خمسون كيلو مترا قبل الوصول إلى العقبة..
هناك.. يا من تعشق تفاصيل الجغرافيا، وتفتنك تداعيات التاريخ، قف، وانظر يسارا سترى قرية، وسترى شرق القرية هضبة، وسيُرجع بك الزمن عجلته أكثر من مائة عام، فتقف عند عام 1917م، حيث كانت الجيوش تتزاحم هنا، وهتافات الثوار تتعالى، وبيرق الثورة العربية الكبرى يخفق فوق هضبة «القويرة»..
تلك «التلة/الهضبة/الجبل» كانت هي السارية التي التف حولها العرب إيذانا ببشائر تحقق حلمهم، فتم تأريخها في الذاكرة، وفي بطون الكتب، كسطر مشرق في سفر النهضة العربية، ومنها استمرت الجيوش في مساراتها حتى تحقق النصر..
جنوبا.. هي «القويرة»، القرية حافظة عهد الأنباط، وجارة الطريق الروماني، وحاملة العلم العربي، حيث يكون أمام بوابتها للصمت مهابة تهجئة حكايات السلف الأول، واستذكار بطولاته..
المعنى والجغرافيا
في البدء كان الحرف..
وسيكون تقديم تحليل اسم القويرة سابقاً على تحديد موقعها، لأنها لا تدخل من يرغب القرب منها إلى حقيقة سرها بسلاسة ويسر، فهي تحب من يحبها، ويتعب في حبه لها، وتكشف تفاصيلها إلى من يسعى إليها، ويجِدّ في بحثه عنها، وعن اسمها، قبل أن يتجشم رحلة التنقل في جغرافيتها، لأن بعض مفاتيح أمكنتها هي معاني اسمها المأخوذ من قارة التي تعني الجبل الصغير المنقطع عن الجبال، وفي وصف آخر هي الجبل الصغير الأسود المنفرد، وترد تلك المعاني في لسان العرب على أنها أيضا الحَرّة وهي أرض ذات حجارة سوداء، وجمعها قارات، وقور، وقيران وقار، والقارة هي الأصاغر من الجبال والأعاظم من الآكام، والقور هو التراب المجتمع، وتأتي من قوره بمعنى قطع من وسطه خرقا مستديرا.
وقرية القويرة أخذت اسمها نسبة إلى جبل القويرة «هضبة القويرة» تلك الهضبة المنفردة، الوحيدة، الصغيرة بالنسبة إلى الجبال الأخرى، وهي رملية التربة، ومن يدقق في موقعها يراها مثل دائرة مقطوعة وسط تلك الجبال التي تحيط بها.
مدخل اللغة يفتح البوابة للبدء برصد أربعة أودية تحاذي القرية وتنتهي في وادي اليتم وهي «وادي الغريض، ووادي القلخة، ووادي صور، ووادي الثلاجة». أما الجبال التي يراها المقيم في القويرة فهي بعض من تشكيل القرية، وكأنها تشكل حرسا على مسافات متفاوتة حولها وتلك الجبال هي «جبل الأشهب، وجبل أبو نصيله، وجبل الصنيع، وجبل الردية، وجبل صور الذي توجد على قمته آثار قديمة، وجبل أبو صقعه، وجبل القويرة الكبير، وجبل القويرة الصغير، وتل اقمير، وجبل النخروق، وجبل المعيصي، وجبل المحيمي».
طريق تراجان.. و«ممشى الحجيج»
في ذاكرة القرية، ومن جاء فيها بعد السلف الصالح، ترتسم أهمية القويرة في أنها منذ القدم تستضيف على أرضها قوافل التجارة، والحج، والجيوش عبر كل العصور، والمتتبع لتاريخها يعيدها إلى الأنباط في البدء حيث كانت على طريق تجارتهم، وفيها جزء من قوتهم وجندهم حيث بنوا فيه قلعة نبطية في شرق القرية، كما أن الرومان اعتبروا القويرة إحدى محطات الطريق الروماني المعروف بطريق تراجان، وفي العهود الإسلامية وحتى نهايات العهد العثماني كانت على طريق الحج ويستريح فيها محمل الحجاج.
مركز جيوش الثورة
في ذاكرة الوطن ترتبط القويره ارتباطا جذريا بالثورة العربية الكبرى..
وعودا إلى ترتيب ما حدث في بداية القرن الماضي، كما كتب سليمان الموسى ومصطفى طلاس، فقد كانت الطريق بين العقبة، ومعان، ووادي السرحان هي الطريق الذي لا بد لجيش الثورة من المرور به، وكانت قبيلة الحويطات من أكبر القبائل في جنوب الأردن وهي المسيطرة على هذه الطريق، فاجتمع الشيخ عوده أبو تايه مع الأمير فيصل بن الحسين وانضمت القبيلة إلى الثورة.
ولذلك فإن التاريخ الخاص بالقويرة في ملف الثورة العربية الكبرى يشير إلى أنه بعد معركة أبو اللسن، في الأول من تموز عام 1917م، توجهت الحملة المؤلفة من الشريف ناصر ورجاله والشيخ عودة ورجاله والشيخ حسن بن نجاد ورجاله نحو القويره واستسلمت حامية القويرة التركية المؤلفة من 120 جنديا في 4 تموز 1917م.
وهذا الدخول أعطى للقويرة أهمية، وخصوصية، في أنها أصبحت مركزا للجيوش العربية في البدايات الأولى لمسارات التحرير في هذه المنطقة، ومنها تم احتلال العقبة، ومعان والمدورة، كما أنه منها تحركت الحملة إلى كثاره.
ويسجل التاريخ بأنه بعد استيلاء قوات الثورة على العقبة أقام الشيخ عوده أبو تايه في مخفر القويرة وقام بإرسال رجاله من هناك إلى البتراء، ووادي موسى، ودلاغه بهدف تشكيل مخافر أمامية حتى يحولوا بين الأتراك وإعادة احتلال المواقع المشرفة على العقبة التي سقطت بأيدي الثورة.
كما انه بعد أن تم تنظيم تلك القوات الثائرة في قوات نظامية في العقبة وكان قوامها الوافدون إلى العقبة من مناطق مختلفة ومعهم ضباط وأفراد كانوا في صفوف الجيش التركي، حيث تم تدريبهم وبعد ذلك أعيد توزيعهم في مجموعات للمرابطة في مواقع متقدمة كوادي موسى ودلاغه، وبناءا على هذا الانتشار الجديد فقد صارت القويرة مركزا لفرقة المشاة الأولى بقيادة رشيد المدفعي.
لورنس..مهندس متفجرات «وبس»
يتحدث أهل القرية عن ذاكرتهم في القويرة، وعلاقتهم بالثورة..
ويسترسلون في وصف ما سمعوه من الأجداد والآباء عنها مرة بفخر، ومرة بمرارة لأن مهندس متفجرات بريطاني حاول أن يجيّر كل تلك الحركة الشعبية العربية لمصلحته الخاصة، ولشهرته، وهنا المقصود هو صاحب «أعمدة الحكمة السبعة» «الكولونيل لورنس».
يعبر عن هذه التداعيات كبار القرية ببوحهم عن جزء من تلك الذاكرة قائلين إن «مركز الثورة كان بجانب هضبة القويره، في شرق القرية، وانطلقت على شقين: شق امتد إلى العقبة وكان أول شهيد عربي هناك هو من أهالي القويره وهو علي سالم الروابضه، أما الشق الثاني من الجيوش فاتجه إلى المدورة مع «لورنس» وكان هذا مهندس ألغام «فقط» ووظيفته أن يساعد على تفجير خط سكة الحديد وهو جزء من الخط الواصل من استنبول إلى الحجاز، بينما يقوم الثوار العرب بعملية التفجير كاملة بكل تفاصيلها».
ثم يضيف كبار القرية بأن الذي أوصل لورنس إلى مصر كان أحد أهالي القويرة وهو الشيخ سلامه الصالح أبو الرويعي موضحين بأنهما (لورنس وسلامة) انتقلا إلى «نقب ايلات»، ووصلوا إلى الجيش البريطاني، ودخلا إلى نادي الضباط البريطاني، وكان لورنس يلبس الملابس البدوية، فتهيأ أفراد الجيش متخوفين منهما، إلا أن لورنس عَرّف على نفسه وعلى الشيخ سلامه أبو الرويعي الذي كان له الفضل بأنه أوصله الى معسكر الجيش البريطاني».
لانكستر، ونلسون..
تذكر الكتب عن القويرة الكثير خاصة عند ربطها بتاريخ الثورة العربية الكبرى، وقد دونت عنها صفحات كثيرة يمكن الرجوع إليها في تلك الكتب، لكن وصف تفاصيلها القديمة لا بد من تتبعها عبر كتابات الآثاريين والرحالة لتكتمل الصورة عنها.
يكتب عن القويرة «لانكستر هاردنج» وقد كان مدير آثار في الأردن لمدة أكثر من عشرين عاما، ويصفها، كما هي في النصف الأول من القرن الماضي بما يلي: «وحوالي منتصف المسافة عبر السهل إلى الشرق من الطريق (ويقصد الطريق المؤدي إلى العقبة)، يمكن للمرء أن يشاهد قلعة القويرة التي يتمركز فيها جنود قوة البادية الأردنية. وفي هذا الموقع أيضا كانت تقوم قلعة نبطية، ولكن هذه القلعة زالت واختفت، إذ استعمل بناة القلعة الحديثة حجارة القلعة القديمة للبناء، ولكن البئر الكبيرة التي أنشأها الأنباط ما تزال قائمة هناك وما تزال المياه التي تتجمع فيها تزود حامية القلعة وحيواناتها بما تحتاج إليه من ماء».
كما أنه زار القرية «نلسون جلوك» وأشار في وصفه للقلعة بأنه «عند النظر من فوق القلعة تجد منظراً ممتازً لطريق تراجان الروماني من كلا الجانبين وفي النهاية الغربية ترى عين ماء القويره مقطوعة بالصخر وتنتهي لتصب وتتجمع في بركة وتحتوي هذه البركة على قنوات لمسافة 200 مترا في الصخر».
عرار والقويره..
القصيدة التي كتبها عرار في رثاء الشريف حسين كانت عبارة عن مئة بيت استذكر فيها مناقب الراحل الثائر، وكان عنوانها «برا بالحسين» نشرها في جريدة الكرمل في فلسطين بتاريخ 1تموز1931م.
بدأ القصيدة قائلا:
«لانت قناتك للمنون وقلَّما كانت تلين»
واسترسل في كتابته لمرثيته الرائعة حاشدا فيها أحاسيسه، ومشاعره، ورؤيته لرسالة الشريف حسين، لكنه وكعادته في تعلقه بالمكان الأردني أخذ يورد بعض المعالم التي لها علاقة مباشرة بالشريف ومنها «القويرة» التي عرّج عليها في منتصف القصيدة، واصفا كيف كان الشريف حسين وهو في منفاه في قبرص يسأل عنها وعن الشراة وعمون:
«لمرابع عنها تسائل زائريك بكل حين
كيف القويرة والشراة وكيف سهل بني عمون»
«البواخر مثل الجمال»
كان هناك لقاء قبل أكثر من عشر سنوات مع الشيخ مطلق جراد بن نجاد، وكان تحدث عن جانب من ذاكرة القويرة في فترة العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، وعن تداعيات تاريخ الوطن بالقويرة وبعشيرة النجادات والمحلف، ومن ضمن ما استذكره أن الأمير عبد الله بن الحسين بعد نجاح الثورة كان يتخذ قلعة العقبة ديوانا له، وأنه في إحدى لقاءاته لوجهاء العشائر قال مشيرا الى دورهم الإيجابي «جِدتم يا آل نجادات، جدتم يا قبائل القويرة..».
ثم عاد الشيخ مطلق بحديثه الى مراحل مبكرة مستحضرا بعض القياديين من القويرة ومدى تأثيرهم في الثورة مثل علي بن نجاد، وحسن بن نجاد، وكيف تم تحرير العقبة، ثم يضيف بأنه كان في القرية حامية تركية، وانه ايام الثورة «كان اللي يسلم تركي يعطوه مصاري، لكن جماعتنا (ويقصد أهل القويرة) ما كانو ياخذو، كانو يغدو التركي، ويوصلوه للعقبة، ويركبوه بالسفن بدون ان يؤذوه».
ويسترسل في ذاكرة العقبة في المرحلة اللاحقة، ايام الأمير عبد الله، وكيف أنه ووالده ذهبوا الى العقبة وكان عند الأمير آنذاك شيوخ المحلف، وسمع الأمير يقول لهم: «يا نجادات، يا محلف، والله يجيكو وقت تشوفوا البواخر مثل الجمال في العقبة.. طوبوها، ولا تنسوها..».
ويتابع الشيخ بأن الناس في تلك الفترة لم يدققوا في كلام الأمير، ولم يكونوا يتوقعوا ان تتطور العقبة وتصل الى ما وصلت إليه الآن..
من بيت الشَعر إلى صرح الحجر
دائما حين تبدأ المدرسة يلتف حولها أهل القرية بمبانيهم، لكن في القويرة كان الاستقرار الفعلي، وبشكل جماعي، في مساكن ثابتة فيها قد بدأ عام 1958م ضمن مشروع توطين البدو في عهد المغفور له الملك حسين، وجرى توزيعها على المواطنين في نيسان عام 1963م.
لكن قبل ذلك كان يتم استعمال المباني العثمانية القديمة في القرية في الخزين، والسكن الموسمي أحيانا، ولإيواء الحلال.
واذا كان عدد السكان الآن يتجاوز العشرة آلاف فإن القويرة في عام 1952م لم ترد في سجل التعداد، بينما في عام 1952م كان عدد سكانها 118 نسمة فقط، وقفزت الى 2474 نسمة في عام 1962م مع بداية التوطين الرسمي فيها.
ويشير أهل القرية الى أن بعضا من أهالي القويرة بنى بشكل فردي فيها مثل الحج عفنان سلمان عوده العويضات الذي يصرحون بأنه أول من بنى في القرية في فترة الخمسينات، كما أنه بنى أيضا جامعا في القرية التي تتوزع فيها المآذن من خلال خمسة مساجد توجد فيها.
لكن المدرسة كانت في تأسيسها سابقة على استقرار الناس في البنيان داخل القرية إذ أن أول مدرسة أنشئت في القويرة كانت عام 1942م وكانت في بيت شعر، في بيت «صباح بن حسان»، ثم تم تأسيس غرفتين، وبعدها توسعت وصارت مدرسة.
كما أنه في عام 1969م تم بناء مدرسة أخرى بدعم من منظمة كيو العالمية، وهذه المدرسة هي كلية الحسين بن طلال التابعة للثقافة العسكرية، وهنا لا بد من الإشارة إلى دور القوات المسلحة الفاعل في القويرة حيث ساهمت في إنشاء كثير من المرافق في القرية مثل الوحدات السكنية والمدرسة، إضافة إلى جامع القويرة الكبير.