العائلة الفقيرة ستورث ظروفها الصعبة لسبعة أجيال قادمة، هذا ما أكدته آخر دراسات الفقر التي قامت بها بيوت الخبرة الاميركية، التي أعادت تعريف الفقر ليشمل مجمل إنفاق الأسر على التعليم والأطفال وجودة الحياة من مجموع دخلها السنوي، بدل التركيز فقط على تكلفة الحصص الغذائية والمواد والخدمات الأساسية، فالفقراء لا يستطيعون توفير الأدوات والمهارات التي لا يقدمها التعليم الحكومي لكنها ضرورية لتوفير فرص التنافس لأبنائهم في سوق العمل المحلي والإقليمي. ما يتركهم أمام خيارين إما دخول دوائر البطالة والفقر المغلقة، أو العمل ?ي القطاع غير الرسمي الذي لا يوفر خطط تقاعد أو تأميناً صحياً لائقاً ولا يلتزم بقوانين ساعات العمل وحماية الأجور في الغالب، أي انه لا يمنح العاملين فيه أملا بتحصيل حياة كريمة، حتى لو اتفقنا على تسميته تفكيراً خارج الصندوق.
عندما تتجاوز نسب البطالة حدود ١٠٪ يكون الاقتصاد ببنيته وسياساته الحالية غير قادر على خلق فرص عمل تتناسب مع أعداد الباحثين عن مصدر للدخل، هذا هو تشخيص المشكلة بكل بساطة، ما يعني أن حلها يكمن في تغيير السياسات المالية المتبعة، فلا يجوز أن يكون عبء الفقير الضريبي وحصته من مجمل دخله أكبر بكثير من حصة الغني بسبب اتباع سياسة ضريبة النسب الثابتة والمقتطعة على المبيعات أو الرسوم المفروضة على فواتير الطاقة وغيرها التي لا تراعي تفاوت الدخول، مع أن الأصل اتباع التراتبية الهرمية في فرض نسب عبء ضريبي تتوافق مع مستويات ?لدخل والقدرة وإعادة تحويل هذه الأموال الى مصروفات استثمارية أو دعم للعاطلين عن العمل.
كل دينار يصرف لدعم المعطلين يساوي حوالي دينار ونصف الدينار في السوق، نعم تزداد قيمة الدينار بسبب عامل الدومينو فكل دينار سيستعمل في شراء الحاجيات سيحرك السوق ابتداء من البائع الى المورد ولا تنتهي عند المزارع، كما أن كل دينار يصرف على المشاريع والاستثمار الرأسمالي سيعود بفرص عمل وتحريك للسوق بكل تجلياته.
هندسة الموازنة والتوجهات الاقتصادية العامة على أساس الاستدانة وتقليل المصروفات على حساب موظفي القطاع العام ومرتباتهم، وتدبير سداد خدمة الديون لن يزيد ملف البطالة والفقر الا سخونة والحاحا، وخطر الفقر ليس على المستوى القريب بما يورثه من شعور بالعجز والإحباط فقط، لكنه أيضا يحكم على عدد كبير من المواطنين بالحرمان من متطلبات وأدوات الحصول على حياة كريمة ومستقبل واعد، كما يحرم الدولة والمجتمع من طاقات وقدرات مجموعة كبيرة من أفراده.
لمكافحة الفقر يجب أن نعيد تعريفه بما يتناسب مع ظروف اليوم ومتطلباته لنتعدى معايير الحصص الغذائية الى الرفاه ومستوى التعليم والخدمات، وبعدها يجب حساب عدد فرص العمل التي يجب أن يوفرها الاقتصاد الوطني للأردنيين، والعمل على خطط واضحة ومرتبطة بجداول زمنية تضمن تناسب فرص العمل مع مخرجات نظامنا التعليمي، إضافة لتوفير دعم مادي وفني للمتعطلين لتحسين فرصهم في الحصول على عمل في السوق الوطنية او الإقليمية، بدل دفعهم الى القطاعات الاقتصادية غير المنظمة والتنمر عليهم بحجج التفكير الإبداعي.