البيضاء.. بترا الصغيرة!

تاريخ النشر : الخميس 12:00 30-9-2021
1460

كأنها اللوحة المكملة لفسيفساء المدينة الوردية، ولهذا ينسبونها إلى عاصمة الأنباط، بأنها إحدى ضواحي البتراء.

وهي في مكانها هناك تراوح بين القديم والحديث، ناسجة بساط يومها من الأصالة والمعاصرة، من التاريخ والواقع، على أرض يجللها البياض كنقاء سريرتها، ولذا سميت البيضاء، كأن جمالها يريد أن ينعكس على عنوان اسمها في مقامها على مرمى أقل من عشرة كيلومترات عن مركز وادي موسى، وبمحاذاة البتراء التي ترتبط وإياها بحبل سُرّي هو «السيق البارد»، الواصل بينهما منذ قديم الزمان.

البيضاء.. تلك القرية، حيث البتراء الصغيرة، والمعابد، والقبور، والقصور، والصخر بأبهى تجلياته يخبئ في طياته جنة الطبيعة في عبقرية تشكيلاتها، وهي تكتب بعدة تشكيلات، تتبدل فيها الهمزة بالتاء المربوطة، وأحيانا تلغى لتتصالح مع لسان الناس المقيمين فيها، ولذا فهي مرة «البيضاء»، وأخرى «البيضة»، وثالثة «البيضا»، وقد التصق بها اسمها كوصف لطبيعة صخورها التي تتخللها الرمال الجيرية البيضاء، ولهذا فقد أطلق عليها اسم البيضاء.

وعن دلالة اسم القرية يتحدث أهلها، أيضا، بأن تسميتها بـ«البيضا» كان بسبب أن «جبالها بيض»، ولأنها كانت «تربي العنب الأبيض» لذلك فقد كانت مشهورة منذ قديم الزمان بمعاصر النبيذ التي ما زالت آثار بعضها موجودة في غير مكان منها حتى الآن.

البيضتان عند ياقوت

وقد ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان بعض تفصيلات البيضاء، وذكر مواقعها، ولعل أقرب ما يمكن من الوصف إليها، ما ذكره عن البيضتين، تثنية بيضة، موضع بالشام ومكة على الطريق، ذكره الأخطل في شعره بقوله:

«فهو بها سيئُ ظناً وليسَ له بالبيضتين ولا بالغيض مُدَّخَرُ»

وقال الفرزدق:

«حبيب دعا، والرملُ بيني وبيْنَهُ فأسْمَعَني، سَقيا لذلك داعيا

أعيذكما الله الذي أنتما له ألم تسمعا بالبيضتين المناديا»

ويضيف ياقوت الحموي مسترسلا، قال أبو عبيدة، أراد البيضة فثّنى. والبيضة بالصمّان لبني دارم، قال أبو سعيد، قال رؤبة:

«مرت تناضى خرفها مُروتُ صحراء لم ينبتْ بها نبيتُ

يمسي بها ذو الشرة السبوت وهو من الأينحفّ نحيتُ

كأنني سيفٌ بها صليتُ ينشقّ عنّي الحزْنُ والبرّيتُ

والبيضة البيضاء والخُبوت»ِ

عبقرية المكان

صمت القرية يشي بجلالها، وتاريخها يتجاوز جدل التحوير في كتابة اسمها وتداعيات معانيه، إذ أن قرية البيضاء الزراعية القديمة تعود إلى العصر الحجري الحديث (7000 ق.م)، وتذكر البيضاء على أنها تحتوي على إبداع تشكيل «البتراء الصغيرة» التي تعود إلى زمن الأنباط كمحطة لراحة القوافل التجارية المتجهة إلى غزة ومصر أو القادمة منها عبر نقب نملة (أو نقب النمالة).

ويوثق «الشيخ حمزة العربي»، بعض مشاهداته عن البيضاء في الجزء الثاني من كتابه «جولة بين الآثار»، الذي كتبه في النصف الأول من القرن الماضي، حيث يقول: «ومضيق البيضاء هو ثاني مضايق البتراء بالنسبة لسيق الخزنة، يضيق بين جبلين شاهقين، ثم ينفرج عن روض تكثر فيه النباتات والأشجار البرية(حراج)، ثم يضيق مرة أخرى حتى ينتهي عند جسر نَمَلة، ومنه إلى رأس سلع مشرف على وادي العربة، ينحدر منه المُيمّم بيت المقدس، وأراضي فلسطين.

وهضبة البيضاء الكبيرة قد نحتت فيها فنادق أشبه شيء بخان لمبيت القوافل. ويتفرع عن الطريق التي تؤدي إلى وادي عربة بواسطة جسر نملة فرع إلى طريق سرية، كأنها مسروقة من الطريق الرئيسية تؤدي إلى قرية الجي، وتنتهي إلى حصن العُويرة». ويذكر الباحث «محمد النوافلة» في كتابه لواء البتراء أنه يوجد في البيضاء العديد من الجبال التي تأخذ تسميات مختلفة منها (جبل الطبقة البيضاء، وجبل الفسقية، وجبل المعقر، وجبل أم العلدى، وجبل فرذة، وجبل بعجة، وجبل السد الأحمر، وجبل مليح، وجبل الطنوب، وجبل البقعة، وجبل قارون، وجبل الفرش، وجبل النعيرة، وجبل اسليل، وجبل الدبرة).

كما أن فيها عيون ماء مثل (العيون الحمر، وعين بدبدا، وعين الزويترة، وعين المعقر، وعين أم بطمة، وعين مطير، وعين حزير، وعين القرن)، وبعض هذه العيون مرتبطة بالخرب في داخل حدود البيضاء وهي خربة بدبدا، وبيضة، وبعجه، ووادي بدي، والعيون الحمر.

رحلة العمارين

القرية المأهولة بالسكان تقع في إطار منطقة البيضاء، وهي مسماة باسمها، ذلك أن سكانها من عائلة العمارين، الذي يشير كبارهم إلى أن أصولهم تعود إلى الحجاز، وجاءوا إلى العقبة، ووادي عربة، ثم رحلوا إلى فلسطين، وبعد ذلك رجعوا إلى الأردن، وكان اسم جدهم عبد الله بن منصور.

في المرحلة الأخيرة من تواجدهم في فلسطين كانوا في منطقة النقب بمحاذاة وادي عربة، ولهم هناك منطقة تعرف بـ«سروال العمارين»، وكان تعدادهم في تلك الفترة كثير.

يقول كبار القرية، إنهم سمعوا من آبائهم وأجدادهم، أن هؤلاء الجمع الغفير، عندما «قطعوا إلى وادي عربه باتجاه الأردن أصابهم مرض «الوخم» وهو يشبه الحمى، ومات منهم أربعون علي (يقصد أربعين شخصا يحملون اسم علي)، وهم كانوا يرحلوا ورا المراعي وعشان المواشي».

«ذبيحة واحدة تكفيهم»

يتحدث أهل القرية عن الجد الأول.

يقولون إن «جدنا سالم بن عواد مدفون في سيل وادي موسى اللي ينزل في وادي عربه» ويوضحون كذلك أن «العمارين موجودون في قرى بيضا، وقريقرة وادي عربة، وبير الدباغات في الشوبك، وهظول (هؤلاء) أصلهم أولاد عم، وهذا الحكي من قبل سابع أو ثامن جد»،

ويتدرج الكبار في تتبعه للعائلة قائلين «جدنا سالم خلّف عواد، وعواد خلّف سويلم، وسلامه، وأغلب الموجودين في البيضا هم من اولاد سلامه».

وعن هؤلاء الأجداد يقولون إن «سويلم وسلامه كانا يعيشان مع ذريتهما في البتراء، يرعيان المواشي والغنم، وكان معهم أيضا من عشيرة الجميعان، حتى أنه في البتراء مواقع باسم هذه العائلة منها «خروبة ابن جميعان»، و«عرقوب جميعان»، وظل العمارين فتره في البتراء، وكانوا متعايشين مع أهل وادي موسى، و«كانوا كلهم قلال، ولما كانوا يصيفوا بوادي موسى يقول كبار القرية أنه «كانت ذبيحة واحدة تكفيهم جميعا».

«بدنا يا سيدي إسكان»

يكمل أهل البيضاء حديثهم عن انتقالهم إلى البيضا قائلين بأنه من ضيق المنطقة في البتراء قرر أجدادهم أن يرحلوا إلى البيضاء، لأنها منطقة مفتوحة وواسعة، «فجوا عالبيضا».

يتحدث أهل القرية عن البدايات الأولى المتوارثة عن إقامتهم في البيضاء قائلين: «كنا نشتي في منطقة السيق البارد، والفرش، والجبو، وأم العلقة، وطريق نملة، يعني الأماكن اللي فيها مغاير، ونصيف بالبيضا، والشراه».

يقول كبار القرية إنهم حتى السبعينات كانوا يشتوا خلف الجبل(غرباً) ويصيفوا شرقا، وكانوا ببيوت شعر، إلا أنه بعد ذلك وفي سنة 1985، مرّ الأمير حسن من المنطقة بعد ما عمروا قرية لعشيرة البدول قريب من البيضا، وكان المختار في تلك الفترة محمد أبو التوم، فقال للأمير «والله إحنا العمارين، عايشين بالبيضا، ببيوت الشعر وبالمغر، وبدنا يا سيدي إسكان»، وبالفعل أصدر في حينها الأمير موافقته على طلب المختار ببناء إسكان للعمارين في البيضا، واستلمناه بعد سنتين وكان 42 وحدة سكنية، وكمان في 10 نمر خالية خصصناها للمسجد، وللمجلس القروي، وللصحة، وللبريد، وبعضها بقيت فاضية وما استفاد منها حدا، وبعد فترة صار هناك تعدي على الأرض، لأنو الناس كثروا، وصار في توسيع خارج التنظيم، بس الكهربا ما وصلت للبيضا إلا سنة الخمسة وتسعين(1995)، لكن المية كانت واصلة إلنا من أول ما استلمنا الإسكان».

غرفة للطلاب والثانية للأستاذ

تبوح ذاكرة القرية بأن أبناءها كانوا يدرسون في الأيام الماضية في البتراء أو في بير الدباغات، وبقي هذا الحال حتى عام 1971 حين تم افتتاح أول مدرسة في البيضاء في الخربة القديمة وكانت تتكون من غرفتين؛ الأولى للتدريس، والثانية كانت سكناً للأستاذ الذي يدرس الطلاب.

في عام 1974 تم بناء المدرسة الموجودة حتى الآن على مثلث البيضا، ويتذكر أهل القرية من الأساتذة القدماء الأستاذ مخلد من منطقة الشمال، والأستاذ فتحي علي الكلزاقي من جرش، والأستاذ إسماعيل إبراهيم السلامين من وادي موسى، وقد بقي التدريس في مدرسة البيضا مختلطا حتى عام 2002 حيث تم تأسيس مدرسة البنات بعد إلحاح ومطالبات من أهل القرية.

قبر سالم ولد عواد

للقرى أولياؤها، ورجالها الصالحين، الذين يتم التقرب منهم وفق طقوس خاصة، وبعضها في مواقيت معينة.

وللبيضاء ارثها الخاص في هذا المضمار، فأهلها حين يشدون رحالهم كانوا يزورن قبر نبي، وقبر أحد أجدادهم، النبي هو هارون على أعلى قمة في البتراء، أما جدهم فهو «سالم ولد عواد» الذين يزورون قبره في سيل وادي موسى (طور مديّ).

يقول كبار القرية إن «ميقات زيارة هارون كان في شهر أيلول، في أحد أيام الأربعاء من هذا الشهر، حيث يباتون عنده حتى ليلة الجمعة، ويزورون، ويوقدوا البخور عنده، ويضيئوا الشموع، ويصلوا في المقام، ويدعوا كل بحسب حاجته، كما أنهم كانوا يغنون ويلعبون قريبا من المقام، «ويغزّوا الشارات، ويرتبوا سباق الخيل والهجن»، وكأن الزيارة كرنفال مقدس. وكان حول القبر صيرة (حوض حجري)، فإذا كان هناك شخص مريض أو أبله ومجنون، فكانوا يضعونه داخل الصيرة، و«ينوموه فيها، ويبخروه، حتى يحصل على الشفاء من مرضه».

ويتحدث أهل القرية عن أنه «كان كل واحد من القرية يأخذ غنمه عند الزيارة، ويقوم بجمع حلاله حول صيرة القبر، والغنمة التي تصعد إلى القبر، وتدخل الصيرة، تكون أحسن واحدة من الأغنام»، إذ انه في العادة لا تدخل القبر إلا واحدة، فيقوم صاحبها «بتعليمها»، حتى يذبحها كقربان عندما يرجع إلى قرية البيضا، بعد أن يكونوا ذهبوا بعد هارون لزيارة قبر جد القرية «سالم ولد عواد». وعن ذبح تلك التقدمة فقد كان يقول صاحب الذبيحة وهو يجز عنقها: «هذه منك، يا الله، وإليك، وأجرها، وثوابها عن روح سالم ولد عواد».. وبعدها يطبخونها، ويأكلها أهل القرية.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }