محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

عبدالواحد أبو عبدالله.. أيقونة التراث العقباوي

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
عبدالله آل الحصان (كاتب أردني) تدين حركة التوثيق التراثي في الأردن في نجاحها وتألقها إلى عدد من الشخصيات المعطاءة التي وضعت نصب أعينها العمل الدؤوب بمبادرة شخصية منهم، فمنهم من قام بالتوثيق كالباحثين من خلال كتبهم وإصداراتهم، ومنهم من عايش التراث ودوّنه بذاكرته وحفظه شفوياً ونقله للأجيال مثل عبدالواحد أبو عبدالله، وغازي ميّاس، وأبو خالد الخطيب، وصلاح الشمايلة، فمثل هؤلاء -وغيرهم- حفروا في الصخر من أجل الحفاظ على تاريخنا وتراثنا ناصعاً ينتقل من جيل إلى جيل.

إن التراث، وتحديداً غير المادي، يعتمد على رواية المسنّين، حفَظة هذا التراث، هؤلاء الكنوز البشرية الذين يحملون مخزونا تراكميا اكتسبوه خلال حياتهم ما جعلهم وعاء جامعا، معرفيا، وغير متداول إلا عند فئة قليلة من الناس، فالتقاليد وأشكال التعبير الحية، والفنون الاستعراضية والممارسات الاجتماعية، والطقوس والمناسبات الاحتفالية، إضافةً إلى المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون وغيرها، لا يمكن رصدها وجمعها اعتماداً على دراسات وأبحاث ومؤلفات بعيداً عن رواة التراث مهما بلغت المعرفة عند باحث التراث وجامعه.

وقد انفردت العقبة، بحكم تاريخها وموقعها المميز وتركيبتها السُّكانيّة، بتراث شعبي جاء من خلال حياة الصيادين وأشجار النخيل والسدر، وأعمال الأهالي اليومية التي استطاعت أن تجعل منها فسيفساء حقيقية شكلت جزءاً من الهوية الأردنيّة الجامعة، فالتراث البحري قطعة فنيّة وثقافية رائعة جاءت بفضل الأجداد وأبنائهم الذين لم يبخلوا يوماً بعطاء دائم ساهم في أن تكون العقبة واحة للثقافة والفنون، وأرضاً خصبة للمبدعين.

عند الحديث عن العقبة نُقَلِّب الذاكرة، ونتوقف عند هذه الأرض الطيبة وأناسها الأكارم وبحرها الهادئ، فيبرز من شخصيات هذه المدينة عبدالواحد أبو عبدالله الذي يلقاك بمحياه «هلا يا خال» مبتسماً رحوباً، يدخل القلب والعقل دون استئذان، بشخصيته العفوية البسيطة التي يحترمها الجميع ويحبونها، فهوَ أمين التراث وخازنه، وهو المثقف الذي يعرف ما له وما عليه، يتعامل بشكل مباشر لا يراوغ، يتصف بالهدوء في حياته، لكنهُ يثور غضباً ويصبح شرساً تجاه من يحاول أن يعبث بالتراث الشعبي الأصيل.

عبدالواحد بلهجته العقباوية الجميلة، يسرد تراث العقبة بطريقة تجعل المتلقي يذهب بعيداً إلى حيث كان التراث آنذاك بتفاصيله وجمالياته، فيتغلب بذلك على أمهر الذين كتبوا القصص والروايات وأخرجوا الأفلام والمسلسلات، كالرواة الثقاة -المصدر الوحيد للمعلومة قديماً- حين كان أجدادنا ينتظرون قدومهم بمنتهى الشوق واللهفة، نراه يصف حياة الصياد اليومية، ويتحدث عن الرفيحي والاختلاف بينها وبين العرضة، ويوثق بدقة متناهية مفردات اللهجة في العقبة، ومدلالوت الأغاني التراثية، وطقوس الزواج، وكيف كانت «الحفاير» والبيوت القديمة، وغيره?، كأنهُ قاموس كبير.

أن يكون ابن التراث غيوراً، فإنهُ يبدع ويتألق، فقد عَمِدَ عبدالواحد إلى تأليف عدد من الأغاني الشعبيّة العقباوية قبل سنوات خلت، هذه الأغاني التي استمدها من تراث العقبة نالت شهرة واسعة وارتبطت دائماً بمدينة العقبة؛ بحرها، وناسها، ونخيلها، وبيوتها... باختصار عالجت أمورهم الحياتية.

ولعلَّ أشهر هذه الأغَاني الشَّعبيَّة (عَالْيَادْي):

عَالْيَادْي الْيَادِي الْيَادِي يا مَحْلَى الصُّحُبِيَّهْ...

عَلَى شَـطِّكْ يَالعَقَبَهْ يا عَرُوسَهْ بَحْرِيَّهْ...

يا بَسْمِة ثَغْرِ بْلادِي يا نِسمِةْ حِنِّيِّهْ...

هَمْسة بَحْرِك للنّخلَه بْنَغْمِة سِمْسِميَّهْ...

يا نَاسْ قَلْبِي هَوَى ابْنَيَّهْ عَقْبَاوِيَّهْ...

ما احلَى قَعْدِتْنا سَوَى عَلَى شَطِّ الميَّهْ...

ما احلاهَا بْلِبْسِ الطَّرْحَهْ مَعِ الجَلاَّبِيَّهْ...

لما نْعُودِ مْنِ السَّرْحَهْ نِعْمَلْ صَيَّادِيَّهْ...

وهي من كلماته ومستوحاة من لحن تراثي قديم وتؤديها فرقة العقبة البحريّة.

عبدالواحد أبو عبدالله؛ «الرَّيِّس» كما يحب أن يُنادى، يمثل موسوعة تراثيّة عقباوية، ستبقى تُتوارَث بين جد وابن وحفيد، إلى ما لا نهاية.. وهو كتابٌ مفتوح لمن أراد التراث، يغزل من شمس العقبة لون جبهته الشامخة، يروى حكاية الصياد والبحر، وعلى أوتار السمسمية يرسم مفرداته كفنان تجاوز الوصف، ينقلك إلى عالم آخر من الجمالية والهيبة فِي آنٍ. وقد كرمته وزارة الثقافة في عام 2017 ضمن احتفالية عمان عاصمة الثقافة الإسلامية، وهو يستحق ذلك وأكثر، فهو رمز من رموز التراث الشعبي في الأردن.
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress