سوء الأوضاع الاقتصادية خلال أزمة الوباء زادت من سرعة تمدد الفقر على حساب الطبقات الوسطى، ليتعدى خط الفقر الذي شمل مليون أردني قبل الجائحة حوالي ثلث الأردنيين حسب بعض التصريحات..
ومع ازدياد الفقراء سقطت تبريرات الفقر الكلاسيكية، ككثرة الانجاب، أو الخمول واتخاذ القرارات الخاطئة، فالعديد من الفقراء الجدد متعلمون وأذكياء، ومنهم من كان يطمح للارتقاء في السلم الوظيفي قبل أن يخسر عمله نتيجة الانكماش الاقتصادي.
لا يهتم أحد لما يقوله أو يفكر به الفقراء غالباً، وهؤلاء الفقراء هم على أقل تقدير واحد من كل ستة أردنيين، يجب أن نصغي اليهم ونسأل أنفسنا ونسألهم، كيف نساعدهم للخروج من الضيق؟ ولأن فخ الفقر الذي يبتلع الواقعين فيه هو نتيجة تشوهات في المنظومات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، لا يتحمل وزره الفقير، فهو يحتاج تدخلاً من الحكومة والمجتمع للسيطرة عليه.
إذن لا بد من تنظيم الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع تكاليف متطلبات الحياة الكريمة، والتوسع في مظلة التأمين الصحي الحكومي لتشمل جميع الأردنيين مع العمل على رفع قدرات القطاع الطبي الاستيعابية لتتماشى مع ذلك، كذلك تحتاج مخرجات التعليم للمراجعة للتناسب مع المهارات اللازمة لسوق العمل، وإعادة النظر في هياكل الضرائب الثابتة والتوجه نحو فرض ضريبة أكثر كفاءة على الدخل، ذات تقسيم للشرائح يخفف الأعباء عن الفقراء والطبقات الوسطى.
كما نحتاج أيضاً لزيادة الإنفاق إما بإعادة توجيه النفقات أو بالاقتراض إذا وجب ذلك لدواعي الاستثمار في الزراعة والصناعة والتعليم حتى نضمن قدرتنا على سداد الديون ورفع معدلات النمو وتقليل نسب البطالة والفقر، بدل الاقتراض للخروج مؤقتاً من أزمات خدمة الديون وعجز الموازنة، فنّرحل الازمة للسنوات القادمة، ونعيد تجريب الحلول المستوردة والمعلبة التي تفشل غالباً وتزيد الطين بلة أحياناً كثيرة.
وصفة القضاء على الفقر بسيطة كما أسباب الفقر واضحة أيضاً، فالكثير من دول العالم سبقتنا بالخروج من الفقر مثل الصين التي لجأت للزراعة والصناعة بكلف وجودة متوسطة عام 1978 لتخرج أكثر من 800 مليون إنسان من تحت خط الفقر والعوز، كذلك فعلت أندونيسيا والبرازيل اللتان وجدتا في التجارة مخرجاً مناسباً لسد رمق الناس.
أي خطة اقتصادية للخروج من الفقر لا بد لها من رؤية سياسية جادة وشاملة وواضحة حتى تنجح وتكسب إجماع الشارع عليها لدعمها، رؤية سياسية تعيد ثقة الشارع بالحكومات وتعيد تحديد دور مجلس النواب الرقابي التشريعي بدل الخدمي، كما تنعش اهتمام الأردنيين بالشأن العام، أولى مبادراتها قانون انتخاب يفرز مجلس نواب يعكس مزاج الشارع العام وتطلعاته، يكون مقدمة حقيقية لحكومة برامجية تعتمد على التكتلات والأحزاب في تشكيلها ومحاسبتها، وتستند في إنفاذ توجهاتها إلى إرادة الشارع العام، فلا أقل من أن يسمح للأردنيين بالمشاركة في رسم السي?سات والتوجهات الاقتصادية للبلاد.