كتاب

برنامج الإقامة للأطباء.. الحقيقة المؤلمة (2-3) 

استعرضت في الجزء الأول من مقالتي، بعض المحطات لطلبة كلية الطب، منذ دخولهم مقاعد الدراسة، حتى حصولهم على الشهادة الجامعية الأولى، رحلة شاقة وطويلة ودقيقة، تستنزف الجهد والوقت والسنوات، بظرف تشاركي تكاملي مع الأهل، الذين يجدون ثمار جهودهم بعطاء أبناءهم، ثم البدء بمرحلة البحث عن شاغر الإختصاص الرئيسي، الذي قد يمهد لشاغر بتخصص فرعي، والمتتبع لمنحى فرص الاختصاص بشقه التصاعدي، يخلص بنتيجة يمكن تلخيص بنودها بتصاعد وصعوبة فرص الحصول على برنامج الإقامة بالشكل الذي يتمناه كل طبيب، فسنوات الإختصاص التدريبية، هي تراكمية بالمعرفة والتحصيل وكسب المهارات، ويخضع الطبيب لمراقبة بأداءه ومستواه من قبل استشاريين مؤهلين، قد أوكلت لهم مهمة التدريب والتعليم، ولكل تخصص عدد من السنوات محددة بموجب قانون المجلس الطبي الأردني، الذي يشترط خضوع الطبيب المقيم لإمتحان سنوي ونجاحه للإنتقال للسنة التالية، على أن يكون مؤهلا للتقدم لإمتحان المجلس الطبي الذي يعقد بدورتين سنويا، ضمن مواعيد شبه محددة، بهدف الحصول على شهادة البورد الأردني، وهي أعلى وأسمى شهادة إختصاص للممارسة بالدولة الأردنية، ومن رحم تجربة شخصية بعضوية اللجنة العلمية المشرفة على امتحان الإختصاص، أرى أنه الامتحان الأمثل والأعدل والأنصف لفلترة النخبة التي تستحق النجاح بعد تمكنها من الحد الأدنى من المعلومات النظرية والعملية، فحذار من العبث بهيكله استجابة لضغوط وأجندات أو مبررات واهنة، لأن الحاصل على الشهادة في النهاية سوف يتسلم مسؤولية تقديم الرعاية الصحية بمهارات ومستويات وصلاحيات، يمنع الخطأ فيها وتعكس دقة تدريبها وحرصها، ومن الطبيعي، أن يخفق البعض في أي امتحان، بهدف صقل معلوماته ومهاراته، أو إعادة ترتيبها بشكلها الأمثل، فالنجاح التلقائي غير وارد بمنظومة أي امتحان يقيس مهارات معرفية ومعلومات نظرية، تمثل الأساس بالمهنة، لأن الخطأ أو التوظيف الخاطىء، مدمر وقاتل، فالخطأ بممارسة المهنة من تشخيص وعلاج ممنوع على الممارسين.

للتكيف مع ظروف مدخلات المعادلة الجديدة؛ زيادة عدد الخريجين، وعدد مراكز التدريب، يجب توضيح بعض الحقائق التي تمثل نقاط البدء للمناقشة، حتى لا تصبح وسائل التواصل الإجتماعي سيفا على رقاب أصحاب القرار، فالقدرة الاستيعابية لأطباء الإقامة محكومة بعدد الشواغر لكل مؤسسة ومستشفى تدريبي، ويجب أن لا تقل عن حد أدنى بحكم القانون، وعلى المستشفى الذي يتقدم بطلب الإعتماد لبرنامج تدريبي، أن يوفر عدداً من الشواغر السنوية لا تقل عن ستة شواغر لكل سنة إقامة مدفوعة الأجر ضمن قانون الممارسة والأنظمة، ويجب على وزارة الصحة والمجلس الطبي، مراقبة تطبيق هذا الأمر بشكله الدقيق، لأن منح الإعتماد لأي مستشفى، يمنحه وصفة دعائية مجانية، بوجود برنامج تدريبي محكم ومتسلسل بالمستوى، حتى لا يصبح الحصول على ترخيص برنامج الإقامة منحة مجانية يستفيد منها البعض، دون مساهمة حقيقية للمهنة والوطن، وأما المستشفى الذي لا يمكنه توفير هذا العدد من الشواغر، فعليه بعدم التقدم للإعتماد، وسحب إعتماده إن وُجد، فهذا الترخيص ليس حق أبدي بظروف تغيرها المصالح خدمة لأشخاص وعلينا القفز عن بطولات الماضي، فطبيب الاقامة بمرحلة بناء المستقبل المهني والعائلي، ومن حقه راتب شهري ثابت، يمكنه من التخطيط لمستقبله، فلا يعقل أبدا، الوصول للعقد الرابع من العمر والطبيب يعتمد على عائلته لتدبير أموره، مؤشر إحباط، ومبرر هجرة للكفاءات التي نحن بحاجة اليها، وللحديث بقية.