استعرضت في مقالات سابقة, بعض الأسس التي مكّنت الدولة الأردنية من تحقيق إنجازاتها في مئويتها الأولى, وفي هذا المقال سأتحدث عن واحد من أهم الأسس التي تقوم عليها الدولة التي تريد التقدم لشعبها, هي المعايير الأخلاقية التي تحكم أداءها, فالدول لا تُدار «بالخداع» الذي قد يأخذ أشكالاً مختلفة منها تزوير الحقائق وإظهار عكسها, فإذا كان من الجائز إخفاء بعض الحقائق التي تدخل في إطار أسرار الدولة, فإنه من غير الجائز إظهار عكس الحقيقة, لأن ذلك يزرع الوهم ويصنع «الحمل الكاذب» مما يقود إلى الكوارث, ولعل هزيمة حزيران 1967 نموذج من نماذج خداع الوهم, على الصعيد العسكري, بينما يقدم لنا انهيار الاتحاد السوفيتي نموذجاً دالاً على أوهام «الحمل الكاذب» التي ينتجها تصوير الأمور على عكس ما هي عليه فتكون النتيجة مدمرة.
كثيرة هي الكوارث التي يقود إليها الخداع, خاصة في الجانب العاطفي الذي طالما ساهم في صناعة الفشل, فلا أغبى مِمن يصدق العواطف الزائفة إلا من يصدق اليمين الكاذب, وخير دليل على ما نقول تجده عند الذين خسروا الانتخابات النيابية, ممن قادتهم الوعود الزائفة من تجار الأصوات إلى أحلام اليقظة التي تحولت عند النتائج إلى كوابيس, لذلك فإن الدولة الحريصة على مستقبلها لا تدغدغ عواطف مواطنيها, حتى لا يفيقوا على الحقائق المغيبة فيتحولوا عندها إما إلى جموع محبطة أو ثوار فوضويين, كما نشهد الآن في غير بلد عربي وكلتا الحالتين لا تقودان إلى خير.
التسويف هو الآخر نوع من أنواع خداع الذات, لأنه يغذي أحلام اليقظة, كما يغذي المشاكل ويحيلها إلى أزمات قد تنفجر في أية لحظة, وأخطر الانفجارات الاجتماعية تلك التي تأتي بغتة فتحرق الأخضر واليابس.
لقد أدرك رجال الدولة الأردنية الأوائل كل هذه الحقائق, فاتصفوا أول ما اتصفوا به بالواقعية, التي كانت تحتم عليهم مصارحة قيادتهم ومواطنيهم بالحقائق كما هي, سواء من حيث القدرات والإمكانيات, أو من حيث الصعوبات والتحديات, ومع الواقعية كان الحزم هو الآخر سلاحهم في مواجهة الصعاب والتحديات, وقبل ذلك في مواجهة أية خروقات لمسيرة الدولة وهيبتها وسيادة قانونها, على أن أهم أسلحة الدولة الأردنية كان حُسن توظيف الكفايات في الدولة, وحُسن إدارتها على قاعدة «ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا» فلم تكن الشللية والحب والكره هي مقاييس اختيار الرجال, بل كانت كفايتهم هي طريقهم إلى المواقع, ما جعل الاحساس بالعدل والرضا هما السائدان, وعلى أساسهما كانت تتم المحاسبة والمساءلة, وهما أداتان مهمتان من أدوات الدولة في الحفاظ على مسيرة البناء والنجاح, لأن غيابهما يدفع إلى التراخي الذي لا تحمد عقباه مما نلمس في بعض جوانب حياتنا.. وللحديث صلة.
Bilal.tall@yahoo.com
عن مئوية الدولة والأسس الأخلاقية
11:18 7-7-2021
آخر تعديل :
الأربعاء