محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

رمضان الرواشدة.. عرّاب «النوفوتيلا» الأردنية

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
رجب أبو سرية

(كاتب فلسطيني)


بعد كلٍّ من غالب هلسا الذي يعد عرّاب الراوية الأردنية الحديثة، ومؤنس الرزاز، الذي وضع الرواية الأردنية في مكان لائق على رفوف الأدب العربي، يظهر رمضان الرواشدة، ليمثل مع هذين الروائيَين أضلاع مثلث الرواية الأردنية الحديثة أو المعاصرة، وهو مثلث تشبه إلى حد كبير مثلث الرواية الفلسطينية التي تحققت عبر الثلاثي جبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي وغسان كنفاني.

وإذا كان غالب هلسا قد كتبت روايته مجايلا نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وحنا مينه وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي، متغربا خارج وطنه، حيث جعل من العالم العربي كله وطنا له، فإن مؤنس الرزاز عاش الاغتراب في وطنه، من حيث كان مثقفا نوعيا، لا يمكنه التوافق أو التعايش مع السائد والمألوف من نفاق اجتماعي أو تسطيح سياسي، فتنقل بشخوصه بين مدن الأردن وأحيائه جاعلاً منهم «أحياء في البحر الميت»، ومن هنا كان اغترابهم، بينما كان هلسا قد تنقل بشخوصه بين أحياء القاهرة وغيرها من العواصم العربية، كما لو كانت هائمة على وجوهها.

لكنْ ما يجمع الرواة الرواد أمران: الموهبة الطبيعية، والنشأة الأولى التي يسميها جبرا «البئر الأولى»، وبالطبع كان هلسا يتمتع بموهبة استثنائية، كما كان الرزاز يتمتع بموهبة السرد وبمعرفة ثقافية واسعة. أما رمضان الرواشدة، فقد التصق بالبيئة الأردنية ولم يغادرها ولم يغترب عنها ولا فيها، إذ نشأ في صحراء الجنوب، حيث عبق التاريخ الذي خطه العرب الأنباط بحضارتهم العريقة، خاصة في مجالي البناء والتغلب على شظف العيش بالحفر في الصخر، كذلك بما أتقنوه من كرم ضيافة القوافل في رحلتي الشتاء والصيف.

والأهم هو ما ظهر في مملكة الأنباط من موروث روحي، حيث ظهر الكثير من الأنبياء ورسل السماء في محيطهم أو حتى بين جنباتهم، لكن الصحراء منحت رمضان الرواشدة المخيلة الخصبة والخيال الجامح، إلى درجة أن يجعل من شخوص رواياته أقرب إلى كائنات من ضوء أو نار، وهنا يشكل على القارئ أو الناق، أن يجزم بأن الشخوص واقعية، لكن حنكة الراوي جعلت منها فراشات تحلّق في سماء النص، أو أنها متخيلة، لكن مهارة القص أضفت عليها واقعية، حتى إن القارئ سيبحث بين جيرانه ومعارفه، ليعرف من منهم فلان أو علّان في الرواية!

أن تقرأ نصوص الرواشدة بأدوات النقد التقليدي، وعلى أنها روايات كلاسيكية، فإن ذلك لن يصل بك إلى نتيجة منصفة، فالنصوص الثلاثة التي قرأتها له (وهي من أصل أربعة نصوص روائية، إضافة لمجموعتين قصصيتين، هي حصيلة إبداعه السردي على مدار ثلاثة عقود) يمكن تصنيفها أولا على أنها «نوفوتيلا» كما اعتاد متابعو الأدب السردي في مصر وصف الروايات القصيرة، والتي تذكّر بما كنا نقرأه ونحن صغار من روايات أجاثا كريستي وأرسين لوبين وألفرد هيتشكوك. مع الإشارة إلى أن النوفوتيلا ليس بالضرورة أن تعالج موضوعات الإثارة البوليسية والجرائم وما إلى ذلك، لكن المراد تقريب الصورة من حيث حجم النص.

نصوص الرواشدة الثلاثة (الحمراوي، والنهر لن يفصلني عنك، وجنوبيّ)، كلٌّ منها لا يتجاوز عدد كلماته 15 ألف كلمة، ورغم أن الحجم مثّل قاسما مشتركا بين النصوص، إلا أن تقنيات السرد تنوعت بين نص وآخر. فقد جاءت «جنوبيّ» على شكل السيرة الذاتية، بهدف إجراء مراجعة شخصية لرحلة العمر بأسره، وهي مراجعة لرحلة جيل حمل أحلامه في الحرية والديمقراطية والوحدة العربية بين جوانحه، لكنها انكسرت على أبواب سلطات غير ديمقراطية. أما «النهر لن يفصلني عنك» فجاءت كمونولوج شاعري رافق رحلة تم سردها كما لو كانت بين الحلم والواقع للقدس وحواريها وأماكنها المقدسة، في ظل الاحتلال الذي يسعى لمصادرة الذاكرة، بينما جاءت «حمراوي» نصا سرديا يتم خلاله تفاعل بين ما هو واقعي وما هو أسطوري، المتخيل والواقعي، الوهم والحقيقة، في تجاوز للزمن والأجيال، وكأن خط السرد سار على طريق ميتافيزيقية، والراوي فيها أشبه بحكواتي، يذكّر بمن كانوا يتجولون في القرى يتغنون بالملاحم والأساطير القديمة، كأول جرعة وعي ثقافي تلقّتها الأجيال العربية قبل مئة سنة حين كان معظم الناس أميين لا يقرأون ولا يكتبون.

لكل نصّ إذن مقولته وتقنياته وعالمه، ولا يمكن القول إن النصوص الثلاثة تمثل فصولا لرواية واحدة للكاتب، الذي وضع حدّا بنفسه لموهبة روائية فذة ظهرت مبكرا في «الحمراوي»، ليس لأنّ النص حاز جائزة نجيب محفوظ، بل لأن الرواشدة أظهر قدرة سردية فانتازية، صدمت المألوف السردي قبل ثلاثة عقود، بذلك التجاوز للزمن والتداخل بين ما هو متخيل وواقعي، وذلك حين انغمس في الوظيفة العامة كإعلامي، وليس فقط لأنه تم استيعابه-كما قال بشكل صريح وجريء وشجاع في «جنوبيّ"- من قِبل السلطة السياسية، وهو المعارض النقي الطيب، الذي لم يعد بسبب ذلك الاستيعاب المثقفَ العضوي الذي كان يمكن أن يكونه.

حصيلة الرواشدة الأدبية ستة كتب خلال ثلاثين سنة، لكن من قال إن أهمية المبدع تكمن في كثرة كتبه، فالطيب صالح مثلا، لم يكتب أكثر مما كتب رواشدة، وبقي على مدار عقود واحدا من أهم الروائيين العرب، كذلك الحال بالنسبة إلى إميل حبيبي. ثم من قال إن الأدب يجب ألّا يتقاطع مع السياسة، فأهم الأدباء العرب كانوا مناضلين، ضد الاستعمار والاحتلال الخارجي والاستبداد، وبعضهم كان يحتل مواقع قيادية في أحزاب سياسية. لكن هناك فرق لخّصه الرواشدة في حديثه عن المثقف العضوي الذي كان يجب أن يكونه.. فرق بين مَن يمارس سياسة سلطوية معادية لجوهر الإبداع الإنساني، ومَن يمارس معارضتها في محاولة لبناء مجتمع أكثر عدالة ومساواة.

بالعودة إلى نصوص الرواشدة الروائية، يلاحَظ أنه رسم لوحة فنتازية في «الحمراوي»، تعددت فيها الحكايا متجاوزة المكان والزمان، وقد استخدم في ذلك تقنية الحكواتي، الذي يسرد الحكايا دون أن يهتم بتشييد البناء الروائي التقليدي، إذ بقيت الشخصيات أسيرة سردية الراوي، الذي كان هو الشخصية الوحيدة التي تتطور عبر الأحداث التي تتعرض لها، والتي تتنقل بشكل واقعي، ولكن بصورة ضبابية من مكان لآخر، وهو ما اتضح لاحقا في «جنوبيّ»، خاصة حين تحدث الراوي عن إصابته بشظية في جنوب لبنان، ففي «الحمراوي» ظهر الحدث كما لو كان متخيلا أو أنه إسقاط أو تداخل بين ما يحدث لعدد من الشخصيات عبر التقمص أو تناسخ الأرواح، لكن الحدث جاء صريحا وواضحا في «جنوبيّ»، حين غادر الفتى «جنوبي بن سمعان» الأردن إلى سوريا ومنها إلى لبنان ليدافع عن بيروت عام 1982، وكان في الثامنة عشرة عام الثانوية العامة، وهكذا خلا السرد في «جنوبيّ» من فانتازيا السرد التي كانت في «الحمراوي».

أما في «النهر لن يفصلني عنك»، فقد اندلق النص دفعة واحدة، وكأن الكاتب كان على عجلة من أمره، أو أنه كان مشغولا بأمر ما، أو أنه ليس لديه الوقت ليكتب بتأنّ وباسترخاء، كان مشدودا طول الوقت، وبالمناسبة فإن لغة الرواشدة في نصوصه الثلاثة لغة اقتصادية جدا، تخلو من الإنشاء الزائد أو اللغو أو الثرثرة، لذا كانت النصوص قصيرة، كما أنها قدمت شخصيات قليلة، لأن النصوص دارت حول الراوي، في سرد ذاتي، هو سرد السيرة الروائية، رغم أن «جنوبيّ» تحديدا كان يمكن أن ترسم لوحة اجتماعية لمجتمع متعدد يسكنه الجنوبيون من معان والكرك والشوبك والطفيلة، ومن الشمال الأردني والفلسطينيين اللاجئين والنوَر، كما فعل جمال ناجي في «مخلفات الزوابع الأخيرة»، وكان اختار المكان نفسه، لكن في حقبة أبكر (خمسينيات القرن الماضي، وليس سبعينياته كما فعل الرواشدة)، لكن الرواشدة لم يذهب بهذا المنحى لأنه كان يهدف إلى أن يعود هو الجنوبيّ الذي كانه قبل ثلاثين سنة.

في «جنوبيّ» كانت السيرة الذاتية واضحة تماما بمرافقة الكاتب منذ أن انتقل بأسرته من إربد إلى معان، إلى عمان، ثم للدراسة في جامعة اليرموك، ثم عمله في الصحافة، حيث تعرض لأسماء وأحداث واقعية ومعروفة تماما، وكان جريئا وشجاعا في الحديث عن نفسه خاصة في الصفحات الأخيرة التي شهدت مراجعة لكل هذه الرحلة، التي شهدت تضحية الرواشدة بموهبته الأدبية لصالح عمله الوظيفي، كذلك بمواقفه كمعارض، مقابل ما وصفه بـ"استيعاب السلطة السياسية» له مقابل امتياز وظيفي (منصب مدير عام)، وهو الأمر الذي لم يقتصر عليه وحده، بل شمل كل المثقفين اليساريين، إذ لم يعد في الأردن مثقف عضوي واحد، على حد تعبيره.

بقي أن نشير إلى أن نصوص الرواشدة احتوت تضمينات نصية عديدة، تكشف عن ثقافة واسعة وقراءات متنوعة للكاتب، وتعمّق المعنى الذي يذهب إليه السرد، فالنصوص الصوفية جاءت لتعبّر عن حالة العشق الصريحة كما جاء في ما كتبه لسلمى، أو ما اجتاح الراوي من مشاعر وهو في البلاد المقدسة، وما إلى ذلك، لكن تبقى التضمينات التي تعود للشاعر المصري أمل دنقل، هي الأكثر، ويبدو أنها كانت الأقرب لقلب الرواشدة وقلمه، مع الإشارة إلى أن أمل دنقل كان يلقّب بـ"الجنوبي» أيضا، إشارة لمسقط رأسه في الصعيد المصري.

ورغم أن «جنوبيّ» على نحو خاص جاءت سيرة روائية صريحة أكثر من نصَّي الرواشدة السابقين، إلا أن الكاتب أبدع في ما استخدمه من تعدد في مستويات السرد، فكانت الليالي السبع أشبه بسرديات شهرزاد، إضافة لدلالة الرقم 7 حيث استراح الرب، ولم يسترح الإنسان، كما كان عدد درجات البئر الذي اختبأ فيه عز الدين أبو حمرا (364، عدد أيام السنة) موحيا، وكذلك فعل حين عنون فصول «جنوبيّ» بمقتطفات من حياة «جنوبي بن سمعان»، وتحولات الفتى الجنوبي، حيث لم يحاول أن ينفي أن السردية هنا ما هي إلا يوميات سيرة ذاتية، وهنا نشير إلى أن اسم البطل في «النهر لن يفصلني عنك» هو «يوسف بن سمعان»، وهنا صار «جنوبي بن سمعان»، وسمعان هو تحوير لاسم والد رمضان؛ إسماعيل الرواشدة.

وأخيراً، فإن نصوص الرواشدة روايات واقعية، لكنها ليست تسجيلية، رغم القدر الكبير من الحقائق التي تتعلق بالأمكنة والشخصيات العامة التي ذكرتها النصوص، والأحداث التي ما زالت عالقة بالذاكرة.
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress