محليات

كيف نواجه بالزراعة مشكلتي البطالة والأمن الغذائي؟

    توفير المياه الكافية أولوية لتحقيق سائر متطلبات التنمية



الأردن يحتاج مشروعاً وطنياً وواقعياً ينتشله من الأزمة

المركز الوطني للبحوث الزراعية بيت خبرة يجب استثمار قدراته

عشرات التجارب الناجحة تنتظر الدعم والتطبيق لتعميمها

جهود شبابية للزراعة والتشغيل لا تلقى الاهتمام أو الرعاية

المشروع الوطني تلزمه إرادة حازمة ومشاركة حقيقية

ضرورة جعل الأمن الغذائي الأردني يعتمد على الذات بدل الاستيراد


25 مليون دونم مساحة الأراضي الصالحة للزراعة فـي المملكة

منذ البدء كان الأردن يعتاش على الزراعة بدرجة أساس، إضافة إلى الرعي، وإلى كونه موقعا استراتيجيا يربط الحواضر العربية بعضها ببعض، وطريقا للتجارة بين أركان العالم القديم.

وفي القرون الثلاثة الماضية، كان اقتصاد الكفاف هو السائد في الأردن. أي أن السكان «ينتجون منتجات في فترة معينة بحيث لا تزيد عما يستهلكونه في تلك الفترة لكي يبقوا على قيد الحياة، ولا يعتمدون على تجميع الثروات أو نقل الإنتاجية من فترة إلى فترة زمنية لاحقة».

وفي مثل هذا النظام، فإن «مفهوم الثروة لا يتواجد، كما يوجد اعتماد على التجدد وإعادة الإنتاج في داخل البيئة الطبيعية».

بقي هذا النظام سائدا مع بدايات تشكل الدولة الأردنية، وأدى توسيع الجهاز الحكومي (القطاع العام) وتوسع المدن، وما رافق ذلك من الهجرة من الريف والبادية إلى المدن، إلى تحول تدريجي في النظام الاقتصادي السائد (الكفاف) إلى الاقتصاد الريعي الذي رافقه بدايات تشكل القطاع الخاص منذ نهايات الأربعينيات ومطلع الخمسينيات معززا بالهجرات المتلاحقة إلى الأردن.

تراجع دور الزراعة

وشيئا فشيئا تراجعت مساهمة الزراعة في الاقتصاد الوطني، بل وأخذت مساحات الأراضي المزروعة تتناقص بسبب العشوائية في تنظيم المدن والتوسع العمراني غير المخطط له على حساب الأراضي الزراعية، وكذلك توجه أعداد كبيرة من المشتغلين في الزراعة إلى العمل في القطاع العام والقطاعات الأخرى الخدمية.

وزاد في تراجع الزراعة عدم الالتفات الدولة إلى هذا القطاع الاستراتيجي أو التفكير في دعمه وتمكينه، وخصوصا مع بداية التوجه نحو اقتصاد السوق منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، والدخول في برامج الخصخصة مطلع التسعينيات، والتحول عن كونها دولة ريعية.

الآن.. وبعد مئة عام من نشأة الدولة؛ أين يقف الأردن في خضم الأزمات الاقتصادية العالمية والإقليمية والمحلية؟، التي نشهد آخرها في ما يسمى «أزمة كورونا» التي كان لها آثار سلبية على الاقتصاد الذي كان يعاني أصلاً، وعلى المجتمع الأردني بمجمله.

المديونية الضخمة التي تمنع التنمية، شح المياه، تراجع مؤشرات التنمية، تضاؤل فرص العمل والبطالة المرتفعة، تزايد الفقر، تهديد الطبقة الوسطى، كل هذا جعل كثير من الخبراء والمحللين ومراكز البحث والدراسات والسياسيين بلتفتون إلى ضرورة وجود مشروع وطني واضح المعالم ليؤسس للنهوض مجدداً.

رغم التوافق على ضرورة هذا المشروع الوطني إلا أن مضمونه وآلياته وأهدافه كانت مسرحا لطروحات ووجهات نظر مختلفة لتنفيذه.

غير أن هذا التنوع في الطروحات بات يحتاج جهة مرجعية تنظر فيها وتراجعها وتقدم تصورا جمعيا وشموليا واقعيا قابلا للتطبيق لهذا المشروع الوطني، ودراسة الأهداف والإمكانات والفرص المتاحة والعقبات والتحديات.

ماذا عن الزراعة؟

في جلسة عصف ذهني، طرح أحد الاقتصاديين المشتغلين بالزراعة ملامح مشروع استراتيجي طويل المدى يقوم على أن «الزراعة هي الحل»، بالنظر إلى أن أبرز مشكلتين يواجهها الأردن هما البطالة والأمن الغذائي، وما يتفرع عنهما من مشكلات أخرى.

ويرى أن هذا المشروع يحتاج إلى اتخاذ القرار ومشاركة «حقيقية» من مختلف الجهات».

خطوة البدء بهذا المشروع تنطلق من حصر أراضي الدولة الصالحة للزراعة أولا، والتي تبلغ مساحتها التقريبية 25 مليون دونم، بما فيها أراضي الدولة، وكذلك حصر تلك القابلة للاستصلاح في المدى المتوسط، وتوزيع الأراضي الصالحة للزراعة على أعداد كبيرة جدا من الشباب العاطل عن العمل ضمن نظام «تعاونيات»، أي «جمعيات تعاونية زراعية»، بطريقة «التأجير» أو «الضمان» لزراعة المحاصيل الاستراتيجية وبيعها للحكومة.

ويلفت إلى أن هذه الفكرة ليست جديدة، وأن العديد من الخبراء والسياسيين طرحوها بأشكال وصياغات متعددة ومتقاربة، منذ الستينيات.

ويرى أن على الحكومة أن تقدم لهؤلاء الحصول على التمويل الكافي والاستشارات اللازمة والتسهيلات التي تُنجح المشروع وفق خطة زمنية.

فيما يخص التمويل؛ يقترح أن توضع خطة تمويل رشيدة مدروسة بإشراك البنوك بما يتوافر لديها من قدرات تمويلية، وكذلك مؤسسة الضمان الاجتماعي، بشكل استثماري يستفيد منه الممولون والعاملون والحكومة كذلك، وبضمانات وتسهيلات من الحكومة.

التحدي المائي

العائق الأكبر في تقدير صاحب المقترح، تكمن في التحدي المائي؛ خصوصا وأن البلاد تعاني من شح كبير حتى في مياه الشرب، فما بالك بمياه الري؟

ويعتقد أن هذه العقبة الكبيرة يمكن تخطيها بالعمل على الاستثمار الأمثل في مشاريع كثيرة، منها التوسع في الحصاد المائي وإنشاء العديد من السدود وبخاصة السدود الصحراوية، والإفادة من التكنولوجيا الزراعية، خصوصا وأن هناك تجارب ناجحة كثيرة، لكنها محدودة ولم يجر تعميمها، فيما يسمى الزراعات الذكية، وإنتاج محاصيل تستهلك كميات قليلة من الماء.

والأهم، في تقديره، أن يرافق المشروع الوطني القائم على الحل الزراعي؛ مشروع آخر ضخم لتحلية مياه البحر الأحمر من منطقة خليج العقبة اعتمادا على الطاقة الشمسية، يوفر المياه اللازمة لري المحاصيل بكميات وفيرة، وللشرب أيضا.

هذا المشروع المائي يمكنه أن يولد طاقة كهربائية ضخمة، عبر اعتماد مساقط مائية، ما يوفر الطاقة الكهربائية الرخيصة التي تكفي احتياجات البلاد وتخفض من حجم فاتورة الطاقة الكلية، وحتى لتصدير الفائض من الطاقة الكهربائية إلى الدول المجاورة، ويوفر كذلك المياه اللازمة للري والشرب والاستخدامات الصناعية.

ويربط هذا المشروع بفتح وتسهيل الاستثمار في الصناعات الغذائية التي يمكن إقامتها اعتمادا على الانتاج الزراعي، مع الالتفات إلى تشجيع الاستثمار في الثروة الحيوانية من خلال توفير الأعلاف والمياه وتقديم التسهيلات لهذه الاستثمارات.

أين المشكلة؟

ولعل لب الإشكالية يكمن بالتشخيص الدقيق واجتراح الحلول الإبداعية للانتقال بالدولة الأردنية إلى «دولة النهضة»، بجدية، التي تسعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الرفاه لمواطنيها، ولتحقيق ذلك بات لزاما التفكير «خارج الصندوق» بصورة حقيقية هذه المرة.

تشخيص المشكلة

لعل أبرز المخاطر التي يواجهها الأردن الآن، هي: الأمن الغذائي، وازدياد البطالة، وتوسع حلقات الفقر.

يتلوها في الأهمية: النقص الحاد الواضح في مصادر المياه، وارتفاع كلفة إنتاج الطاقة التي تنعكس سلبا على مختلف القطاعات بما فيها الصناعة والزراعة.

يتزامن مع هذه المخاطر عدم وجود الاهتمام الكافيٍ لدى الحكومات المتعاقبة في إيجاد حلول جذرية لهذه القضايا الملحة.

مشكلة المياه

وفقا لتقرير ومعطيات قطاع المياه لعام 2017 الصادر عن وزارة المياه والري، بلغ إجمالي الموارد المائية في الأردن في العام 2017 نحو 1053 مليون متر مكعب في السنة، بعجز بلغ 350 مليونَ مترٍ مُكْعَبٍ، إلا أن هذا العجز «سيتعمق في العام 2018 ليرتفع الى 373 مليون متر مكعب بسبب الزيادة السكانية من ناحية والفقر المائي من ناحية أخرى»، بحسب أرقام الوزارة المعلنة التي توضح أن حاجة السكان من مياه الشرب وحده في العام الحالي تقدر بـ"470 مليونَ مترٍ مُكْعَبٍ، 280 مليونا منها لموازنة الصَّيفِ فقط».

وفي عام 2017 جاءت كميات المياه كالتالي: 288 مليون متر مكعب من موارد المياه السطحية، و618 مليونا من موارد المياه الجوفية، و146 مليونا من مياه الصرف الصحي المعالجة.

ومنذ بداية الأزمة السورية واللجوء السوري إلى الأردن، تراجعت حصة الفرد المائية بعد موجات اللجوء من 147 مترا مكعبا سنويا الى 90 مترا، بانخفاض بلغ 59 مترا، بحيث اقترب الأردن من خط الفقر المائي العالمي مما جعله يتقدم على سلم الدول الأكثر فقرا بالمياه.

وشهد الطلب على المياه ارتفاعا لافتا، خصوصا في محافظات الشمال التي ازداد الطلب فيها بمقدار 40 بالمئة في بلد يقل معدل الهطول المطري في 97 بالمئة من مساحته عن 200 ملم سنويا، يتبخر منها ما يزيد على 92 بالمئة، و 8 بالمئة فقط تتوزع بشكل مياه سطحية وجوفية، وفق تقرير الوزارة.

استنزاف المياه الجوفية

ويحذر خبراء، ومنهم الدكتور عيد الطرزي عميد كلية الأمير الحسن بن طلال للموارد الطبيعية والبيئة بالجامعة الهاشمية، من استنزاف المياه الجوفية حيث تجاوزت كميات المياه المسحوبة من المياه الجوفية المتاحة حد الاستخراج الآمن، بالإضافة إلى تعرض العديد من أحواض المياه الجوفية الى الاعتداءات بصورة مخالفة للقانون وتم حفر مئات الآبار المخالفة.

ويرى مجموعة من الخبراء مثل نقيب المهندسين الزراعيين عبدالهادي الفلاحات، ومدير عام اتحاد المزارعين محمود العوران، ومدير المركز الوطني للبحوث الزراعية الدكتور نزار حداد، أن نسبة الآبار المهجورة في القرى (الآبار الكفرية) تبلغ ربع مليار متر مكعب، والحصاد المائي كان متحققا من المطر قبل 15ألف سنة، كل ذلك مدمر الآن دون أن نعرف كيف نعيد استثمارها.

ويقول الفلاحات إن التحدي الأكبر لأي مشروع وطني بهذا الخصوص، هو «إيجاد مصادر مياه خاصة».

ويرى حداد أن الأولوية في بلد كالأردن هي «لتوفير مياه للشرب». ويؤشر إلى أنه ليس لدينا مياه كافية للشرب، فبالتالي المساحات المتاحة للزراعة،وتحديدا الحبوب، غير كافية. كما أن الجدوى الاقتصادية من التحول لزراعة الحبوب من خلال الري غير مجدية، بتقديره؛ لأن «تكلفة توفير المياه مرتفعة، أكان بجرها من الديسي أو مشروع جرها من العقبة (تحلية المياه)».

ويدعو العوران إلى التركيز على الحصاد المائي ومناطقه، التي هي السدود والتجمعات المائية، لمواجهة هذا النقص الحاد في المياه.

والرأي ذاته تذهب إليه خبيرة المياه والبيئة الدكتورة منى هندية، التي تقترح استزراع الأراضي الموجودة حول محطات التنقية والقريبة منها، وتشير إلى أنه يوجد لدينا ثلاثون محطة لتنقية المياه العادمة، ويمكن إعطاء الشباب الأراضي الموجودة قرب هذه المحطات لزراعتها.

الآثار السلبية للعجز المائي

وفق تقرير عن وضع المياه أعدته وزارة المياه والري، حصر التقرير أبرز الآثار السلبية الناجمة عن العجز المائي في الأردن.

ويرى التقرير أن شح المياه في الأردن يفرض تحديا خطرا سيؤثر على جميع القطاعات اذا لم تبذل الجهود الحثيثة والجادة من الجميع لمعالجته.

وهذه الآثار السلبية هي:

1- الآثار الاجتماعية: قلّة المياه المزودة للاستعمالات المنزلية تؤدي إلى انتشار الأمراض والأوبئة، ممّا يرفع من فاتورة العلاج الصحي ويقلّل من الإنتاجية وينعكس سلباً على الناتج الوطني.

2- الآثار الاقتصادية: العجز المائي يؤدي إلى عدم إمكانية تحقيق المعدلات التنموية المرجوة من خطط التنمية التي تضعها الحكومة، مما ينعكس سلباً على النمو الاجتماعي والاقتصادي في المملكة.

3 – الآثار على الاستثمار: العجز المائي يؤدي الى انحسار الاستثمارات الصناعية والتجارية والزراعية والسياحية، مما ينعكس سلباً على الجهود الحثيثة المبذولة على أعلى المستويات لجلب هذه الاستثمارات.

ووفق التقرير؛ فإن ممّا لا شك فيه أن هذه السلبيات تحدّ من قدرة الحكومة على تحقيق أهداف الأجندة الوطنية وتنفيذ الطموحات والاستراتيجيات والخطط الموضوعة من القطاعات التنموية كافة.

ويؤكد التقرير أنه دون تنفيذ المشاريع الاستراتيجية لقطاع المياه فإن الخطط التنموية الوطنية تصبح حلماً يصعب تحقيقه ممّا ينعكس سلباً على الأمن الاجتماعي والاقتصادي.

الأمن الغذائي

الأمن الغذائي له أهمية سياسية؛ لأنه سيدعم بشكل خاص صغار المزارعين، ولكنه يحتاج إلى دعم حكومي من حيث آليات التسويق وإعانات الإنتاج والتكنولوجيا.

ووفق تقرير للباحث المتخصص في السياسات الزراعية حسام حسين ضمن دراسة أجراها «راصد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية» بعنوان"الحق في الغذاء في البلدان العربية» عام 2019، تحتاج الدول، من أجل ضمان أمنها الغذائي، إلى تبني واحد أو أكثر من الخيارات التالية: الإنتاج المحلي، الاستيراد، المعونة والمساعدات الغذائية الدولية، حيازة أراض زراعية في الخارج واستثمارها.

في حالة الأردن، يعتمد بشدة على استيراد الغذاء من الخارج حيث أنه يستورد أكثر من 90 بالمئة من الغذاء المستهلك محليا، لأنه يتصف بندرة في المياه ومحدودية الأراضي الزراعية. ويعتقد حسين أن الاعتماد على أسواق الغذاء الدولية هو «نتيجة لمحدودية الموارد المائية, وتغير المناخ ومصالح أصحاب الأراضي».

بينما كان الأردن قبل أكثر من خمسة عقود يعتمد في معظم حاجاته الغذائية على الإنتاج المحلي. إذ تراجعت مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي من 50 بالمئة في الخمسينيات والستينيات إلى نحو 3 بالمئة اليوم، غير أنها لاتزال تمثل شكلا حيويا من أشكال المعيشة والتشغيل للمواطنين الأكثر فقرا في الأردن.

فالزراعة، على الرغم من مساهمتها البسيطة في الناتج المحلي الإجمالي، ذات أهمية اقتصادية؛ فالمنتجات الغذائية هي مصدر رئيس للغذاء ومصدر رئيس لربح العملات الصعبة الناتجة عن الصادرات.

علاوة على ذلك يعتمد 25 بالمئة من إجمالي شرائح المجتمع الفقيرة في المملكة على الزراعة.

ووفق الباحث حسين، تستفيد الشركات الزراعية الكبيرة في البلاد والمملوكة من أصحاب الأراضي والنفوذ وكبار المزارعين، من الدعم الحكومي من خلال المياه المدعومة لأغراض الري لزراعة الفواكه والخضراوات في وادي الأردن وفي المرتفعات.

واستبدلت معظم القوى العاملة الأردنية في القطاع الزراعي بشكل تدريجي بالعمالة الأجنبية منخفضة الكلفة،والوافدة من مصر ومن سوريا حاليا. ويعمل العديد من المزارعين غير الأردنيين بدون حمايات اجتماعية (تأمين صحي وضمان اجتماعي)، ما يجعل كلفتهم أقل بكثير من كلفة المزارعين المحليين الذين يجري تشغيلهم بالعادة.

والزراعة هي أساس التنمية الريفية، ولها أهمية ثقافية واجتماعية وبيئية ما يجعل هذا القطاع مساهماً بشكل كبير أيضاً في الأمن الغذائي، فقد انخفضت الهوة في الاكتفاء الذاتي بالنسبة لمنتجات الألبان من 50 بالمئة في العام 1964إلى الثلث في العام 2010.

وحاليا، وفق حسين، الحاجة إلى الدواجن مؤمّنة تقريبا، وكذلك الأمر، إلى حد كبير، بالنسبة إلى الطلب على الخضراوات، الذي يؤمن قسما كبيرا من الانتاج المحلي،بالاضافة إلى استهلاك نسبة عالية من الثمار المنتجة في البلاد محلياً.

رغم ذلك، لايزال الأردن يستورد أكثر من 90 بالمئة من احتياجاته من الحبوب و80 بالمئة من العلف الحيواني.

ويتفق مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض مع حسين في أن الأردن يستورد غالبية حاجاته الغذائية ويعاني نقصا حادا في المياه، ومعدلات الدخل للعاملين والعاملات بأجر لا يكفي لتغطية الإنفاق على الاحتياجات الغذائية الأساسية لغالبية الأسر، وأننا ما نزال بعيدين عن تحقيق مبدأ السيادة الغذائية.

وينبه عوض إلى أن مؤشرات التقارير الوطنية والدولية تفيد بأن لدينا فجوة كبيرة في توافر مختلف المواد الغذائية بكميات تكفي لجميع سكان الأردن.

ويؤكد عوض على وجوب البحث في كيفية الخروج من مأزق تراجع مؤشرات الأمن الغذائي الذي نعاني منه، الذي دفعنا هذا العام إلى استيراد مياه الشرب، و"علينا البحث أيضا في كيفية تجاوز مشكلة تراجع المساحات الزراعية بنسبة 60 بالمئة خلال السنوات الماضية».

ويقول إنه بالرغم من توافر مخزون استراتيجي مأمون من المواد الغذائية الأساسية، وعلى وجه الخصوص القمح، إلا أن مصادرها تأتي من الأسواق الخارجية، وبعض هذه المصادر تمس السيادة الغذائية.

ويرجح عوض أن نشهد في المرحلة القادمة موجة كبيرة من ارتفاع الأسعار بما فيها المواد الغذائية التي يرافقها تراجع في دخول الأفراد والأسر نتيجة لسياسات الأجور المعمول بها من جهة وتداعيات جائحة «كورونا» من جهة أخرى، إذ تراجعت مستويات الدخل لغالبية المواطنين، وازدادت أعداد الفقراء بشكل ملموس.

التصحر وتراجع المساحات الزراعية

«أردن أخضر عام ألفين» شعار أطلقه الراحل الحسين بن طلال أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، استشعارا منه بالخطر المستقبلي الذي يكمن في حال عدم الاهتمام بالأمن الغذائي والمائي في الأردن.

غير أن هذا الشعار لم يكتب له النجاح، والشيء ذاته فيما يتعلق بجميع النداءات والتوجيهات التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي دق جرس الإنذار، بضرورة إيلاء الزراعة والمزارعين العناية القصوى والاهتمام بتحقيق الأمن الغذائي بالاعتماد على الذات.

لكن، للأسف، ما حدث هو المزيد من التصحر والزحف الصحراوي والعمراني، ما أدى إلى تراجع المساحات الزراعية، بنحو 60 بالمئة وفق أحمد عوض.

ويقول نقيب المهندسين الزراعيين الفلاحات إنه «خلال الثلاثين سنة الماضية تم إدخال أكثر من مليوني دونم من أخصب الأراضي الزراعية ضمن حدود البلديات والمدن، وكنا نطالب بقانون لاستعمالات الأراضي، فأصدرت الحكومة بدل القانون نظام استعمالات الأراضي عام 2007 الذي يسهل خرقه من قبلها لاعتبارات كثيرة.

ويشير إلى التعديات على «أراضي الشفا»، والمعضلة الأكبر هي «تآكل المناطق الزراعية في منطقة وادي الأردن والأغوار حيث ينتشر فيها مدن وتجمعات كبيرة وهي من أخصب المناطق الزراعية.

الشيء ذاته يتحدث عنه مدير اتحاد المزارعين محمود العوران الذي يدعو إلى تفعيل نظام استعمالات الأراضي لحماية الأراضي الزراعية من الزحف العمراني، «فالأرض أصبحت «سلعة"» على حد قوله، وعلى سبيل المثال «أصبحت مناطق جنوب العاصمة عمان ومأدبا غابات إسمنتية بعد أن كانت مزروعة بالقمح».

ووفق تقرير الزراعة الصادر عن وزارة الزراعة، بلغت المساحة المزروعة في منطقة وادي الأردن 329) ألف دونم) فقط، وأغلبها (99 بالمئة) مساحات مروية. ويحذر الفلاحات من أنه إذا استمرت هذه السياسة «فسنجد أنفسنا أمام كارثة».

ويطالب الفلاحات بوضع خريطة تنظيمية ووضع أسس ومعايير لمنطقة شرق وادي الأردن «فهي شفا غورية» ويدعو إلى تقديم الخدمات فيها والسماح للتوسع العمراني في منطقة الشفا التي تقع شرق القناة للمحافظة على ما تبقى من موارد الأرض الزراعية.

العامل الآخر المؤثر في تناقص المساحات الزراعية هو التغيرات المناخية في العالم وفي منطقة حوض المتوسط تحديدا، التي أدت إلى المزيد من ارتفاع في درجات الحرارة وتزايد الجفاف، وكذلك في تناقص كميات الهطول المطري.

ويؤشر حداد إلى أهمية دراسة التغيرات المناخية؛ «فبسببها نشهد تراجعاً في معدلات الهطول مع ارتفاع في درجات الحرارة، وهذا يتطلب بحثا علميا لإنتاج أصناف تتلاءم مع التغيرات والبيئة المحيطة».

ويؤشر الطرزي كذلك إلى آثار التغيرات المناخية التي أثرت بشكل كبير على منطقة الشرق الاوسط ومنطقتنا الاردن بشكل خاص كونها تقع في قلب الشرق الاوسط، ويلفت إلى أن 83 بالمئة من الأراضي الاردنية مناطق قليلة الأمطار ولا يزيد الهطول المطري في 90 بالمئة منها عن 200 ملم/السنة.

البطالة

ارتفع معدل البطالة في الربع الأول من عام 2021، بسبب جائحة كورونا، وما رافقها من إغلاقات وحظر كلي وجزئي، بمقدار 5.7% ليصبح 25%، وفق دائرة الإحصاءات العامة.

ما الحلول الممكنة؟

يرحب نقيب المهندسين الزراعيين الفلاحات بمقترح توزيع جزءٍ من أراضي الدولة على الشباب لغايات استثمارها زراعياً، ويقول: «هي فكرة مرحب بها من حيث المبدأ».

ويراها نافذة جديدة يمكن من خلالها تخفيض نسب البطالة من خلال توجيه طاقات الشباب إلى أحد أهم المجالات في الأردن وهو مجال الزراعة، الذي يعتبر مهمّاً لاستثمار الطاقات.

ويعتقد الفلاحات أن هذه الفكرة تستحق أن تتحول إلى «برنامج وطني تنموي متكامل».

بيد أنه ينبه إلى بعض الأساسيات في ذلك، أولها: ألّا يتم الاستعجال بتنفيذ هذه الفكرة دون الإعداد الجيد الذي يأخذ بالاعتبار «ديمومة هذا البرنامج كبرنامج تنموي وطني لا يندثر باستنفاد مخصصاته."

ولاحظ أن هناك مشاريع قائمة قطعت أشواطاً ثم تعثرت أو توقفت، ويمكن فتح المجال أمام إحيائها وتطويرها.

وفي ذات الوقت، يحذر الفلاحات من المساس بأراضي الغابات والمساحات الحرجية والعبث بها تحت ذريعة هذا المشروع.

ويشدد على ضرورة الالتفات إلى «عنصر شح المياه»، فضلا عن وجوب التركيز على «محاصيل العجز» وليس «إغراق السوق بالمزيد من محاصيل التخمة التسويقية."

ويلفت إلى أن هناك مناطق شاسعة بأحواض مائية مشتركة مع الدول المجاورة يمكن إقامة مشاريع متكاملة عليها، يكون الهدف منها «تحقيق الأمن الغذائي والتشغيل جنباً إلى جنب».

تخوفات

غير أن الدكتور نزار حداد لا يحض على الإفراط في التفاؤل، ومبعث تخوفه هو أنه «ليس لدينا مياه كافية للشرب».

ويطرح حداد سؤال: هل نستطيع أن نحقق اكتفاءنا الذاتي من زراعة الحبوب؟ ليجيب بـ"طبعا لا.. حتى لو تحولنا إلى الزراعة المروية».

وهو يؤشر إلى أن المساحات المتاحة لزراعة الحبوب غير كافية. كما أن الجدوى الاقتصادية من التحول لزراعة الحبوب من خلال الري «غير مجدية.. لأن تكلفة توفير المياه مرتفعة أكان بجرها من الديسي أو مشروع جرها من العقبة (تحلية المياه)».

في الوقت ذاته يؤكد حداد أن المركز الوطني ينتج الأصناف المعتمدة من الحبوب، وهو قادر على تزويد المزارعين باحتياجاتهم من البذار لغايات الزراعة.

ويوضح أن مصطلح «الصنف المعتمد» يعني «الصنف الذي أثبت جدارته في البيئة المحلية».

متطلبات استدامة القطاع الزراعي

ويرى الفلاحات أن من متطلبات استدامة وتنمية القطاع الزراعي: تفعيل نظم التتبع وتعزيز سلامة وصحة الغذاء وتطبيق المواصفات القياسية وبناء قاعدة المعلومات ومعالجة أرقام الإحصاء الزراعي وتوفير التمويل الكافي، وتمكين التجمعات الزراعية من إنشاء «غرفة زراعة الأردن» وإنتاج الحبوب والأعلاف لدعم الثروة الحيوانية وزيادتها، والتوسع في إنتاج المحاصيل القابلة للتخزين.

وكذلك «تشجيع الاستثمار الإنتاجي والصناعي ودعم البحث العلمي الزراعي التطبيقي وحماية الأراضي الزراعية وإدارة المصادر المائية بحصافة وتشجيع استخدام الطاقة النظيفة إضافة الى دور الإعلام الزراعي».

ويقترح الفلاحات ربط الإنتاج بالطلب؛ «حتى نتجنب الفائض في بعض المحاصيل». ويمثل لذلك بالقول: يجب أن يكون هناك تحفيز وتوجيه 25 بالمئة من المحاصيل المزروعة باتجاه العجز مثل الأعلاف والمزروعات المروية.

ويشرح بالقول إن مساحة الأراضي الزراعية في غور الأردن تبلغ نحو 350 ألف دونم، يوجَّه ستون ألفاً منها لزراعة القمح، ما سيخفف من استهلاك المياه ومستلزمات الإنتاج وتكاليف العمالة، كما أنها دورة زراعية مهمة والعائد منه مخزون استراتيجي من هذه المادة فيما يتعلق بالمحصول أو الأعلاف.

قضية مهمة جدا هنا يطرحها الفلاحات، وهي التمويل، وهو يتناول موضوع صندوق الإقراض الزراعي تحديدا، إذ يعتقد أن بإمكانه أن يلعب دورا مهما جدا إذا ما أجريت له عملية تطوير الأداء في مجال تحديد الأولويات، وكذلك توجيه المزارعين الراغبين في الاقتراض في الاتجاهات التي تخدم تحقيق المصالح العليا لأي مشروع وطني، لتعظيم الفائدة منه.

وهو يدعو هنا إلى زيادة القدرة المالية للصندوق، والتسهيل ما أمكن على المزارعين وتأمينهم بالاستشارات الزراعية ودراسات الجدوى التي تجعلهم يختارون أفضل المشروعات الناجحة.

ويقترح الفلاحات هنا «تمويل المزارعين الذين يعانون بسبب الالتزامات المالية المترتبة عليهم، بأن تقدم قروضا حسنة وميسّرة وتعليق المرابحة خمس سنوات وإجراء إعفاءات من الديون التي ترتبت عليه، وتقديم دعم للصادرات.

ويطالب الفلاحات بتحويل نظام استعمالات الأراضي لعام 2007 إلى قانون «يحد من التعديات» على الأراضي الزراعية. والمطلب ذاته يدعو إليه مدير اتحاد المزارعين العوران.

زراعات ذكية

يدعو حداد إلى إدخال زراعات ذات احتياجات مائية قليلة مثل الأفوجادو والمانجا، وهي ذات قيم تسويقية عالية، وكذلك الاستثمار في الأسماك لإيجاد فرص عمل حسب حجم البرك، فالبرك الكبيرة في المشروع الواحد توفر ما لا يقل عن ١٠ فرص عمل، إضافة إلى تعزيز الأمن الغذائي وتقليل استيراد الأسماك من الخارج.

ويحض على تكثيف الزراعة الحرجية التي تعتمد على مياه الأمطار «للحد من التغيرات المناخية واستثمارها في السياحة الزراعية مثل مشروع وزارة الزراعة المنفذ في الطريق الصحراوي».

ويوضح حداد أن النظرة الشمولية في المركز الوطني للبحوث الزراعية هي «الاستثمار في الكوادر البحثية وتأهيلها وتمكينهم ليصبحوا قادرين على كتابة تصورات وملخصات لجلب الجهات المانحة وإقناعها في تركيز المشروعات في المركز».

وهذا الأمر، بتقديره، ينعكس على توفير فرص عمل وإيجاد حلول للمياه والأسمدة والبذور والتغير المناخي والاستدامة الزراعية من خلال توظيف هذة المشاريع لخدمة القطاع الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي ونقل التكنولوجيا الحديثة.

جمعيات تعاونية

ويدعو العوران إلى تحويل الشباب إلى جمعيات تعاونية للتخفيف عليهم والاستعانة بخبراء الطقس لمعرفة المواسم المطرية القادمة والتنبؤ بها وأن نحول ما يُتنبَّأ به إلى جداول زمنية يُعمل وفقا لها.

ويحذر من تحويل هذا المشروع إلى مشاريع رأسمالية يستفيد منها أصحاب النفوذ بدل تشغيل الشباب.

ويستذكر أنه «أول ما أُجِّرت الأراضي الزراعية التي تسقى بمياه (مطلع الثمانينيات) نصت الاتفاقية على زراعتها بالقمح، وموجود نص الاتفاقية لدى وزارة المالية» لتتحول بعد ذلك إلى زراعة الفواكه والخضراوات.

وأيضا أراضي المدورة «أعطيت لزراعة القمح، لكنها زرعت بمحاصيل أخرى من الخضروات».

الحصاد المائي

يشدد الطرزي على ضرورة أن يرافق أي مشروع تنموي بهذا المجال «توعية معمقة» بأهمية الحفاظ على مصادر المياه وتقنين استخداماتها، بحيث «نضمن تفهم المواطن للواقع المائي في الأردن وتعاونه بما يحقق عوائد مائية كبيرة وبتكلفة بسيطة تنفيذا للتشريعات التي تلِزم كل مواطن يبني عقارا بعمل خزان تجميعي للماء».

ويؤمن الطرزي أن الحصاد المائي سيعمل على توفير مصدر مائي على مستوى المملكة يقدر بحوالي 43 مليون م3 سنويا، أي ما يعادل 16 بالمئة من المياه التي يستخدمها المواطنون، التي تعمل على تخفيض فاتورة المنزل بنسبة لا تقل عن 40% من استهلاكه.

ويعرف الطرزي الحصاد المائي بأنه: «تجميع مياه الأمطار في عدة أشكال خلال فترة زمنية معينة من الدورة الهيدرولوجية التي تبدأ من وصول الأمطار إلى أسطح المباني أو الأراضي وحتى مرحلة الجريان للمياه في شكل سيول أو بتحويل جزئي لتصريف الأودية والأنهار أو حجز مياه النهر أو الوادي عن طريق بناء سد في مجراه أو منشآت تحويلية بهدف التخزين والاستفادة من هذه المياه في أوقات انعدام هطول الأمطار أو أوقات الجفاف، حيث يقل تصريف جريان الأودية أو يتوقف».

ويتفق العوران مع الطرزي في ضرورة التركيز على الحصاد المائي ومناطقه التي هي السدود من التجمعات المائية، ويرى أنه يمكننا زراعة القمح في تلك المناطق.

وهي، بتقديره، لا تحتاج كهرباء أو طاقة مكلفة لتشغيل المضخات؛ «فبوجود الطاقة الشمسية يمكن نقل الماء من أي سد إلى عمان، لكننا نحتاج عقولا لإدارة المشاريع».

ويمكن حل مشكلة المياه تقنيا؛ فهناك تقنيات جديدة للزراعة والحصاد المائي بمناطق صحراوية بأفريقيا وآسيا تؤمّن حاجتها للمياه المحدودة عن طريق تقنية «صيد الندى» وهذه التقنيات متاحة واستخدمتها الجامعة الهاشمية.

ويعتقد أنه يمكن حل مشاكل الطاقة باستغلال الطاقة الشمسية، وبناء محطات توليد كهرباء شمسية أو محطات الغاز الحيوي فتتوفر كهرباء 24 ساعة على مدار الأسبوع.

استخدام المياه الرمادية

تؤكد الدكتورة منى هندية إمكانية زراعة الأراضي الموجودة حول محطات التنقية والقريبة منها، وتشير إلى سهولة وإمكان الاستفادة منها؛ إذ «توجد لدينا ثلاثون محطة لتنقية المياه العادمة، ويمكن إعطاء الشباب الأراضي الموجودة قرب هذه المحطات لزراعتها».

وتبين هندية أن هذه المياه العادمة المعالَجة «تحتوي على الفوسفات والنيترات ولا تحتاج أسمدة ويمكن أن يُزرع فيها الأعلاف والنباتات الطبية والأشجار الاقتصادية الداخلة في الصناعات».

وهي تدعو إلى مبادرات شبابية لزراعة الأشجار الحرجية على طول مجرى السيول التي تتدفق من محطات التنقية، «فالأشجار مهمة لأغراض عديدة، ومنها يمكن صناعة الأخشاب».

وتذكر أن من الأشجار التي يمكن زراعتها ولا تستهلك كميات كبيرة من الماء «شجرة المورينجا»، التي يسميها بعض الناس «شجرة الجنة» أو «الشجرة المعجزة» التي لا تحتاج الماء وتُزرع بجانب سيل الزرقاء في الأجواء الحارة».

وتلفت إلى إمكان زراعة العديد من الأشجار الطبية المهمة للصناعات الطبية والأشجار التي تنتج الخشب على طول السيول، «فهي مصادر اقتصادية وبيئية مهمة».

كما يمكن إنشاء مشاتل في تلك المناطق «بمحاذاة سيل الزرقاء وقناة الملك عبدالله وسيل حسبان.. وغيرها».

وتحض هندية الدولة على فرز الأراضي التي فيها ينابيع ومياه نظيفة وتحديدها لتوظيفها في زراعة الخضراوات النيئة، مثل الينابيع في قرية عيمة في الطفيلة والينابيع في حسبان».

وتبين هندية وجود محاصيل كثيرة تقبل الأرض المالحة «مثل الشمندر السكري وخشب البامبو وشجر الليف، وهي جميعها مجدية اقتصاديا، وهناك أشجار تمنع اقتراب الحشرات مثل الذباب والبعوض».

تقليل استهلاك المياه

يقترح أستاذ علوم الأراضي في معهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة في مصر الدكتور محمد بدوي، في دراسة منشورة، مجموعة من الطرق لتوفير استهلاك المياه في الري.

ومن أبرز هذه الحلول المقترحة لترشيد استهلاك مياه الري استعمال وسائل الري الحديثة واستعمال مواد عضوية لتحسين بناء التربة والتوصية أن يكون الري في المساء أو الصباح الباكر واستخدام تقنية الميكروهيزا التي توفر 20 % من مياه الري، واستخدام تقنية الهيدروبونيك، وتشجيع برامج الزراعة العضوية لتحسين خصائص التربة، ورفع مستوي الوعي لدي المزارعين وطلبة المدارس، وتشجيع زراعة نباتات البيئة المحلية، وكذلك البحث عن مصادر مياه غير تقليدية.

ولتحقيق الأمن المائي، يرى بدوي أن الأمر يلزمه تطوير المصادر التقليدية وغير التقليدية والمحافظة عليها،وإجراء البحوث اللازمة لتخفيض تكاليف تحلية المياه، وترشيد استخدام المياه فى مختلف الأغراض، وتحسين كفاءة توزيعها وتشجيع إدخال تقنيات الري المتطورة، وتفعيل الإدارة المتكاملة للموارد المائية، واستخدام الأسمدة العضوية، وتدوير مخلفات المزارع لتحسين قوة مسك التربة للماء، وكذلك التوعية بأهمية المياه والوضع المستقبلي لتناقص حصة الفرد من المياه.

تجاوز إشكالية الضرائب

وتظهر الدراسات أن ما يقارب 60 بالمئة من من كلفة الاستثمار في الزراعة هي ضرائب غير مباشرة، ما يستلزم حلاً جذريا، إذ أن هذا الأمر يشكل عائقاً أمام الشباب للتوجه نحو الاستثمار بالزراعة.

ومن الضرورة أن تحظى الاستثمارات الزراعية بشكل من أشكال الرعاية الضريبية، هناك أنظمة ضريبية في العديد من دول العالم قائمة على تشجيع الاستثمار في قطاعات معينة، وعلى رأسها الزراعة.

ولتشجيع الشباب على الاستثمار بالقطاع الزراعي يجب تطوير القطاع كاملا، وتأمين خدمات صحية وتعليمية وترفيهية، وليس تفويض الأراضي للشباب، ليتصرفوا بها لاحقا بالبيع، أو يتم وضعها تحت تصرف حفنة من المتنفذين.

ويدعو أحمد عوض إلى تطوير وتطبيق سياسات تسهم في التخفيف من الآثار الكبيرة لحالة انكشاف الأمن الغذائي، وتضعنا على مسار يوصلنا خلال فترة زمنية محددة إلى حال من الأمن الغذائي المستدام، وإعطاء هذا الموضوع أولوية قصوى من قبل السياسيين وصانعي القرار، وعدم قصره على الجانب الفني فقط.

دور وزارة الزراعة

يقول الدكتور أيمن السلطي مساعد الأمين العام للمشاريع في وزارة الزراعة أنه يجري توجيه جميع المشاريع حسب رؤية جلالة الملك؛ وهي «مساعدة الشباب وتشغيلهم في معظم المشاريع».

ويبين أن أي مشروع يأتي من الجهات المانحة يجري دراسته فنيا ليكون منسجما مع استراتيجية الوزارة القائمة على سبعة محاور أساسية، والتي تكون غالبا مبنية على التشغيل والاستدامة.

وبؤكد أن وزارة الزراعة ترتب حاليا مع وزارة التخطيط كل المشاريع بشكل مسبق قبل أن تأخذ الموافقات النهائية، حيث يتم العمل بشكل متناغم لتشغيل أكبر عدد من الشباب.

ويشير محمود الربيع مساعد الأمين العام للثروة النباتية إلى أن الأراضي وحدها لا تكفي؛ «فإذا كنا نتحدث عن أراضي الخزينة، فمعظمها أراض صحراوية يقل معدل هطول الأمطار فيها عن 200 ملم سنويا، وبالتالي الحديث يجب أن يتركز على توفير مياه لري هذه الأراضي».

ويبين الربيع دور الوزارة؛ وهو «تحديد الأراضي الصالحة للزراعة من حيث تحليل التربة والنباتات الصالحة للزراعة في هذه المناطق، ومعلومات فنية، بالإضافة إلى الإرشاد الزراعي، بتدريب الشباب العاطلين عن العمل على أنماط الزراعة وكيفيتها، وكذلك توفير تمويل من خلال مؤسسة الإقراض الزراعي.

وأوضح أن قطاع الزراعة يستهلك بحدود 530 مليون متر مكعب من المياه.

غير أن الوزارة لم توضح ما إذا كانت هناك مشاريع منجزة، ولم تعط أي أرقام لعدد المشاريع التي أشرفت عليها أو عدد الشباب الذين جرى تشغيلهم.

تجارب ناجحة

وفي إطار جهود غرفة الصناعة والتجارة بإنتاج مادة الإيثانول التي تدخل في صناعة المعقمات الذي يصنع من الشمندر السكري أو قصب السكر أو الذرة،بادر المهندس الزراعي كمال ساري بشراء نصف مليون بذرة شمندر من بلجيكا من أحدث أصناف البذور.

يقول ساري: «زرعت البذور في عشرين موقعا بالمملكة من شمالها بدءاً بالرمثا إلى جنوبها انتهاء بالعقبة، ومن شرقها لغربها ومن وادي الريان بالأغوار إلى الخالدية بالتعاون مع المركز الوطني التابع لوزارة لزراعة ونقابة المهندسين الزراعين ولهم محطة بالكرامة والجامعة الأردنية بمحطتهم بالأغوار».

متحدثا عن تجربته «بدأنا زراعة الشمندر شهر تشرين الأول وتم حصدناه في شهر نيسان وكانت النتائج ممتازة حيث انتج الدونم الواحد 20 طنا من الشمندر نسبة السكر في الشمندر كانت 17إلى 22بالمئة.

ويضيف «الشمندر من أكثر المحاصيل تحملا للملوحة لذلك قمنا بتجربة بزراعته بالمياه المعالجة والمالحة والعذبة وفي كل المواقع وحصدنا إنتاجاً متميزاً لذلك يمكن استغلال المياه المعالجة في انتاج الإيثانول».

ويعدد ساري المنتجات التي يمكن انتاجها وتصنيعها السكر والايثانول ومن بقايا الشمندر يمكن أن نصنع الخمائر، ومنه ممكن أن نصنع أيضا «السيلاج» وهو علفينتج من الشمندر.

لافتا إلى أننا نستورد 120 مليون دولار سكر سنويا 600 ألف طن أعلاف ونحن نستورد من مصر 60 ألف طن من السيلاجوالذي ينتج من بقايا الشمندريمكن الاستغناء عن استيراد الأعلاف بزراعة الشمندر.

ويتنمى أن يوجه صندوق التعويضات البيئية استثماراته في الزراعة فهي أفضل وجه له حيث يمكن تحويل الأزرق والمناطق الصحراوية لمناطق منتجة وتشغيل الايدي عن طريق زراعة الشمندر والذي يستحمل ملوحة المياه والأرض.

وأشار ساري إلي مشروع في الديسي نفذته مؤسسة الضمان الاجتماعي حيث أخذ 30 ألف دونم بثلاثة دنانير للدونم ووزعته وحدات زراعية على السكان تقريبا ألف وحدة زراعية مزودة بالماء وكل شيء واقترح مشروعا موازيا لزراعة الشمندر بحيث نربح ونوفر عملة صعبة ويصدر إيثانول مستقبلا.

القمح زريقات

ربيع زريقات شاب يهدف الى التوجه نحو زراعة الكفاف عن طريق مبادرة لزراعة القمح في أراضي عمان الفارغة.

«فبالزراعة محصولنا نتعلم معنى السيادة على غذائنا ومعنى الاستقلالية والكرامة ويعلمنا كيفية التعلق بالأرض وحمايتها لنحمي كرامتنا وسيادتنا...اذا فقدنا علاقتنا وتجذرنا بأرضنا فمن السهل أن نفقدها ونخسرها ونخسر هويتنا».

يقول زريقات » من الضروري البدء بالتفكير في كيفية انتاج غذائنا بأنفسنا من خلال استثمار المصادر والموارد المتاحة».

ويدعو زريقات للبدء بتأمين غذائنا الاستراتيجي من الحبوب والقمح لأنها محاصيل قابلة للتخزين.

وينصح زريقات بالتوجه لزراعة الكفاف الزراعة لابد من أن نؤمن غذاءنا نبدأ بالسيادة المنزلية على الغذاء فيزرع كل منزل محصوله وأن يتضمن مجموعة من الأشخاص أرضاً ويدفعوا بطريقة تشاركية تضامنية تكاليفها ويزرعوا حاجتهم المنزلية.الهدف هو أن تمارس كل عائلة تحررها الغذائي من خلال البدء بالتخلي عن القمح المستورد والأرز واستبدالهما بالقمح البلدي والجريشة المنتج من أرضنا.

وأشار الى نجاح مبادرته حيث تم زراعة أراضي ومساحات مختلفة في عمان بشكل جماعي تضامني وتم حصادها وقال زراعتنا ليست من أجل التجارة بل زراعة معيشية.

وعن تجربته يقول: «بدأنا موسم زراعة القمح في العاصمة عمان مع 150 مشاركا ومشاركة (55 عائلة) تجمعوا عن طريق منشور على وسائل التواصل «هل تعلمون أن الأردن يستورد 97بالمئة من استهلاكه للقمح،هل تريدون تعلم زراعة القمح البلدي تتعلموا كيف تزرعوا القمح البلدي في العاصمة عمان من البداية للنهاية ويكون لديكم مخزون الكافي لعام هل تريدون التعرف على المنتجات والأكلات المختلفة التي يمكن انتاجها من القمح.

كما وضع منشورا آخر وطلب من أصحاب الأراضي بتوفيرها لنا وكان الرد سريع جدا«وتم تقديم أراضي بمساحات مختلفة وفي عدة مناطق وأحياء».

«حيث كنا كنا نرى العديد من الأراضي داخل العاصمة غير مستغلة وتمتاز بتربتها الحمراء والخصبة والمناسبة للزراعات البعلية وبالأخص القمح ومن هنا بدأت فكرة استثمار هذه الأراضي وزراعتها بشكل جماعي تشاركي بين أهالي المدينة».

وتشمل الخطة وفق زريقات «قيام عائلات أو أفراد بالاشتراك بحصة من الأرض بمبلغ (125 دينار) حيث يشمل تعلم زراعة القمح بالتعاون مع أصحاب الخبرة من خلال المشاركة بزراعة الموسم كامل من أوله لآخره من مرحلة الحراثة, التسميد, البذار, التعشيب, الحصاد، جمع غمور القمح ونقلها للبيدر، الدراسة، عملية تجهيز قمح الفريكة, عملية طحن القمح في المطحنة وعمل الجَريشة وكل ما يتعلق بها. بالإضافة لتكاليف السماد والبذار وأجور آليات وغيرهم».

والنتيجة للخطة الزراعية في نهاية الحصاد سيتم تقاسم المحصول على الجميع بالتساوي طبعاً بعد حساب زكاة القمح (١٠%)، وحصول المشاركين على المعلومات اللازمة لزراعة القمح من الألف للياء بشكل عملي ليتمكنوا لاحقاً من زراعة أراضي صغيرة أو متوسطة الحجم لتغطية حاجة عائلاتهم من القمح فكل دونمين يمكن أن ينتجانحو ٣٠٠ كيلو قمح ليكفي عائلة من ٤ أشخاص لعام كامل.

يتم حالياً زراعة 10مواقع بمساحة (110 دونمات) بمحصول القمح البلدي بالتعاون مع المزارعين والفلاحين وأصحاب الأراضي وسكان الأحياء.

ومن الصعوبات التي واجهها زريقات توفر الأراضي لزراعتها، أما العقبة الثانية فكانت بالإرشاد الزراعي فعند الاتصال بوزارة الزراعة قدموا لنا إرشادات شفهية ولم يكن هناك أي استعداد للنزول معنا ميدانيا مما أننا لم نحصل على ارشادات تتعلق بجميع مراحل أما بالنسبة للآليات فثمنها مرتفع ويتمنى دعم الشباب من خلال توفير الآليات.

ويرى زريقات أن لدى الأردن اكتفاءً ذاتياً بمعظم أنواع الخضروات والفاكهة وأحيانا تفيض عن الحاجة أن يؤمن المحاصيل الأساسية ومن يقوم بتصدير والمحاصيل فالمحاصيل التي تزرع تستهلك الكثير من الماء.

ويطالب بالتخفيف من زراعة المحاصيل التي فيها اكتفاء ذاتي في المناطق المروية في الأغوار وأن نعوض بالقمح والحبوب الأخرى، فالقمح ينظف الأرض من الأملاح والعدس يركز النيتروجين فيها، ومن المهم أن تكون جزءاً من الدورة الزراعية في الأرض.

صهيب عياد

صهيب عياد مهندس زراعي عشريني يعشق الأرض والزراعة ويثق بالمزارع والمنتج الأردني المرغوب عالمياً فهو يقول يستطيع المزارع الأردني في حال توفر له الدعم المناسب وضمان عدم خسارته أن يخرج من الأرض ذهبا فقطاع الزراعة برأيه من أكبر القطاعات في الأردن والتي من الممكن أن تدر دخلا فمجتمعنا زراعي.

يعمل صهيب على تقديم استشارات زراعية للمزارعين والاشراف الزراعي على المزارعين لتحسين منتجاتهم وتطويرها بتعليمهم جميع التقنيات الصحيحة والجديدة لضمان جودة منتجهم وإدخال الزراعات الاستوائية على الأغوار ويعمل عياد على تحسين جودة وانتاج العديد من المشاريع الزراعية وتطوريها في مختلف مناطق المملكة بالإضافة الى مشروعه الخاص لمشاتل النباتات المنزلية.

ويرى عياد أنه من الخطأ توزيع أراض زراعية على الشباب وبخاصة في هذا الوضع فهم لايملكون الخبرة الكافية كما أن الإنتاج الزراعي كبير وعال الجودة لكن سعرهمنخفض وبالتالي سيتضرر المزارع

ويقترح أنه في حال توزيع الأراض على الشباب لابد من تنظيم الحيازات الزراعية ومعرفة ماهيتها هذه الحيازات ماذا ستزرع كما على الحكومة ان توفر دعما للسوق فعلى سبيل المثال لدينا السفارات عديدة في الخارج لماذا لايقوم الملحق بترويج المنتج الأردني ويقول «المنتج الأردني ببيع» وقال أنه من خلال تجربته وعند وضع صور للمنتجات الأردنية على تطبيق تويتر ترده كما طالب عياد «بدعم البرامج الزراعية ببرامج تنموية».

«أكبر مصيبة إعطاء المزارع قروضا من الإقراض الزراعي لأنه سيستوفي منهم النقود بفائدة» وطالب الحكومة بوضع حد أدنى لأسعار للبيع لحماية المزارع كما حصل أثناء الجائحة.

الربابعة

أحمد الربابعة شاب عشريني حاصل على درجة الماجستير في إدارة الموارد البشرية يحاول أن يحارب البطالة التي يعاني منها هو وأصدقاءه الشباب فبدأ مشروعاً زراعياً صغيرا باستخدام تقنية هولندية بتمويل من الاتحاد الأوروبي.

يدعى مشروع الربابعة «سفراء الريف » وهي مبادرة لمشروع يسعى بها إلى توفير التدريبات والمهارات حول التقنيات الزراعي الحديثة للشباب والشابات وربات الأسر في المناطق الأكثر تأثرا في المجتمعات الريفية وبناء قدراتهم في الزراعة المائية.

قام الربابعة بمساعدة سبعة عشر شاب بإنشاء بيوت بلاستيكية على أرض تبلغ مساحتها دونمين في محافظة عجلون سمح لهم مالكها زراعتها كنوع من الدعم فزرعوا بها الزعتر والمريمية.

تقنية هولندية استخدم ربابعة تقنية هولندية تضمن استغلال الأمثل للمياه يطلق عليها «غروسيس» أحواض خاصة للزراعة وهي عبارة عن صندوق من مواد عضوية يتيح زراعة الأشتال والأشجار المختلفة داخلها في حفرة من التراب يتم تعبئة 15 لتر من الماء لتقو م من خلال خيط من أسفله بري جذور النبتة عبر الترشيح لمدة تكفي 6أشهر من دون الحاجة إلى استخدام الطرق التقليدية بسقايتها وبما يضمن نموها مهما كان نوع التربة،وليحافظ على هذه الصناديق التي يصل عمرها عشر سنوات لفترة أطول يزرع الربابعة النباتات داخل بيوت بلاستيكية.

ويقول الربابعة توفر هذه التقنية 80 بالمئة من الماء مقارنة مع سقايتها بالطريقة التقليدية ويلفت إلى أن التقنية تساعد على ترشيد استهلاك المياه وبالتالي تحقيق مردود زراعي دون الحاجة إلى كميات كبيرة من المياه.

ويخطط الربابعة لتعميم تجربته عن طريق التواصل مع وزارة الزراعة والديوان الملكي طامعا من أن يتضمن إحدى اراضي الدولة لتوسيع مشروعه وتوفير فرص عمل أكثر للشباب العاطلين عن العمل.

ويقدم الربابعة لمنح للحصول على دعم من المنظمات الدولية.

الجامعة الهاشمية

تقع الجامعة الهاشمية في المنطقة شبه الجافة حيث لا يتعدى معدل هطول الامطار عن 250 ملم في السنوات الرطبة وعن 150 ملم في السنوات الجافة ويمتاز مناخ المنطقة بارتفاع حاد في درجات الحرارة في فصل الصيف وانخفاض ملحوظ في درجات الحرارة في فصل الشتاء وكذلك هناك فرق واضح ما بين درجات الحرارة في النهار ودرجة الحرارة في الليل. ان طبيعة التربة مفككة والتي تتميز بحركة غبار بسبب الرياح كما ان الغطاء النباتي قليل الا في فصل الربيع.

تعتمد منطقة الجامعة في الدرحة الأولى على المياه الجوفية لتأمين متطلباتها لأغراض الشرب والزراعة لعدم وجود أودية دائمة الجريان فيها، والاعتماد الكلي على المياه الجوفية والضخ الجائر يزيد من ملوحتها وبالتالي نضوب هذه المياه. فيما تفتقر المنطقة إلى أودية دائمة الجريان للاستفادة منها كمياه سطحية في فصل الشتاء بتخزينها من خلال السدود أو الحفائر واستعمالها في ري الأشجار خلال فصل الصيف.

وتولي إدارة الجامعة ومن خلال كلية الامير الحسن بن طلال للموارد الطبيعية والبيئة هذا الموضوع عناية خاصة، ولذلك فان هناد مخطط استراتيجي لإنشاء برك وحفائر وحصاد مياه الأمطار من مباني الجامعة والمساحات المختلفة بين الكليات خلال فصل الشتاء للاستفادة منها من خلال مشروع الحصاد المائي لري الأشجار خلال فصل الصيف.

وكذلك الاستفادة من مياه الأمطار الساقطة وعدم هدرها وإقامة المشاريع لجمعها بأقل كلفة للاستفادة منها في ري الأشجار المزروعة ضمن الحرم الجامعي وذلك من خلال ربط مباني الجامعة بشبكة من الأنابيب وكذلك إقامة البرك الترابية الواقعة على الأقنية للاستفادة من الجريان السطحي للمياه ضمن الحرم الجامعي.

منجم «المركز الوطني للبحوث الزراعية»

لعل إحدى أهم التجارب الناجحة على مستوى الدولة، في الزراعة، هي تجربة المركز الوطني للبحوث الزراعية»، غير أن هذا المركز، على عِظم ما يتوافر لديه من إمكانات وخبرات وتجارب متراكمة منذ عقود، إلا أنه لم يعط الفرص لتعميم ما لديه من تجارب على مستوى البلاد، ونشر هذه الخبرات وإفادة المزارعين والمشاريع الزراعية مما لديه.

فالمركز بحق هو «بيت خبرة»، ولديه الإمكانات والرغبة الصادقة في تقديم كل ما لديه من خبرات وتأمين الاستشارات والمعرفة التكنولوجية اللازمة لحل أي مشكلة تواجه القطاع الزراعي في الأردن، بشقيه النباتي والحيواني.

ويبين حداد أن مركز البحوث توجه نحو استخدام المياه «غير التقليدية» حيث توجد محطة بحوث زراعية في محطة تنقية الرمثا بها حيث يجري العمل بالتعاون مع وزارة المياه والري ونعمل على تجويد نوعية المياه بحيث تصبح صالحة للزراعة».

ويوضح أن هناك عدة مشاريع تبناها المزارعون على نطاق واسع، وأن الأردن من أكثر الدول استخداماً للمياه المعالَجة في زراعة الأعلاف.

ووفقا لحداد «أدخل المركز تقنيات تحلية المياه أول محطة تحلية بطريقة التناضح العكسي في الأردن، تم تركيبها في محطتي الخالدية والكرامة لتجويد نوعية المياه وتحسينها لتصبح صالحة للري"

كما أدخل المركز تقنيات استخدام المياه الرمادية على مستويين «المزارع والاستخدام المنزلي» لتستخدم في ري الأشجار.

ويرى حداد أن الأولوية في بلد كالأردن هي «لتوفير مياه للشرب».

ويوضح أن استراتيجية المركز «تتفق بالكامل مع وزارة المياه والري في أنه لا بد من التوجه نحو المياه غير التقليدية.. وأهم خطوة يمكن أن يُعمل بها هي خطوة الحصاد المائي».

ومن الأبحاث التي يعنى بها المركز «دراسة النباتات التي لا تحتاج ماء.. فلدينا ما يدعى احتساب الاحتياجات المائية للنباتات؛ ومحطة الخالدية تعنى بانتخاب الأصناف التي تحتمل الجفاف والملوحة».

كما يعمل المركز على إدخال التقنيات الجديدة في الزراعة مثل الهيدروبونيك والزراعة المائية لغايات تقليل استخدام الماء والسماد».

ويؤكد حداد أن المركز أوجد حاضنة للابتكار الزراعي انسجاماً مع أهدافه البحثية وتماشياً مع أهداف التنمية المستدامة، لتبني الأفكار الريادية والابتكارية والارتقاء بها لتصبح مشاريعَ تنموية مدرة للدخل ترفع لأصحابها وتنقل مخرجات البحث العلمي الزراعي لتصبح واقعا ملموسا.

ويذكر أن هناك العديد من الابتكارات التي اجترحها شباب ونفذوا مشروعات ناجحة.

ويبين حداد أن أصناف القمح والشعير التي تباع من خلال المؤسسة التعاونية بأسعار مدعومة للمزارعين أنتجت في حرم المركز خلال الخمسة عشر عاما الماضية، وأنه كان هناك عمل متواصل في الربة وفي إربد والمشقر، إضافة الى محطات فرعية في الرمثا والغوير (بمحافظة الكرك) و400 موقع للمزارع انتخبنا منها ثلاثة أصناف من القمح ومثلها من الشعير وزاد إنتاجهم 40%.

ومنذ نشأته عكف المركز على ايجاد الحلول للعديد من المشكلات التي تواجه القطاع الزراعي وطرحها أمام الحكومة من خلال توظيف مخرجات البحث العلمي ونقل التكنولوجيا.

التغير المناخي والموارد المائية

قالت المهندسة لبنى المحاسنة رئيسة قسم نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد أن المركز أنتج خرائط، تعد من أهم مخرجات دراسات متخصصة في مجال شدة الفيضانات وتكرارها واستخدامات الاراضي الزراعية وحلول الحصاد المائي الأخضر في تعظيم استغلال مياه الامطار والحد من كوارث الفيضانات، التي استخدمت تقنيات نظم المعلومات الجغرافية والاستشعارعن بُعد فيها اضافة إلى النماذج الرياضية المتخصصة.

وأعد المركز خريطة الفيضانات الوميضية، التي حددت شدة خطر التعرض للفيضان المحتملة وتكراره والتي حصرت المناطق والاودية وأسماء القرى الأكثر عرضةً لخطر الفيضان التي تدعم تمكين جهود صنع القرار المبذولة باتخاذ الإجراءات اللازمة فيها إضافة إلى كونها أداةً مهمةً للتخطيط العمراني واستعمالات الأراضي وتدخلات الحصاد المائي.

وعكف المركز على إنتاج الخريطة الزراعية لتكون خطة طريق أولية ودليلا لصانعي القرار في تحديد مناسبة الأرض وملاءمتها لكل نوع من أنواع الاستخدام الزراعي لمجموعات المحاصيل المروية، وهي محاصيل حقلية ومحاصيل الخضراوات والأشجار المثمرة، وتقدير الاحتياجات المائية والمياه الافتراضية واستخلاص السيناريو الأمثل لغايات الاستثمار فيها.

وأكدت المحاسنة أن المركز أنتج خريطة الحصاد المائي التي حدد فيها مدى ملاءمة الأراضي المحتملة لتطبيقات الحصاد المائي لزراعة المحاصيل الحقلية والأشجار المثمرة والشجيرات الرعوية وبخاصة المتحملة للجفاف، التي تلعب دوراً مهماً في الحد من سرعة الجريان السطحي للمياه وكبح مخاطر الفيضانات الوميضية التي تتعرض لها القرى والمزارع والشوارع الرئيسة والفرعية في البادية، إضافة إلى المساهمة في تنمية المجتمعات المحلية وتحقيق الأمن الغذائي.

على صعيد الثروة الحيوانية

قال مدير مديرية بحوث الثروة الحيوانية الدكتور سامي العوابدة أن المركز قام بانتخاب سلالات بلدية من أغنام العواسي كان لها دور واضح على المستوى الوطني من خلال مضاعفة إنتاج الحليب ثلاثة أضعاف الإنتاج الطبيعي، إضافة إلى تحسين الكباش وإيجاد الكباش المحسنة وإجراء التلقيح الاصطناعي الأمر الذي سينعكس على نوعية أغنام العواسي كما ونوعاً، وإنشاء قطيع لتحسين الوراثي للابل الذي سيكون حيوان المستقبل من خلال تحمله الظروف المناخية القاسية والجفاف إضافة إلى استهلاكه القليل من الأعلاف، علاوة على القيمة المضافة الحليب، حيث أن المركز الوطني اول مؤسسة وطنية تدخل بسترة حليب الإبل مع الحفاظ على جودته العالية.

وأضاف العوابدة أن المركز دائب على توظيف مخرجات البحث العلمي من خلال إيجاد بدائل لتخفيض فاتورة الأعلاف من خلال إجراء البحوث الزراعية على الشمندر السكري، والتريتكال، والبونيكام، وبعض أصناف الذرة العلفية وسيلجة هذة المنتجات وتحمل هذه الأنواع من الأعلاف لظروف الترب المالحة إضافة إلى الاستفادة من المياه غير التقليدية.

وعلى صعيد الثروة النباتية–المحاصيل أشار الدكتور فضل إسماعيل مدير مديرية بحوث المحاصيل إلى أن المركز قام بالتشجيع على زراعة الحبوب من خلال استنباط أصناف من القمح والشعير ذات إنتاجية ونوعية عالية لها دور بارز على المستوى الوطني بزيادة الإنتاج الزراعي من القمح والشعير الأمر الذي سوف ينعكس إيجاباً على الأمن الغذائي للأردن.

وبين أن المركز بالتعاون مع جامعة الهاشمية قام بالتأسيس لإنشاء بنك البذور الوطني، الذي يهدف إلى جمع الأصول الوراثية للأنواع البرية والسلالات الاقتصادية، وحفظ بعض الأصول الوراثية في المدى القريب والبعيد.

كما وضع الخطط البحثية الخاصة بحفظها باستخدام الطرق العلمية، وتوفير المواد الوراثية والمعلومات اللازمة لبرامج التربية المختلفة، وتبادل المعلومات الخاصة بالمصادر الوراثية مع بنوك الجينات المحلية والأجنبية والمنظمات ذات العلاقة الخاصة بالأصول الوراثية.

وعلى صعيد البستنة النباتية قال رئيس قسم بحوث البستنة في المركز المهندس رائد لطفي أن المركز عمم الزراعات الاستوائية في وادي الأردن ذات الاحتياجات المائية القليلة للتخفيف من الزراعات التقليدية والحد من الاختناقات التسويقية وفتح منافذ تسويقية محلية ودولية مثل المانجا والأفوكادو والجوافة والليجي ونشرها في وادي الأردن من خلال الدورات التدريبية والمحاضرات والأيام الحقلية.

وعلى صعيد الخدمات المخبرية دعا الناطق باسم المركز المهندس رزق البلاونة المزارعين إلى ارتياد مراكز ومحطات المركز المنتشرة في جميع البيئات الزراعية في المحافظات للاستفادة من الخدمات المخبرية وتحاليل المياه والنبات والتربة بأسعار تشجيعية تعادل التكلفة.