رغم أن «التحديث» الذي أصاب حياتنا العربية والاسلامية هو تحديث برّاني -اذا صح التعبير- لأنه اصاب «القشرة» ولم يتغلغل في العمق. نتحدث مراراً وتكراراً عبر اعلامنا وخطاباتنا العربية عن تجديد في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولكن المتأمل المحايد يكتشف ان هذا التحديث لم يسبر الغور أو على حد قول المفكر العربي الراحل محمود العالم «لم يمسّ جذور الأبنية العميقة الأساسية لمجتمعاتنا العربية». (محمود العالم: «حول مفهوم الهوية» مقال في «العربي» ابريل 1995)
ما زالت هذه «الجذور» على حالها، مازال «التخلف» يضرب أطنابه هنا وهناك، تخلّف على جميع المستويات الحياتية. تخلف يجد -مع الاسف- انصاراً له، يخشون التقدم ومواكبة روح العصر.
"الابنية العميقة الاساسية لمجتمعاتنا العربية» ما زالت بحاجة الى إصلاح حقيقي يهزها من الاعماق. يحدث فيها تغييراً حقيقياً لا شكلياً. ما زالت هذه «الابنية» مشدودة الى الوراء، تأخذ من «التحديث» صورته البرّانية، بينما يظل «الجوهر» على حاله، يعاني «التخلف». مفهومنا العربي للتحديث ما زال قاصراً. ما زالت العلاقات الاستهلاكية هي المسيطرة على مجتمعاتنا. هذه العلاقات -مع الاسف- هي التي تحول دون بناء اقتصاد حديث وثقافة واعية تسلط الضوء على «التخلف» بدلاً من السكوت عنه!
نكثر -كعرب- الحديث عن التطور الذي حققته دولنا في جميع المجالات الحيوية، ولكننا في الواقع لم نتطور. إن التطور يعني ان ننتقل -على حد قول المفكر العربي د. زكي نجيب محمود- «من معرفة قوامها الكلام، الى معرفة قوامها الآلة التي تصنع». وأضيف الى ما قاله، ان ننتقل من مجتمعات مُغرمة بـ"الاستهلاك» واستيراد ما تستهلكه من الخارج الى مجتمعات منتجة للمواد الى تستهلكها.
إن «التحديث» الحقيقي لا يتم الاّ في أجواء الديمقراطية. وغياب الاستبداد، لان الاستبداد لا يمكن ان يحدث تغييراً في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لا ينحو الاستبداد نحو التغيير، لأن التغيير سيحرمه امتيازاته ليس ثمة نوايا عربية صادقة لإحداث «التغيير» في البنى التي طالها الترهُّل. وكما قلت نتحدث كثيراً عن التحديث ثم لا نفعل شيئاً. نتمسك بمقولة لن يتم «التحديث» قبل مقاربة «الوحدة»، ولكننا نعفي أنفسنا من البحث عن الاساليب التي تقربنا من ذلك. نحن كعرب لا نتناول مشاكلنا من جذورها، نلقي تبعتها على «الامبريالية» او على «الحكام» وهؤلاء الأخيرون يعودون فيلقون المسؤولية على الامبريالية والامبرياليين، فلولاهم لكان كل شيء على ما يرام! هذه حجج واهية، فالعيب فينا فنحن كعرب صمتنا او صمت الكثيرون منا على الاختراق الامبريالي لبنانا السياسية والاقتصادية والثقافية. ومتى كان هذا «الاختراق» يؤدي الى اي نوع من «التحديث"!؟
كيف يكون هناك تحديث حقيقي على المستوى العربي إذا كان الكثيرون منا «يزيفون» الديمقراطية، ويقمعون الحريات! كيف يكون هناك تحديث حقيقي اذا كانت المصالح الحزبية في كثير من بلداننا تطغى على مصالح الوطن! كيف يكون هناك تحديث اذا ظل المال العام العربي عرضة للنهب دون رقابة! أعود فأقول ما يُسمى بـ"التحديث البرّاني» ليس تحديثاً بالمعنى الحقيقي، ولكنه ذرّ للرماد في العيون لتملق الجماهير التي هدّها الفقر، وفتك بها المرض!
تحديثنا العربي براني لا يمس الجوهر، فالجوهر مُغتال، اغتالته «التبعية» المفروضة على بعض بلداننا، فاقتصاداتها مرتبطة بالمنظومة العالمية، ومن هنا يكون الحديث عن التحديث وهماً او شقشقة لسان. لا تحديث حقيقياً في ظل الاختلافات البنيوية لمجتمعاتنا العربية. لا تحديث حقيقياً في ظل «امية» عربية تتزايد يوماً بعد يوم في البلدان الفقيرة.
المؤسف أننا نثرثر كثيراً عن الاصلاح و"تحديث» الابنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية بينما نحن نعاني من أزمة التعبير عن «الرأي». كيف يمكن للاصلاح ان يرى النور في غياب «الحرية»، اللهم إلا اذا كان إصلاحاً صورياً تضعه بعض النخب السياسية وفق استراتيجيات معينة!
"ثقافة الاصلاح» ما زالت غائبة عن كثير من بلداننا العربية لأن «التوجه السلطوي عميق في نظام الحياة العربية بدءاً من العائلة ومروراً بالمدرسة وانتهاءً بالنظم السياسية» كما يقول د. محمد جواد رضا في كتابه «ازمات الحقيقة والحرية»، ص 253، دار السلاسل، الكويت.
ومع الاسف، فان الاصوات التي تنادي اليوم بـ"التحديث» تُهاجَم على اعتبار ان كل «مُحدَث» بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. «الابداع» بات في نظر هؤلاء المهاجمين «بدعة» و"التطوير» بدعة.
اما ما هو غير «بدعة» -في عرف هؤلاء- فأن تظل مجتمعاتنا متخلفة غير منتجة. مجتمعات استهلاكية بامتياز وسط محيط من الفقر والتخلف.
لن يكون هناك تحديث حقيقي في مجتمعاتنا العربية الا اذا فتحنا الابواب امام رياح التغيير لتحدث التغيير المنشود الذي يجتث «التخلّف» ويبني المجتمع المدني الذي يُلاحظ الشرط الانساني للحياة الكريمة.