محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

أنا وصحيفة «الاتحاد»

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
د.سميح مسعود

(كاتب أردني)


اكتملت في الشهر الماضي السنة السابعة والسبعين لصدور أول أعداد صحيفة «الاتحاد» في حيفا التي بدأتْ صحيفةً أسبوعية، عُرِّفت على غلاف عددها الأول بأنها «لسان حال العمّال العرب في فلسطين».

وقد ارتبط والدي بهذه الصحيفة منذ لحظات تأسيسها الأولى بحكم عمله في دائرة «البريد والتلفون والتلغراف» (البوسطة) في حيفا، إذ كان من مهامه الإشراف على تنفيذ التجهيزات اللازمة لتزويد المنشآت الجديدة بالهواتف اللازمة للتواصل مع المحيط الخارجي، فأشرف على ما ينطوي عليه تجهيز «الاتحاد» بالهاتف من مدّ خطوط داخلية في مقرها وأخرى خارجية تحت الأرض، وخطوط هوائية مثبتة على أعمدة خشبية، وربط هاتف الصحيفة بمقسم المشتركين في حيفا.

وانطلاقاً من هذه الأعمال الوظيفية، اكتسب والدي القدرة على التعرف على الدافع المحرك لتأسيس الصحيفة، كناطقة باسم «عصبة التحرر الوطني الفلسطيني» وناطقة أيضاً باسم «نقابة العمال»، ولأنه كان عضواً نشيطاً في فرع نقابة عمال البريد والتلفون والتلغراف، فقد افتتن بأفكار إميل توما وإميل حبيبي النقابية، واستمرت علاقته بهما بعد أن أنهى عمله في تزويد الصحيفة بالهاتف، وشعر لاحقاً أن «الاتحاد» تقدم إرهاصات عميقة للفكر النقابي السليم في فلسطين.

وضمن هذا الاطار العام من منافع الصحيفة، أخذت الأيام مجراها بعلاقة وثيقة مع النقابيين ومنهم والدي، ومارست «الاتحاد» دور النابض المحرك للعمل النقابي الفلسطيني، وتمكنت من تعميق أثر الحركة العمالية بشكل عام، وإدخال نتائجها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية إلى الحياة العامة.

وقد لمست ذلك في صغري من أحاديث والدي مع الأصدقاء والجيران عندما كان يلتقي بهم في أماسي الصيف. كانوا يلتقون في الجهة الأمامية من الساحة المجاورة لبيتنا مقابل عمارة أبوحوا في شارع الناصرة الملاصق لشارع العراق، ويمكن معرفتها من «مكتبة كل شيء» التي تتخذها مقراً لها في الزمن الراهن.

كانوا يحملون معهم مقاعد قش صغيرة، ويجلسون عليها على مقربة من عمود كهرباء في أعلاه مصباح كبير يضيء الساحة الواسعة، ويتحدثون حول الأحداث الرئيسة والمستجدات ويتداولون أخبار حركة النقابات العمالية، خاصة تلك التي تغطيها صحيفة «الاتحاد».

كنت أجلس بجانب والدي وأصغي إلى أحاديثهم، وهكذا تفهمت مبكراً ما يجري حولي من أحداث، وتعودت على تصفح أعداد «الاتحاد» المحفوظة في بيتنا، وكرست بعض الوقت لتهجئة حروفها وقراءة ما فيها من كلمات مطبوعة على امتداد صفحاتها.

لقاءات والدي مع أصدقائه تُشكل حيزاً كبيراً في ذاكرتي عن تلك الأيام، أتذكر منها الكثير، أعيد صياغتها وأستحضر منها حكايا من أيام صباي.. أنبش في ماضي تلك الأيام، وأجد صوراً كثيرة تتراصّ فوق بعضها بعضاً، أقلّب صورة منها وأجد فيها والدي في جلسة مع أصدقائه يتباهى بقدرتي على قراءة «الاتحاد» وأنا ما أزال في الصف الثاني الابتدائي في مدرسة البرج الحيفاوية.

كلما استرجعت ذكرى تلك الجلسة، أغمضت عيني وأعدت سماع كلام والدي، وأعادتني عقارب الساعة إلى الوراء كثيراً.. أواصل اقتفاء آثار تلك الأيام في ذاكرتي... تزداد حراكاً في مزيد من صور ما تزال عالقة بذهني، تستهويني وتجذبني، أتذكرها بعد كل تلك السنين، أستشعرها ضمن ما عشته في طفولتي.

ومع الأيام تعمقت لدي رغبة الكتابة في صحيفة «الاتحاد» عن أيامي الماضية، وازدادت بكيفية سريعة متصاعدة في السنوات القليلة الماضية عندما لفحني وهج ذكرى مرور عقود على النكبة.

اتسع مدى الذاكرة في مقالة نشرتها على صفحات «الاتحاد» بعنوان «البحث عن الجذور» في 17 تموز 2009، بينت فيها اهتمامي بالبحث عن الجذور في فلسطين ما قبل النكبة، ليس من أجل البكاء على الأطلال، بل من أجل استحضار لمحات من حياة أهلنا الماضية بما فيها من مشاهد وأحداث وأوجاع.

وقد ساعدتني تلك المقالة بالتعرف على أقرباء لي بالمصادفة من آل دراوشة وآل شلبي في إكسال ومنهم حفيدات عمتي (حسناء دراوشة ومنى دراوشة وشهيرة شلبي)، كما تعرفت على أخوالي آل عودة سيف في عبلين، وأنسبائهم آل حيدر، وتعرفت على مجموعة من أقرباء أمي من آل سيف في شفا عمرو وعرعرة والجديدة ويانوح، وتعرفت أيضاً على النائب أيمن عودة الذي تربطه صلة قرابة مع آل سيف ببُرقة، واهتديت بالمصادفة أيضاً على أبناء عمومتي آل حسين في دير حنا. وهكذا عرّفتني «الاتحاد» على بعض جذوري في فلسطين أثناء شيخوختي، كما علمتني القراءة في صغري.

وسرعان ما شجعتني تلك المقالة على تأليف ثلاثية «حيفا بُرقة.. البحث عن الجذور» التي نُشرت في بيروت والقدس وعمّان بين عامي 2013 و2017، وقد ترجمها صديقي المترجم المعروف د.بسام أبوغزالة إلى اللغة الإنجليزية ونُشرت في الولايات المتحدة.. وما زالت تتوالى مفاجـآت البحث عن الجذور، وتتوالى اللقاءات مع نخبة من أهل حيفا وبُرقة، أستحضر معهم الوطن في أحاديثنا في لمساتٍ وجدانيةٍ وأجواءٍ حميمة.
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress