يبدو أن مفارقات الألم في منطقتنا لا تريد أن تنتهي.. ففي اللحظات التي كان يستمع فيها بايدن بعناية الحريص لتصورات الملك عن إقليمنا القاسي ومتطلبات الأمن والسلام لخلق ولو جذوة أمل ودعوات جلالته لدعم العراق أمنيا كانت عصابة داعش تنفذ عملية إجرامية كبرى في العراق سقط نتيجتها العشرات من الشهداء والجرحى العراقيين، قبل فترة شن هذا التنظيم عملية برية كبرى بمواجهة الجيش السوري.. أغلبية البشر القاطنين في منطقة الشرق الأوسط يرون أن هذه العصابة الإجرامية ما كانت لتنشأ لولا الدعم والبناء الغربي لها لكن تبقى الحقيقة أن عصابة داعش هي وليدة بيئتها وتشكل تحديا كبيرا لنزع أسباب نشأتها، وهذا ما يدركه الملك وهذا ما استمع إليه بايدن من قائد دولة صاحبة باع طويل في محاربة التنظيمات المارقة وذراع أطول في اختراق أنساق ما دون الدولة..

لا شيء يبدو منفصلا في معادلات الأمن والسلام والاقتصاد، فجميع الملفات متشابكة إلى حد عميق مما لا يسمح بفصلها كمسارات والتحدي الأكبر في تسكين المنطقة يبدأ وينتهي إلى قيام دولة فلسطينية بحدود 1967 وعاصمتها القدس، أما الأماكن المقدسة فلا بديل دولي أو إقليمي عن الولاية الأردنية والوصاية الهاشمية عليها، وهذا ما أثبتته الأيام والتجربة وعندما حاولت إدارة ترمب العبث في معادلات الوضع القائم تصاعد العنف فورا في المنطقة وهو مرتبط طرديا مع هذا الاستحقاق، أما سوريا والضفة الغربية فلقد كانت حاضرة في مباحثات الملك، ومن الواضح أن الأردن كوصفة استثنائية مفادها الاستقرار يستحق معاملة خاصة ومنح استثناءات بالخصوص السوري والفلسطيني، فهو من ناحية كشريك موثوق وجار مسالم لم يعتدِ تاريخيا على أحد قادر على تحقيق معادلات التنمية الإنسانية لدى الجوار المجهد بالنزاعات، وبالمقابل فإن ذلك يمنحه بحبوحة من التنفس الاقتصادي بعد سنوات عجاف من الضغط الممنهج..

في الأسابيع الأخيرة وبعد أن جرى إغلاق ملف الفتنة سياسيا وإحالته إلى القضاء الأردني وما رافق ذلك من حقائق صادمة كشفتها التحقيقات التي أجرتها مؤسسات الدولة الأمنية بدأنا نرصد إعادة تموضع لأهم القوى الإقليمية في المنطقة، ومن قبيل ذلك التحولات الجوهرية التي طرأت على القيادة الإسرائيلية كنتيجة طبيعية لمرحلة بائسة مرت بها المنطقة، وليكتشف الجميع أن مشروع ترمب كاد أن يودي بالمنطقة إلى الهاوية، وأن الأردن هو الأكثر اتزانا ورشدا وفهما لطبيعة المنطقة واحتياجاتها ومتطلبات السير في حقل ألغامها لتعود نفس هذه القوى إلى محاباة الأردن ومحاولة نيل رضاه والتكفير عن اخطاء أو افعال تعمدت معها تهميش الدور الأردني، وعندما تساقطت كل هذه الطروحات والأفعال من خلال تماسك الدولة الأردنية ودعم الشعب لقيادته بدأنا نشهد تراجعا مكثفا بالمواقف ساهم فيه دعم الإدارة الأميركية للحليف الأردني..

إعادة التوازن للمنطقة يبدو أنه العنوان الأبرز الذي يصلح لوصف لقاء الملك - بايدن ولا يمكن تحقيق هذا الهدف دون المرور بمحطة إجبارية اسمها الأردن الذي سيكون له دور فعال ومؤثر واستثنائي في قيادة المشهد الإقليمي للسنوات القادمة ولن تتوقف مفاعيل هذه العلاقة والتحالف العميق على الجوانب الأمنية والعسكرية التي تجسدت باتفاقية القواعد الأخيرة بل ستشمل المياه والطاقة والاقتصاد، وبالتأكيد السياسة وكما استمعنا البارحة لغيتار الكاوبوي ترمب وشعوذات بيبي نتانياهو فعلى المنطقة اليوم أن تستمع لحكمة وحنكة الملك..