أدخل الإسلام مفهوم الدولة للعرب فكانوا قبل الإسلام يأنفون طاعة أمير من خارج قبيلتهم، ولا يعرفون سلطانا سوى سلطان العرف، ولا يعرفون ولاء إلا للقبيلة، فلما جاء الإسلام كون رابطة جامعة تجمع القبائل في ظل دولة قوامها العدل والرحمة لكل مواطنيها، ولكي تألف قلوب العرب الطاعة بين الرسول أن من أطاع أميري فقد أطاعني كما بين القرآن الكريم أن طاعة الأمير مستمدة من طاعة الله «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الأمر منكم ﱠ » النساء: ٥٩..
وفي الآية تأسيس لما عرفته الإنسانية لاحقا بفكرة النظام الدستوري حيث بتقيد الحاكم بدستور فلم تجعل الآية للحاكم طاعة مطلقة وإنما طاعة الحاكم مستمدة من طاعته لله ورسوله فالحاكم مطاع لأنه مطيع لله تعالى يستمد حقه في الطاعة من التزامه بشرع الله تعالى. وهذا معنى التقييد الدستوري في الأنظمة الحديثة..
ثم بين لهم القرآن الكريم كيف يدار الاختلاف والتنازع فقال: «فإن تنازعتم في شي فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله اليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا».. فلا يجوز حسم النزاع بالعنف والفوضى، بل بالرجوع إلى المؤسسات الدستورية التي تقوم بالرد إلى الله ورسوله كما نبه الرسول أن المسلم لا يستحل دم المسلم فلا يجوز أن يكون الخلاف السياسي سببا لاستحلال الدماء، بل يعالج الخلاف عبر مؤسسات الدولة نفسها.
من هنا حذر الرسول صلى الله عليه من الخروج على السلطان بما يذهب بوحدة الجماعة فقال:
من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية قال العيني: «والمقصود بالميتة الجاهلية» أي: «ليس لهم إمام» لأن أهل الجاهلية لم يعرفوا فكرة الإمام ولا الدولة فكان وجود الدولة والإمام كلاهما معبراً عن كيان قانوني للجماعة، والخروج على الدولة هو المقصود بالمفارقة لهذه الجماعة..
ومن هنا كان حال من لا دولة لهم يشبه حال الجاهليين قبل الإسلام، وفي الحديث تنبيه إلى أهمية بناء مؤسسة الدولة بمؤسستها الرقابية السياسية كإحدى مؤسسات الأمة.
لحسم النزاع على نحو دستوري لا يسمح للفتنة أن تلج كما يوجه مسار السلطة إذا انحرفت على نحو يحافظ على مؤسسات الدولة ويبقيها في ظل طاعة الله تعالى..
أستاذ السياسة الشرعية - الجامعة الأردنية
من فقه الدولة فـي الفكر السياسي الإسلامي
11:15 13-7-2021
آخر تعديل :
الثلاثاء