مواقف الحسين من القضية الفلسطينية.. الدبلوماسية والخبرة السياسية
10:46 22-8-2021
آخر تعديل :
الأحد
سيطر على مواقف الحسين من القضية الفلسطينية قدر كبير من الدبلوماسية والخبرة السياسية التي حددت اتجاهاته بشكل كبير، ومن النظريات الدبلوماسية التي حكمت مواقف الحسين مبدأ (خذ وطالب) فقد كان الملك مؤمناً بأن من يُصرّ على الحصول على كل شيء قد يخرج في النهاية خالي الوفاض دون الحصول على أي شيء، ولهذا كان ينحاز إلى مقولة (حبال السياسة طويلة)، فلماذا لا نقبل القرار 242 بعد نكسة حزيران حتى تُعيد الجيوش العربية بناء قدراتها العسكرية، ولماذا لا نقبل مبادرة روجرز حتى يلتقط العرب الأنفاس بعد حرب استنزاف طويلة وشريفة، لماذا لا نقبل ما آلت إليه اتفاقية وادي عربة حتى يعود التضامن العربي، وحتى لا يُصبح وحده في الميدان معزولاً مع سوريا (دولة الممانعة) فقد تصالح أصحاب القضية الفلسطينيون وتصالحت مصر زعيمة الأمة العربية.
والتزم الحسين بدبلوماسية (شعرة لا تنقطع) فكان حريصا على ألا تصل الخصومة، إلى نقطة اللاعودة، ولهذا انحاز إلى أن يترك بصيصًا من الضوء يمكن أن يؤدي إلى انفراجة والعودة إلى الطريق السليم، وفي هذا الإطار لم تنقطع صلته بياسر عرفات حتى بعد خروج المنظمة من عمان بعد أحداث أيلول الأسود 1970م، وإصرار المنظمة على أن تكون هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ولم تصل الأمور إلى حد القطيعة عندما فوجئ باتفاق إطاري بين المنظمة وإسرائيل بالرغم من احتضانه الوفد الفلسطيني تحت المظلة الأردنية.
كما حاول ألا يتورط تمامًا وألا يغرق في مستنقع المحاور العربية والمحاور المضادة فهو ينتمي للمعسكر الهاشمي، ما أربك الخبراء فهل هو مع مصر أم ضدها، هل هو مع نوري السعيد أو مع عبد الناصر هل هو مع البعث السوري أم ضده، لقد كان الحسين حريصًا إلى النهاية على المصالح الأردنية مع عدم الإضرار على الإطلاق بمصالح الشعوب العربية.
وكانت (الواقعية السياسية) أحد مُحدِّدات سياسة الحسين فعندما كان الواقع يستلزم التحفظ على تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية خوفًا من أن يؤدي إلى تشرذم الموقف الفلسطيني والمواقف العربية انتظر، ثم عاد حتى لا يُتهم بمحاولة الإضرار بالقضية الفلسطينية ووجد أنها مطلب مُلحّ واعترف بها وقدم لها الدعم بل ووافق على استضافتها في عمان، وبعد أن كان يرفض أن تكون المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني لإدراكه أن بها صقوراً وحمائم مما يؤدي إلى انفراط عقد الحركة الوطنية الفلسطينية، عاد مع بلوغ المنظمة سن الرشد وأصبح لها أدواتها وانصاع إلى الرغبة العربية الفلسطينية، وفي الوقت الذي رفض مُعاقبة العراق بطرده من الجامعة العربية بسبب انضمامه إلى حلف بغداد، وافق على توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع مصر وسوريا لمواجهة هذا الحلف والدفاع عن القضية الفلسطينية.
واستمر الحسين في التمسك بضرورة استمرار الأردن في إدارة الضفة الغربية عندما كان هذا القرار في صالح معظم الأطراف خاصة الفلسطينية، وعندما وجد أن واقع القضية الفلسطينية يستلزم إعطاء أصحاب القضية حرية الحركة قرر فك الارتباط في عام 1988م.
ومن ثوابت الحسين التي لم يحِد عنها أن السياسة هي (فن الممكن) وأن ما تُحققه الدبلوماسية يمكن أن يفوق ما تحققه الحرب، وأن المناورة الدبلوماسية لا تُقارَن على الإطلاق بالمناورة العسكرية التي تُشبه اللعب بالنار والتي يمكن أن تسفر عن خسائر فادحة لا يمكن تعويضها.
وكان الحسين يصر على ضرورة وضع الخصم تحت المنظار وتحت المراقبة، وعدم البعد عنه حتى لا يَصدر منه ما لا يتوقعه.
كما أدرك الملك إمكانيات وقدرات بلاده الاقتصادية واعتمادها في بعض المراحل على المعونة الأجنبية فلم يصطدم بالغرب وإن قرر التخلص من السيطرة البريطانية على الجيش الأردني فعزل (كلوب باشا)، بعد ضمانه عدم تعرض بلاده لأزمة اقتصادية تهز استقرار البلاد.
وفي هذا الإطار حرص على أن تكون علاقته متميزة مع القوى الدولية خاصة الولايات المتحدة التي كان يدرك أنها تملك الكثير من أوراق حسم القضية الفلسطينية، واتخذ من ذلك وسيلة لتقريب وجهات النظر بين المنظمة وواشنطن.
كما كان حريصا على التوازن بين المصلحة المحلية للأردن والمصلحة الإقليمية للمشرق العربي والمصلحة العربية وصالح المجتمع الدولي فلم يخرج عن أُطِر القضية الفلسطينية وضروراتها.
وأدرك الحسين الدور المحوري الذي تلعبه مصر في القضية الفلسطينية، فأكد على الدوام (إننا نعمل وشقيقتنا مصر يدًا بيد، نقبل ما تقبله، ونرفض ما ترفضه).
ولهذا كان المحيط العربي الذي ينتمي إليه الحسين مُحدِدًا هامًا لردود أفعاله إزاء القضية الفلسطينية التي اعتبرها قضية عربية، كما رآها من قبل قضية إسلامية، وظل منها رمانة الميزان في العالم العربي.
ومن هذا المنطلق تعامل الحسين مع القضية الفلسطينية على أنها القضية المركزية للعالم العربي، لأن من يكون في القلب منها يكون مُؤهلا لتصدر المشهد العربي.
ومن هنا كان مخزون الخبرة الهائل والمتراكم لدى الحسين عونًا له في إدارة المواقف الأردنية من قضية القضايا القضية الفلسطينية ويرجع ذلك إلى أسلوب وطريقة تعلمه وإعداده فكان يراهن في الغالب على الجواد الرابح..