مفلح العدوان

رائحة التراب والماء مجبولة بعبق دماء الشهادة.

هذا ما كان من زخم شعور حين زرت قرية الكرامة ذات بوح حفّزني له سؤال بقي يلحّ عليّ حول الكرامة رمزاً، ومكاناً، وقصصا تداعت، وانسابت، مضمخة بحناء الفداء، ومعاني التضحية، ورمزية النصر والدفاع عن الكرامة والثرى.

آذار

ها هو آذار..

ما إن يطلّ بكل دلالاته حتى تتجه الأنظار إلى هناك، ليس فقط إلى قرية الكرامة، ولكن إلى كل تلك الخيوط التي نسجت أسطورة تلك المعركة، وبطولات الجيش، وصمود الأهل في مواجهة غطرسة الأعداء. وتعود مع هذه المناسبة كل تداعيات الذاكرة، وحنين نابض بالحياة والأمل لكل ذلك التاريخ المرتبط بتلك المعركة، مكانياً، واجتماعياً، وعسكرياً، وسياسياً، ولا تنفصل تلك المرحلة في عناوينها عن نهر الأردن والرموز والدلالات المرتبطة به.

يأتي آذار، فيكون الوقوف له معان كثيرة، بخشوع ومهابة، في اليوم الحادي والعشرين منه، حيث تكرس استذكارا، ومناسبة، نعيد فيه قراءة زخم الحدث، وما ارتبط به من مكان وإنسان، وبطولات، ونتأمل بكل فخر ذاك المحيط الذي شكل فضاء مقدساً، ذو بعد معنوي ارتبط بكل هالاته مع «الكرامة»، فصارت الجبال تشهد، والمياه تُسبّح، والجنود أسود محمولة على أكف المعنويات المتراصة كلها، والتي كان نشيدها معلن واضح بأنه عند حدّ الكرامة يكون الدفاع عن الحق، والأمة، والتراب، وكل المتعلقات بهذا الوطن، ولا تراجع عن هذا الحق.

قمح الحق

البوح لـ«الكرامة» ولـ«نهر الأردن»، والربط واضح، جلي بين الإثنين، تلك المقاربة بقداسة ماء النهر مرة، وبجلال دماء شهداء الكرامة عدة مرات.

كما أن قرية الكرامة كان يطلق عليها اسم الآبار، وحين كان عام 1948م كانت تداعيات النكبة، وكان استقبال المهجرين في هذا الموقع، فكانت مكرمة الملك عبد الله الأول ابن الحسين بأن خصص هذا المكان لهم، فسميت الكرامة ارتباطاً بتلك المكرمة، وكان فيها امتزاج الأخوة، والدفاع عن التراب والأرض، كانت التتويج للدفاع عن ثرى الأردن نصراً تحقق في آذار من عام 1968م حيث معركة الكرامة التي أخذت اسمها من اسم القرية التي كلما جاءت المناسبة، فتحت مخطوط أسماء شهدائها، وبدأت ترداد أسماءهم، وهم يمسحون بذاكرة شهادتهم على وجوه الأمكنة، و?رواحهم تتنقل في مواقع المعركة، يتتبعون تفاصيل تلك الأيام، ويحلقون نحو محاور القتال، يسرحون في غير مكان كأنهم يريدون أن يعلنوا المجد، وينثروا قمح الحق والحقيقة رغبة في أن يتنامى، ويعم خيره كل أرجاء الوطن، كرامة راسخة، ذروة قامتها تلك الذاكرة المستعادة من معركة الكرامة.

عِقد الشهداء

والنهر أيضا..

هو على مرمى قطرة دم، وقطرة ماء، يتهادى معان، ودلالات مشرّبة بزخم تاريخي حمله عبر مسيرته مكانا وزمانا.. ياه كم للنهر من بصمات مهابة حقيقية، وكم له من ملامح قوة وكبرياء، وهو يتهجّى حكايات الجنود الذي قضوا في آذار، فرَوّوا بدمائهم الثرى المقدس، ودافعوا بالأرواح عن كرامة الوطن، كل الوطن.. نقرأ الفاتحة أمام نصب استشهادهم، وننصت لنهر الأردن، وهو يبوح أسرار الماء والرمل، ويقرأ كتاب حق المعارك التي دارت قريبا منه، كاشفا ما لم يجرؤ كتبة التاريخ أن يسطروه عن فحل، وحطين، وعين جالوت، والكرامة. أتلمس بركة ماء النهر. أكتب ذاكرته، سيرة تُحكي، بالأخضر النقيّ، عن معاذ بن جبل، وشرحبيل بن حسنة، وأبي عبيدة، وضرار بن الأزور، وعامر ?ن أبي وقاص. والتحق بهم عقد الشهداء في غور الأردن، على مرمى من النهر أولئك الذين ضحّوا في معركة الكرامة، فاستشهدوا، وساروا مع ركب الشهداء الأوائل، والصالحين، والقديسين الذين اختلطت قداسة دمائهم، بنقاء مهابة النهر.

الكل رحل وبقي النهر شاهداً، صادقا، ناطقا بالتفاصيل والمعجزات التي دارت رحاها قريبا منه. اقرأ علينا أيها النهر، قل رسالتك، حيث على ضفتك سيكون الفصل الأخير من معركة النور والظلام، وصراع الحق مع الباطل. اجهر بصوتك عما كتب، عنك، وعن وظيفتك حتى آخر العهود.

الجندي المجهول

أمر إلى الكرامة..

أسير إليها مشوقاً لتلك الذاكرة العطرة فيها، لكنني قبل أن أصلها، وما أن أنتهي من وادي شعيب، حتى أقف أمام عتبة الشونة، عند المثلث هناك. أخشع مهابة، وأقف قارئاً الفاتحة على أرواح الشهداء، متأملا الجندي المجهول وهو واقف، صامداً، مادا يده، وحاملا سلاحه، كأنه يريد أن ينثر عبق دمه عطر كرامة على كل من يمر من أمامه. نُصب الجندي المجهول هذا شيّد عام 1976م لتخليد ذكرى معركة الكرامة، وقد أضيف إليه متحف عام 2018م، في الذكرى الخمسين للمعركة، ليصور مجريات الحرب والانتصار في الكرامة.

أتأمل أسماء الشهداء هناك، منقوشة على رخام نصب الجندي المجهول، وأحيي الجيش، كل الجيش، رمزا لكل الوطن، حيث أرى على هامة كل جندي فيه وعد بنصر قريب، وألمح عزمهم يرفع سارية لعلم يبقى مرتفعا، مرفرفا، فوق كل أنحاء البلد، وأرى من هناك تلك اللحمة بين الجيش وأبناء الوطن، أتلمسها حالا واقعا، متحققا، لا شعارا عابرا، وكأن الجندي يلوّح للشهداء، حوله، وفي مقابر قرية الكرامة والقرى الأخرى، ثم يتعداه إلى كل قطرة دم أريقت في كل محاور القتال حوله.

المعركة

أسمع إلى واحد من الكبار الواقفين عند نصب الجندي المجهول، كان قد شارك في المعركة، وجاء مستذكراً رفاق السلاح الذين استشهدوا، وكان يريد أن يقول باعتزاز التفاصيل العسكرية التي يعرفها، وكنت أستمع له: (ساعة الصفر كانت في الخامسة والنصف من صباح يوم 21 آذار 1968م. كنا نتوقع المواجهة،

وبدأت المعركة، وكانت جبهة القتال واسعة، امتدت من شمال جسر الأمير محمد في وادي الأردن، وحتى غور الصافي جنوب البحر الميت. واستمرت الحرب ستة عشر ساعة، في قتال حقيقي، مرير، على طول الجبهة، حيث اقتحم العدو الواجهة الغربية للأردن من أربعة محاور هي محور العارضة من جهة جسر الأمير محمد إلى مثلث المصري، إلى طريق العارضة ومحور وادي شعيب من جسر الملك حسين إلى الشونة الجنوبية، ومحور سويمة من جسر الأمير عبد الله إلى غور الرامة إلى ناعور. ومحور الصافي من جنوب البحر الميت الى غور الصافي وكل تلك المحاور تؤدي الى مرتفعات ال?لط وعمان والكرك».

جندي آخر قال: «أولو الحق.. جنود الجيش العربي الأردني. كانت المواجهة قوية بين هؤلاء الفرسان الأردنيين، وبين قوى الشر، الأعداء، بغطرستهم، وكبريائهم.

استمرت المعارك على كل تلك المحاور التي شاركت فيها كل صنوف أسلحة الجيش العربي وتشكيلاته..».

ثالث استمعت إليه، وكان فرحا، كأن المعركة انتهت الآن، ويريد أن يزغرد، وهو يصف ما كان:» كان نصرا،وكانت تكبيرات الجنود، وأهازيجهم، تتداخل مع زغاريد، وهتافات الشعب لجيشه الشجاع.. وكان في المقابل العدو يجر أذيال الهزيمة، منسحبًا من ساحة المعركة، تاركاً معداته، وأسلحته في ساحة المعركة..».

كان كل من استمعت إليهم يتحدثون بحماس، ويدلون بمعلومات خبروها عن سبق انتماء، وكأنهم ينطقون باسم كل الطيبين الذين يريدون لأيام النصر أن تبقى على مدار السنوات، نصراً يقود إلى آخر، ولكنني كنت أستعيد تفاصيل ما قالوا، وأستعيد مع أحاديثهم نبض تلك الأماكن التي لامسها الجنود مرة بأجسادهم، ومرة بأسلحتهم، ومرات بدمائهم، فهي شاهدة على كثير من حكاياتهم وبطولاتهم، فقد صارت المعركة بصمة محفورة على كل أرجاء هذا الثرى.

سلام عليهم..

أكمل المسير إلى الكرامة، قرية وادعة هناك، يتحدث أهلها بمحبة، وحميمية عن آذار، كأنه عيدهم الأول، وهم يتفيؤون بؤرة معناه، يستعيدون تلك الأيام، ويستحضرون الذاكرة، رغم أن قريتهم «الكرامة» أعيد بناؤها مرتان عبر تاريخها، الأولى على تخوم الثمانية وأربعين وتسعمائة وألف، والثانية بعد معركة الكرامة، حيث دمرها العدو الصهيوني، وكان التصميم أن يكون الصمود فيها، وبعد ذلك إعمارها مرة أخرى، وبناؤها، لتتألق مرة ثانية كأنه االفينيق الذي يتجدد، ويزداد قوة وصمودا بعد تلك المعارك.

ألقي التحية على القرية.. سلام على تلك الأرواح فيها، على الشهداء، وعلى دروبها كيف دارت المعارك فيها. سلام على المسجد الذي دُمّر ولم يتبق منه إلا مئذنته، بقيت تقارع العدو، وما زالت صامدة، وآثار القصف بقيت علامات شرف، ندوبا على قامتها الصامدة، فصار اسم المسجد بعد المعركة «جامع الشهداء»، وصار رمزا لصمود كأن المئذنة تدعو بالنصر للجيش، كأن التراب والشجر والحجر والبشر في تلك الأرجاء كلهم يقفون من وراء الجيش صفاً، فهو الحامي، وهو السند والسدّ المنيع لكل الوطن في تلك المعركة.. معركة الكرامة. أمشي في دروب «الكرامة»،?أزور البيوت، وأستمع إلى أحاديث الكبار، وأرى على تجاعيد الوجوه سجلات يعرفونها عن وقائع المعارك، ويرددونها شفويا باعتزاز، وهم يريدون دائما أن يقولوا أكثر، والتفاصيل دائما هناك، فأستمع إليهم، وأتابع رحلتي في 21/آذار، مرة أزور النهر، ومرة أقف أمام الجندي المجهول على مرمى التفاتة، ومرة أعود إلى القرية، سارحا بنظري نحو البعيد إلى المواقع الأخرى التي كنت تدور رحى المعركة فيها، حيث قرى أخرى، وقصص مختلفة، وبطولات تحتاج إلى مزيد من التوثيق.