أيها الميمم وجهك غربا، شطر مقام شعيب، بلّغه التحية والسلام..
امش، هناك، على نية الخشوع، فالقداسة هالة ترافق روحك، والنقاء نور يغلل جسدك، ما إن تطأ قدمك الدرب المؤدي إلى وادي شعيب.
تابع السعي إلى حضرة المقام، واستعد بحضورك سيرة الذين كانوا يشدون الرحال من أقاصي البلاد، مصطحبين أهلهم، و«زينة حياتهم»، وما ملكت أيمانهم، ليعتبروا بدلالات بركات هذا المكان، ويتقدسوا بالقرب من مقام «النبي شعيب» الذي وهب الوادي الممتد من السلط إلى الشونة الجنوبية اسمه؛ «وادي شعيب».
السلط غرباً..
والدرب تحفّه الأشجار يمينا ويسارا، كأنها فصيل استقبال لكل قادم إلى المكان الذي يتكئ في مبتدئه على «عين حزير» إحدى منابع الماء التي تصب في وادي شعيب، ومع الماء «تسيح» الذاكرة، وتتفتق معها حكايات وطقوس، أولها «نذور» إلى مقام شعيب، ثم تمتد عمقا، ولا تتوقف عند الذين ينتظرون أدوارهم قرب الطواحين التي يسردون عندها قصص أيامهم، ليقتلوا أفعوان الوقت، مسترجعين حكمة الصالحين، ومستعيدين معها ذاكرة الحرب والماء، وما تيسر من تفاصيل أيام «العصملي» في وادي شعيب الذي ورد ذكره عند ياقوت الحموي في معجم البلدان «بلفظ اسم شعيب النبي عليه السلام، وهو تصغير شعب الجبل، اسم موضع جاء في الأخبار». أما عند ابن كثير فإنه يذكر شعيباً على أنه كلمة أصلها سريانية هي «يثرون»، وأن اسم النبي كان «يثرون» ويعود في نسبه إلى مدين(مديان) بن إبراهيم الخليل.
وتذكر مخطوطات التاريخ، أثناء مرورها بعلاقة النبي شعيب مع هذا الوادي، في أنه كان كثير القرب من هذه المنطقة، وكان محباً لعسلها البري، وجرادها الربيعي، إذ أنه كان ينفرد بنفسه ويناجي ربه لهداية قومه فيها.
كما أن الكتب تشير إلى انه يوجد للنبي شعيب مقامات أخرى غير هذا، خاصة في فلسطين، ويذكر مصطفى الدباغ في كتابه «بلادنا فلسطين» أن لشعيب عدة مقامات أخرى في فلسطين، وأهمها في (صديم)، المعروفة بـ«حطين»، كما أنه يقال إن النبي شعيب توفي ودفن في قرية (خيارة) بالقرب من حطين، بجانب قبر ابنته زوجة النبي موسى عليه السلام.
ويتحدث «الرائد كوندر» في كتابه «أعمال المساحة في شرق الأردن» الذي ترجمه «د. احمد عويدي العبادي» في أثناء كتابته عن تل نمرين في غور الأردن، حيث يقول «وتستحم أقدام التل من الشمال بمياه هذا النبع، وتحف جنباته نباتات القصيب والحلفاء، إنه يتدفق كالنهر، وحتى في وقت الخريف، في وادي شعيب العميق، حيث يختبئ مجراه بالقصيب.. ويتغذى هذا السيل من روافد تأتيه من الجبال في الركن الشمالي من منطقة المساحة، حيث تنبع المياه من عين الجادور في السلط».
أما الرحالة «بيركهارت» فيذكر وادي شعيب في أثناء مغادرته السلط إلى الفحيص: «غادرت السلط لزيارة خربة السوق التي تقع إلى الجنوب من مدينة السلط فوجدت الموقع عبارة عن أكوام من الحجارة وبعض أساسات المباني الكبيرة، وبجوار الخربة نبع ماء يسمى (عين حزير) وبقربها عدة طواحين تديرها المياه المتدفقة من هذا النبع وتصب في وادي شعيب الذي يصب بدوره في نهر الأردن بالقرب من مدينة(نمرين) الأثرية».
«حوطة المقام».. طقوس الزيارة
مهابة تجلل المقام..
للأخضر سحر الغيب حين يخبئ وراءه قبرا عمره آلاف السنين، ويحمل سر الذي حاول أن يهدي «أصحاب الأيكة»، ويوصف بأنه «خطيب الأنبياء»، «شعيب» الذي يتبارك الوادي بحمل اسمه، ويتقدس المقام بحضوره مزارا للخلق منذ أمد بعيد.
الذي جاور «مقام شعيب»، وعمل فيه أكثر من خمسين سنة، بعد أن جاءه وكان مريضا في عام 1951م، هو الحاج «جابر سالم المعايطة»، الذي كان خادما للمقام، ويحمل في ذاكرته سجلا حافلا عن المقام وطقوسه، وقد كنت التقيته قبل أكثر من عشر سنوات، آنذاك وعند بدء الحديث عن علاقته بمقام النبي شعيب، قال إن المكان هنا كان عبارة عن الضريح وحُوطة حوله، هي «حوطة الملك شعيب».
تحدث عن التفاصيل قائلا: «كان الناس تيجي، ويحيّوا شعيب، ويزوروه، ويْزَوْروا الغنم، ويذبحوا عنده، ويلفّوا على الحوطة، ويطخوا بارود، وياخذوا من عنده خلع (قطعة قماش اخضر) ويحطوه بالعقال، أو يربطوه على رؤوس أولادهم، وكان بعض الناس يجوا يحلفوا عند الحوطة، ويحطوا عنده قمح ولبن وجميد.. هذا شعيب له جاه عند الله».
وعن بدايات ذاكرته قرب شعيب باح «الحاج جابر» بالتفاصيل، مصرحا بأنه جاء إلى هذا المكان في عام 1951م، من وادي الكرك، زاره وكان مريضا، و«قعد عنده 15 سنة عيّان (مريض)»، تحدث عن تلك المرحلة قائلا: «أنا قلت إن طبت(شفيت) والله غير أعمّر قبر شعيب، وما كان مبني عنده إشي. كان في «سِدره» كنت في الصيف ارتاح عندها بالنهار وفي الليل أطلع على تله قريبه، وإذا في شتا أروح على أي مكان قريب وبعدين أرجع عند شعيب.. ظليت قاعد عنده أتعالج 15 سنه، ولما الله شافاني، بديت اعمره لوجه الله حتى أوفي نذري اللي نذرته، بنيت، وسقفت لوحدي جامعين وبير ميه ومسكن أربع غرف، الجامع الأول طوله 12 متر وعرضه 12 متر، والجامع الثاني مساحته 180 متر.. وبعدين في عام 1993م جدد المقام الملك حسين.. لكن الآن أنا رفعت ايدي عنه بعد ما جرفوا كل اشي في السنوات الأخيرة.. يا الله أنا عمري الآن سبعه وثمانين سنه، وما ظل من العمر اشي، بس يعني هذي خمسين سنه وأنا اعمل فيه واجوا جرفوه مره واحده.».
وحتى تكتمل بعض ذاكرة المقام، وبعض صورته في الأيام الماضية، قال «الحاج حامد طاهر الشنيكات»، أحد كبار قرية وادي شعيب، وكنت التقيته في ذات الوقت الذي التقيت فيه «الحاج جابر»، قال بأنه كان هناك مقابل المقام يوجد «عراق المُوَذّن»، وكانوا قديما يؤذنوا للمقام من فوق هذا العراق، ولهذا أعطي هذا الاسم. كما أنه كانت النساء في تلك الفترة عند قدومهن إلى شعيب يقمن بالدعاء، وبالغناء، ويتذكر مقطعا كنّ يغنينه:
«الروض الأخضر واعطف النوار
سيدي يا شعيب واقبل الزوار»
كما أنه كان عند المقام توجد مقبرة، تشبه تلك المقبرة التي في قرية ياجوز في عمان، غير أن الجيش كان يعسكر في هذا المكان ولذلك تم تجريفها عندما سكن في هذه المنطقة، «وظل فيها الجيش أكثر من ثلاثين سنة»، ويتذكر «الحاج حامد» من قادة اللواء الذي عسكر في هذه المنطقة كل من «كساب صفوق»، و«عطا الله الحوراني»، و«لافي حريثان»، و«محمد الصمادي».
«مِجَرْ الحصان»
الماء، والطواحين، والخضرة، وقداسة المقام..
تلك هي أركان وادي شعيب التي يقول الحاج «حامد طاهر الشنيكات»، أن رأس وادي شعيب من «عين البقورية»، إحدى أهم العيون التي ترفد الوادي، وتنسب هذه العين إلى عشيرة البقور إحدى العشائر التي تسكن وادي شعيب، ويتابع حديثه عنها لاظما إياها مع قصة قسمة الأرض القديمة، التي ترتبط بقريتي عيرا ويرقا، والتي تعود إلى أيام «الأمير المهداوي» كما يتذكره أهل القرية قائلين عنه بأنه «أمير وأجا هالبلاد، واستولى عليها، وخَيّم عندنا، وفي يوم شاف بنت من عيرا، وقال وِدّي آخذها، ولما طلبها من أبوها قال له: أنا معطيك بدالها «عيرا». بس الزلمه عزّت عليه بنته، فقال لواحد من حَمولة ثانيه، وكان اسمه «أبو محيسن»، فرد عليه هذا انه عنده بنت ثانيه، ورح يبدلها بدل بنته، وصار الفَرَح، ويوم دَخَل المهداوي لقي قدامه بنت «أبو محيسن»، فقال لها: «انت مش البنت اللي اخترتها». فجاوبتوا بقولها: «أنا بنت
«أبو محيسن»، مِلو عينك والفضله». فلما سمع كلامها قال لأهله «الهزيمة»، ولزم ركوبته، وشمّل على سوريا، فلحقوه البقور على الغور وقالو له انت ما أعطيتنا، فقال: الكم عيرا الصغيرة ومِجَر الحصان (وادي شعيب)».
ويضيف أهل القرية أنه منذ قديم الزمان ووادي شعيب أهلها هم من قريتي عيرا ويرقا، وأن ملكهم في الوادي مشترك، وأنه منذ تلك الأزمنة كان «ما في مية(ماء) نبع إلا في وادي شعيب، وكانوا من عيرا ويرقا يجوا ويشربوا ويْوَرْدوا حلالهم لهذي المَيّه، وكان الوادي فيه خير كثير بس أقدم شي كان التين والرمان».
طواحين وادي شعيب
يذكر الدكتور «محمد سالم الطراونة» في كتابه «تاريخ البلقاء ومعان والكرك» أنه في الفترة الممتدة من عام 1864م إلى عام 1918م كان يوجد في وادي شعيب تسع طواحين هي «طاحونة أم رمانة، وطاحونة البقورية، وطاحونة الثوم، وطاحونة الجادور، وطاحونة الزقيلية، وطاحونة الصلاحية البرانية، وطاحونة الصلاحية الجوانية، وطاحونة العلوية، وطاحونة الغازية الجوانية».
كما يشير الدكتور محمد عدنان البخيت في بحثه حول «المرافق العامة في منطقة شرق الأردن» بالعودة إلى «سجل أراضي السلط(دائمي)» في القرن التاسع عشر، إلى أسماء مالكي بعض الطواحين في وادي شعيب حيث يذكر منهم «خليل الفار»، و«أولاد مصطفى الداوود».
ولادة «طويحين»
لكن «الحاج حامد» لا يتذكر إلا ثلاثة طواحين عرفها في النصف الثاني من القرن الماضي، وهي طاحونة الغازية، وطاحونة الدويكية، وطاحونة الزقيليه، وكانت طواحين حجر تدار على ماء السيل، وهو حين بدأ بوحه في هذا الاتجاه عرّج على بعض ذاكرة الطواحين في تلك الفترة، قائلا: «أنا جدي اسمو طويحين».
من هذه الجملة بدأ سرده للذاكرة المختزنة في القرية عن الطحانين وأحاديثهم، حيث أكمل بوحه موضحا أنه سمع ممن سبقوه، أنهم كانوا عندما يريدون أن يطحنوا حبوبا، ينتظرون فترة طويلة أمام الطاحونة، وكان الانتظار يمتد أياما وقد يتجاوز إلى أسابيع، حتى أن النساء، كانت كل واحدة منهن تمد «النُول» الخاص بها، عند الطاحونة، ويبدأن يشتغلن نسيجهن هناك، في انتظار دورهن.
يكمل حديثه: «وكانت أم جدي طويحين، حاملة به في شهرها التاسع، وكانت قد مدت نولها، وتنتظر دورها أمام الطاحونة حين أتاها «الطَلق» هناك، وخلفت جدي عند الطاحونة، ولهذا سموه طويحين».
ويضيف الحاج «حامد» بأن جده طويحين كان من مواليد عام 1870م، «توفي بعد ما صابو مرض، وبعثوه على «هداسا» في القدس عشان يتعالج، بس الله اخذ وداعته ومات بسنة السته وأربعين(1946م)».
مواليد «كُون الشيشان»
وتعرّج ذاكرة أهل القرية إلى مواليد سنة 1900م، التي كانت بالنسبة لهم مرتبطة بنزاعات قديمة كانت بينهم وبين الشيشان في أماكن أخرى، لكنها في سنة 1900م وصلت إلى درجة من القوة حتى أن مواليد تلك السنة كانوا يؤرخ ميلادهم بأنهم جاءوا في سنة «كُون الشيشان».
في تلك السنة يقول «الحاج حامد»: حدثت الهُوشة في صويلح، وقتها تزاعل بعض أهل عباد ومعهم عشاير ثانيه مع الشيشان، وانذبح منهم حوالي 17 واحد، ومنا خمس أنفار، وكان أول واحد وقع هو من البقور واسمه «هزاع الكايد البقور»، بس عاد ما مات، والقصه تفصيلها انو كان رايح هو ومعه جماعه يْحِشّوا للخيل، عند عين صويلح، وطَخ الشيشان عليهم، وتهاوشوا وصار اللي صار، وبعدين فزعت الدولة بين الفريقين، بس في هذيك السنة انولد أبوي، ومحطوط هذا التاريخ على قبور اللي ماتو في هذيك السنه 1900م، وصاروا يسموا اللي نولدوا بهذيك السنه مواليد «كون الشيشان».
«أم عاوية»
لكل مكان في وادي شعيب دلالة ومرجع، وأهل القرية يكررون في كلامهم دائما أنه «ما في جيش الا سكن وادي شعيب»، وهي في مقامها على طريق الحج والتجارة كانت، وعنها يردد أهل القرية بأن هناك منطقة ما زالت في وادي شعيب، اسمها أم عاوية، تذكر على انها في الزمن الماضي، كان أصل تسميتها معاوية، وكانت هي احدى مزارع الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان، ويدللون من هذا أن وادي شعيب كان مثل منتجع للملوك، ومكان خلوة وصفاء روح للأنباء.
«جُورة المدفع»
الجسر.. صار جزءا من ذاكرة وادي شعيب، لأن كل من يتجه إلى الأغوار عبر الوادي يرى ذلك الجسر الخشبي، وبجانبه أشجار عالية، تقول ذاكرتها أنه قد تم بناؤه على أيدي الجيش العراقي في عام 1948م حتى يستطيع استغلال الجهة الأخرى من الوادي، كما أنه الذاكرة الأقدم لوادي شعيب يتحدث الكبار عن منطقة فيه تسمى «جورة المدفع»، كان الجيش التركي قد نصب فيها، على ثرى وادي شعيب مدفعا نمساويا يضرب منه على منطقة القدس، وقد نقله الجيش الأردني الى المتحف العسكري.
وعند فتح الكلام عن الأتراك وحضورهم في تلك الآونة يتذكر أهل القرية أيضا «قبر نوري بيك» القائد التركي الذي دفن في منطقة مرتفعة مطلة على وادي شعيب، كما أنهم يتحدثون عن «مناطق استخاره» (وهي تحريف لكلمة تركية تعني المستشفى)، تشبه المستشفيات الميدانية كانت للجيش التركي، وكانت متواجدة في وادي شعيب، وقد قصفها الجيش الانجليزي أثناء الحرب.