تجددت الصدامات في مطلع عام 1970م للجهود الحثيثة التي بذلتها المخابرات الأميركية الإسرائيلية وأعداء وحدة الشعبين الأردني والفلسطيني لزرع بذور الفتنة ونزع الثقة بين الحكومة الأردنية ومنظمة التحرير الفلسطينية بترويج الإشاعات والدسائس، وأصبحوا يخططون بعد تكاتف المنظمات الفدائية الفلسطينية مع منظمة التحرير للقيام بإعلان جمهورية عربية فلسطينية في ضفتي نهر الأردن.
دفعت هذه الإشاعات الطرفين للأحداث الدامية التي شهدتها البلاد في 1970 -1971م، وجاءت أحداث الأردن في صالح الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، كما كشفت مدى العجز العملي للسياسة العربية إزاء ما يحدث لقوات الثورة في الأردن..
وعلى أية حال استطاع الأردن أن ينهي الصراع لصالحه بإخراج المنظمات الفدائية من الأردن وإنهاء حالة الازدواجية القائمة على الساحة الأردنية وفرض سيادة الدولة وقوانينها وأنظمتها وإعادة الأمن والاستقرار إلى مواطنيه لتبدأ مرحلة جديدة في العلاقات الأردنية الفلسطينية ذات صبغة سياسية.
حاول الحسين جاهداً حل المعادلة الصعبة في علاقته بمنظمة التحرير بتمكينها من أداء دورها في مقاومة العدو الصهيوني دون توريط المنظمة والأردن في عمليات انتقامية تقوم بها إسرائيل، ولم يقف الأمر عند ذلك الحد بل وصل إلى توريط الأردن في عمليات اختطاف طائرات من خلال المنظمات الفدائية المتطرفة، علاوة على انتشار حمل أعضاء المنظمة للسلاح في شوارع عمان مما كان يمثل تحول المنظمة إلى دولة داخل الدولة، مما كان لا يُرضي الحسين ولا يُرضي من لا يزاود على دور الأردن في تحمل تبعات القضية الفلسطينية، لقد حاول الحسين جاهداً تفادي الصدام المسلح الذي انتهي بمأساة أيلول1970م والتي أدت إلى خروج المنظمة من عمان.
أنصف التاريخ الحسين فلم يكن وحده والأردن الذي اكتوى بنار راديكالية بعض تصرفات أجنحة المنظمة. كما وأكدت الوقائع التاريخية أن الحسين لا يتحمل وحده مسؤولية احداث أيلول التي ظل يتمنى نسيانها، وثبت موقف الأردن من خطورة توريط المنظمة للأردن في مواجهات غير متكافئة مع آلة الحرب الإسرائيلية في ظل عدم استعداده للمواجهة.
والدليل على ذلك أن لبنان الذي انتقلت إليها المنظمة قد واجه نفس المصير عندما انطلقت العمليات الفدائية منه صوب إسرائيل، ولم تسبب هذه الممارسات تعريض لبنان للخطر الخارجي فقط، بل تسبب الوجود الفلسطيني المسلح فيه لإشعال حرب أهلية مدمرة في 1975م أتت على الأخضر واليابس، واستمرت حتى توقيع اتفاقية الطائف 1989م، وما زال المجتمع اللبناني يعاني من تداعيات هذه الحرب حتى الآن.
وهذه المرة لم تكتف إسرائيل بشن غارات انتقامية بل قامت باجتياح لبنان مرتين 1978م،1982م، وأجبرت تل أبيب المنظمة على الخروج من لبنان هذه المرة إلى تونس التي شهدت بمجرد وصول فصائلها إليها حدوث توتر شديد بين ياسر عرفات والرئيس التونسي الحبيب بورقيبه، بل وتعرضت تونس لغارات إسرائيلية انتقامية راح ضحيتها الكثيرون وعلى رأسهم خليل الوزير (أبو جهاد)، وصلاح خلف (أبو إياد).
وهكذا وبالرغم من خروج المنظمة من عمان وتجولها بين بيروت وتونس حتى عادت إلى رام الله، فإن الحسين استمر في دعم المنظمة والقضية الفلسطينية وظل على تواصل مع قيادتها في الداخل والخارج حتى اعترف ياسر عرفات بالدور المحوري للحسين في دعم القضية الفلسطينية فقرر عقد اجتماع اللجنة التنفيذية العليا لمنظمة التحرير في عمان في آذار 1983م، كما بارك الحسين الانتفاضة الفلسطينية 1987م (انتفاضة الحجارة) واصفا إياها بالثورة.
مما سبق فإن علاقة الحسين بمنظمة التحرير شكلت مُحدداً مهماً لمواقفه من القضية الفلسطينية سواء عندما خضعت لسيطرة الحمائم أو سيطرة الصقور، وعندما تولى أمورها أحمد الشقيري ويحيي حمودة وياسر عرفات، متحملًا كافة الصعاب التي واجهته بسبب هذا الدعم فلم يتخلّ يوماً عن مساعدة المنظمة وقادتها طوال مسيرة حكمه.
واستمرت المنظمة بمثابة الترمومتر الذي حدد درجة حرارة مواقف الملك من القضية، كما كانت بمثابة البوصلة التي توجه اتجاهات تلك المواقف ومدى تأثيرها على تطور القضية برمتها.
«المنظمة» خارج عمان وكلمة التاريخ
11:31 1-9-2021
آخر تعديل :
الأربعاء