثرها،إلى أن وجدها بعد أشهر، في سوريا، وأدركها وقد خلفت مهرا، فأحضرها ومعها مهرها، بالإضافة إلى 12 بقرة كانت معها في المكان الذي وجدها فيها معتبرا أخذ الابقار بمثابة عقاب لمن سرقوا فرسه.

وقد حج عفونه إلى الحجاز على الجمل، ويروون أنه «طلع له أسنان بعد أن بلغ من العمر مئة سنة»، وكان متزوجا من ثلاث نساء. كما أنه في أواخر عمره بني جامع الخضر في القرية على نفقته الخاصة.

ومثل عفونه تتذكر القرية أحمد المصطفى النوري الذي كان شجاعا، ولا يخاف، ويرد الحلال اذا تمت سرقته، وكان يقص الأثر ويرجع المسروقات بالقوة، وعندما يعود كانت القرية تستقبله بالزغاريد، وكن النساء يشعلن النار احتفالا بقدومه، ويرقصن بالشباري وهن لابسات الردن من المليس «الحرير الأصلي».

الكتابة على الصفيح

قال لي المعمر الحاج يوسف إنهم كانوا يكتبون في بداية القرن الماضي على ألواح من الصفيح، وكان الخطيب اسمه محمد المغربي (أبو رفعت)، وعنده ابن وبنت اسمها رفعه. يروي أنهم وكانوا يحضرون للخطيب بيضه ورغيف وعود حطب كل يوم بدلا عن تعليمه لهم، وقد بقي فترة في القرية ثم اختفى عندما رحل إلى الزرقاء هو وعائلته.

كأن دبيس ما غزا

صار دبيس جزءا من مثل شعبي مرتبط بقرية برما ومبني على قصة لأحد سكانها..

وينتهي المثل بـ«عِد دبيس ما غزا»، هذا الشطر الثاني من المثل الشعبي، لكنه مع الشطر الأول منه يكون الاكتمال للقصة التي تقول بحسب ما يرويها أهل القرية أن دبيس رجل جاء في الأصل من نجد، وكان يملك «شلايا» غنم، وخيراً كثيراً، وسكن في منطقة «عليقون» مقابل برما، وسمع الناس بسمعته «وصيته»، وصار يذبح لكل من يدخل بيته، حتى انكسر، ولم يبقى عنده أي شيء، فقرر أن «يغزي» يذهب إلى الشام ليحضر «المُونة»، «وجاب شوية طحين» بما تبقى معه من أموال شحيحة، لكنه تفاجأ في أنه ما إن دخل بيته حتى جاء الناس اليه، على عادتهم السابقة معه، فقال كلماته إلى زوجته وأصبحت تلك الجملة مثلا بعد ذلك:(يا مرة..قومي واعجني الطحينات،عِدْ دبيس ما غزا).

بعد تلك الحادثة رحل دبيس إلى برما وسكنها، وخلّف أربعة ذكور هم (مزهر، وعوده، وبطيح، ومرعب) وهؤلاء تعود إليهم أربع عشائر موجودة في برما وهي المزاهرة والعودات والبطايحة والمراعبة.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress