سقطت العاصمة الأفغانية كابول يوم 15 آب/أغسطس الجاري في يد حركة طالبان لتعود لحكم البلاد بعد عشرين عاماً من إطاحة الولايات المتحدة الأميركية لها في تشرين الثاني/نوفمبر2001 بسبب استضافتها تنظيم القاعدة الذي تبنى هجمات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، ورفض الحركة إغلاق معسكراته وتسليم قادته. فعلى الرغم من مرور عشرين عاماً من المعارك اليومية والإنفاق الأميركي على الجيش الأفغاني بما يقارب تريليون دولار أميركي (تشير بعض التقديرات إلى أن حجم هذا الإنفاق قارب ثلاثة تريليونات دولار أميركي) وجهود إعادة الإعمار ذات الصلة بالأمن، اجتاحت طالبان البلاد بأكملها في غضون أسابيع، واستولت على أسلحة وذخائر ستقوي من قدراتها وتعزز من قبضتها على المدن التي تسيطر عليها، علماً بأن عدد الجيش الأفغاني كان يصل قرابة 350 ألف جندي يخدمون الحكومة الأفغانية مقارنة بما لدى طالبان من قوات يٌقدر عددها بثمانين الفاً من المقاتلين.
تطرح سيطرة حركة طالبان السريعة على أفغانستان بعد دخولها العاصمة كابول عدداً من الدلالات المهمة أبرزها ما يلي:
1-الفشل الأميركي في إعادة بناء الدولة الأفغانية: وهو فشل مرده عدم استيعاب واشنطن طبيعة وخصوصية القيم السائدة في أفغانستان وموقع الدين الإسلامي فيها، فضلاً عن الفشل في بناء مؤسسات قوية لا تشوبها مظاهر الفساد والاستبداد. وكان أبرز مظاهر الفشل الأميركي واضحاً في مسألة إعادة بناء الجيش الأفغاني على أسس حديثة واحترافية، فالقادة الرئيسيون في الجيش الأفغاني كانوا طوال السنوات الماضية يتصرفون كأمراء حرب، ويعتبرون الجيش مؤسسة كبرى للحصول على المغانم، ويبنون من خلاله شبكات من المنافع والمحسوبيات، وبالتالي لم تجد طالبان أي صعوبة أو مقاومة في سعيها للسيطرة على كامل أفغانستان في خلال عدة أيام.
في الجهة المقابلة، فإن مقاتلي طالبان لا يملكون أسلحة حديثة إلا أنهم يمتلكون عقيدة قتالية، ودوافع أيديولوجية دينية وبنية تنظيمية عالية، وإصرارا على تحقيق هدف، يعدونه واجباً مقدساً، على الرغم من مضامينه العنيفة.
2- التعامل الاضطراري لدول الجوار مع حركة طالبان: على الرغم من قلق دول الجوار الأفغاني من صعود طالبان مرة أخرى، فإن هذه الدول لم تصدر عنها مواقف يمكن وصفها بالحادة أو التصعيدية تجاه طالبان، فبرغم الخلاف المذهبي مع ايران، والأيديولوجي مع الصين، والعداء الروسي والطاجيكي للحركات الجهادية الإسلامية، إلا أن أياً من هذه الدول لم تعلن عن إغلاق معابرها مع أفغانستان بعد سيطرة الحركة على البلاد، مما يٌعد استعداداً مبدئياً للتعامل مع الحركة في تسيير حركة المعابر. وهذا التعامل الاضطراري جاء في ظل اعتبار مهم وهو الاعتراف الأميركي بالحركة وتحولها إلى شريك سياسي في البلاد من خلال اتفاق السلام الذي أبرم بين الطرفين في فبراير/شباط 2020. وبالمقابل تسعى الحركة إلى توجيه رسائل طمأنة إلى دول الجوار، من أجل دفعها إلى إجراء تغيير في موقفها باتجاه التعامل معها كطرف لا يمكن تجاهله. فعلى الرغم من أن دول الجوار الأفغاني في مجملها هي دول معادية للحركة، باستثناء باكستان الحليف القديم لها، فإن طالبان قد استطاعت مخاطبة دول الجوار وطمأنتها في أكثر من سياق، إذ يبدو أنها قد استوعبت قواعد اللعبة السياسية الدولية، مستفيدة من خبرتها السابقة، حيث دأبت الحركة على تنظيم زيارات لروسيا وإيران، ومخاطبة الصين ودعوتها للاستثمار في أفغانستان، والتأكيد لطاجيكستان على أنها لا تريد زعزعة استقرارها.
3-الانفتاح على المجتمع الأفغاني: فخلال السنوات الأخيرة سعت حركة طالبان إلى تقليل المخاوف منها والانفتاح أكثر على المجتمع الأفغاني، وبعد دخولها العاصمة كابول في 15 آب/ أغسطس الجاري، حرص قادتها على توجيه رسائل طمأنة للشعب الأفغاني بشأن المرحلة المقبلة في البلاد، وتعهدها باحترام حقوق المرأة، والأقليات، وحرية التعبير في ضوء الشريعة.
اخلص إلى القول بضرورة استعداد العالم لمرحلة جديدة يستيقظ فيها فكر طالبان مجدداً بعد إقامة «إمارة» يحكمها، وهوية دينية يسعى لنشرها، فهناك أفغانستان جديدة تتشكل على مقياس تنظيم له ماض معروف في العنف، تحمل مٌسمى «إمارة أفغانستان الإسلامية» فعلى الرغم من النفحة المختلفة تماماً التي يحملها الخطاب الطالباني عن مرحلة وصولهم للسلطة في تسعينات القرن المنصرم، إلا أنه من الصعب معرفة إلى أي حد ستلتزم طالبان بهذا الخطاب المعتدل الذي شددت فيه على أنها ملتزمة بحماية حقوق الإنسان، والمرأة والأقليات، في محاولة الظهور بمظهر الجماعة المعتدلة إلى حد ما. وهذا الأمر يتوقف على اهتمام دول العالم الغربي بالحريات والحقوق في أفغانستان، وهو اهتمام من المٌرجح أن يتراجع بسبب تركيز هذه الدول في علاقتها مع طالبان على وقف الهجمات الإرهابية من الأراضي الأفغانية، وتطوير نوع من التعاون الاقتصادي معها، والحد من نفوذ الصين في إطار مشروعها لطريق الحرير.
aref_murshed@yahoo.com
دلالات سقوط كابل
10:40 29-8-2021
آخر تعديل :
الأحد