كتاب

تجربتي مع الشهيد وصفي التل

كان ذلك في أوائل ستينيات القرن الماضي حين تم عزلي من العمل في وزارة التربية والتعليم، بتهمة الانتماء الى حزب سياسي محظور آنذاك. أظلمت الدنيا في وجهي. علم بحالتي أحد نواب مدينتي بيت لحم المحتلة، وعدني أن يصحبني معه إلى العاصمة عمان يوم الثلاثاء لمقابلة رئيس الوزراء آنذاك وصفي التل -رحمه الله- حيث كان قد حدد هذا اليوم من كل أسبوع للنظر في قضايا المواطنين الشخصية.

في مكتبه تم اللقاء، طلب إليّ ان اشرح له لُبانتي، ففعلت. الحق أقول، كنت منفعلاً في حديثي، أتكلم بعصبية لدرجة طلب إليّ النائب أن أخفض صوتي، لكن وصفي التل- رحمه الله- قال له: دعه يتكلم كما يشاء. لم يضق ذرعاً بكلامي، رحب الصدر كان. بعد أن أنهيت كلامي سألني: هل كنت حزبياً حقاً؟ أجبته: نعم كنت ثم تركت. رفع سماعة التلفون واتصل بالمرحوم الشيخ إبراهيم القطان الذي كان آنذاك وزيراً للتربية والتعليم، وسأله: ما قصة المعلم «فلان»، أجابه على الفور: المخابرات تقول أنه مُنتم إلى حزب محظور. وهنا رد عليه: أريده أن يعود إلى ع?له وأن يُصرف راتبه بسرعة. لم اصدق ما سمعت، التفت إليّ رحمه الله وقال: بعد غدٍ تذهب إلى البنك الذي يُصرف لك منه راتبك لتستلمه. شكرته بحرارة وغادرت برفقة النائب. وفي اليوم المحدد ذهبت ألى البنك ووجدت الراتب مودعاً فيه.

رحم الله الشهيد وصفي التل، عملة نادرة كان. يقضي احتياجات المواطنين إذا اقتنع بها. لا تشتم منه بيروقراطية أو استعلاء.

وصفي التل كان بحق سحابة لمن خانه يوماً مطرُ.

يروي عنه المرحوم جمعة حماد انه استدعاه ذات مرة بخصوص قضية تخص جريدة الرأي التي كان مديراً عاماً لها، حدّثه بانفعال إلى حد جعل الرجل يوقن أن الجريدة على وشك أن تُغلق! لكنه عند المساء اتصل به الشهيد وصفي التل ليقول له: أنتم كنتم على صواب. والمعنى أنه اعترف بالتسرع في الحكم، ثم تراجع عن موقفه.

رحم الله وصفي التل.