نيويورك – وكالات

مرت 5 سنوات على تصويت البريطانيين لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو/حزيران 2016 ونحو 200 يوم على تنفيذ هذا القرار الذي يبدو على السطح أنه مفيدا لبريطانيا.

فالاقتصاد البريطاني سينمو بمعدل 6.4% خلال العام الحالي ليكون ثاني أعلى معدل نمو بين مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى، ثم ينمو في العام المقبل بمعدل 5.4% ليكون الأعلى بين دول المجموعة التي تتكون من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وكندا واليابان وروسيا، حسب متوسط توقعات 60 محللاً اقتصاديا استطلعت وكالة بلومبرغ للأنباء رأيهم. وحسب بيانات الوكالة أيضا، فقد ارتفعت قيمة الأموال التي تدفقت للاستثمار في الأوراق المالية البريطانية عبر «آي شيرز كور إف.تي.إس.إي 100 يو.سي.آي.تي.إس إي.تي.إف» وهو أكبر صندوق استثمار قابل للتداول في البورصة في بريطانيا، بنسبة 126% منذ 2016 لتصل إلى مستويات غير مسبوقة على الإطلاق.

غير أن التدفقات النقدية لصناديق الاستثمار البريطانية تتناقض مع تدهور إنتاجية الاقتصاد البريطاني، وتراجع التجارة الخارجية، وغياب أي مؤشرات على إمكانية تعافي الجنيه الإسترليني بما يكفي لتعويض التدهور الكبير في قيمته، بعد أن أصبح الأسوأ أداء بين العملات العشر الرئيسية في العالم منذ الاستفتاء.

ويرى الكاتب الأمريكي ماثيو وينكلر، الرئيس الفخري لوكالة بلومبرغ للأنباء، أنه مهما كانت القوة التي يمكن أن تجمعها بريطانيا حتى نهاية العام المقبل، فسوف تكون مؤقتة لأن الاقتصاد مازال تحت تأثير قوته السابقة على قرار الخروج من الاتحاد.

ففي الساعة الأولى بعد إغلاق صناديق الاقتراع في الاستفتاء على «بريكسِت» ارتفع الجنيه الإسترليني إلى 1.50 دولار مقابل 1.48 دولار في اليوم السابق، في ظل تكهنات بأن أغلبية البريطانيين ستستجيب لرأي رؤساء الوزراء البريطانيين ووزراء المالية ورؤوساء الدول وكبار رجال الأعمال والاقتصاد في بريطانيا وخارجها من أجل التصويت لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي.

وكانت الأسواق تتوقع بقاء بريطانيا داخل الاتحاد لأن هذه كانت النتيجة الأفضل لها. لكن وبمجرد حصول خيار الخروج على أغلبية الأصوات تراجع الجنيه الإسترليني بنسبة زادت عن 8% ليصل إلى 1.32 دولار وهو أقل مستوى له منذ 31 عاماً في ذلك الوقت.

وجاء تراجع الجنيه الإسترليني أمام الدولار في أعقاب الاستفتاء لتصبح العملة البريطانية بمثابة الرجل المريض بين العملات الرئيسية.

كما تعثرت علاقات بريطانيا التي اعتادت تاريخيا على القيام بدور تجاري عالمي، مع شركائها التجاريين الأساسيين بعد الخروج من الاتحاد. ومنذ 2018 تراجع حجم التجارة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي بنسبة 21% إلى 38.7 مليار دولار، وهو أقل مستوى له منذ 11 عاماً. في المقابل زادت حركة التجارة لكل من أيرلندا والدنمارك مع الاتحاد الأوروبي بنسبة 24% و5% على الترتيب. كما تراجعت تجارة بريطانيا مع دول العالم بنسبة 14% منذ عام 2018. وظلت بريطانيا أغلب سنوات العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين في مقدمة دول مجموعة الثماني من حيث النمو الاقتصادي، حيث كانت الدولة رقم واحد في 2014، ثم رقم 2 في عامي 2015 و2016.

وبعد الاستفتاء تراجع ترتيب بريطانيا إلى المركز السادس عام 2017 و2018، ثم المركز الخامس في 2019 ومن الممكن أن يكون المركز أسوأ في 2020.

وحتى في ظل توقعات بتغير الوضع خلال العامين الحالي والمقبل، لتحتل بريطانيا المركز الثاني بين دول مجموعة الثماني من حيث معدل النمو خلال العام الحالي، ثم المركز الأول خلال العام المقبل، فمن المنتظر أن تتراجع إلى المركز قبل الأخير في 2023 بمعدل نمو يبلغ 1.3% متقدمة فقط على اليابان المنتظر نمو اقتصادها بمعدل 1.2% خلال 2023 حسب توقعات المحللين الذين استطلعت وكالة بلومبرغ للأنباء رأيهم.

وفي أول تصريحات علنية له منذ استكمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في نهاية العام الماضي قال أندرو بيلي، محافظ بنك إنكلترا المركزي أمام مجلس العموم البريطاني أن إجمالي الناتج المحلي لبريطانيا سيكون خلال السنوات المقبلة أقل بنحو 4 نقاط مئوية عن حجمه المفترض لو لم تخرج بريطانيا من الاتحاد. وسجل أداء أسهم شركات العقارات في البورصة البريطانية، والتي عادة ما تكون في المقدمة بين 16 دولة في أوروبا الغربية، تراجعاً منذ الاستفتاء على الخروج من الاتحاد.

وخلال السنوات الخمس التي سبقت استفتاء 2016 كانت مكاسب الشركات العقارية البريطانية عالية، واحتلت المركز الرابع من حيث العائد على الاستثمار من بين 124 شركة مسجلة في بورصات الدول الغربية. ولكن خلال السنوات الخمس الماضية تراجع ترتيب الشركات البريطانية إلى المركز السادس وتراجعت أرباحها إلى 74% فقط، حسب بيانات بلومبرغ.

من ناحيتها قالت محللة العقارات الأوروبية في خدمة «بلومبرغ إنتليجنس» سو موندن «قد يكون أحد أسباب هذا التباين هو أن المستثمرين يتوقعون تعافيا في إيجار العقارات في الدول الأوروبية الأخرى بدرجة أكبر مما عليه الحال في بريطانيا».

في الوقت نفسه فإن القدرة التنافسية للشركات البريطانية، تواصل تراجعها. كما أن مبيعات الشركات البريطانية وهي مقياس إنتاجية الموظف كانت في عام 2015 تبلغ 2.4 مليون دولار لتحتل المركز السادس بين شركات عشرين دولة في أوروبا الغربية. ولكن هذه القيمة تراجعت خلال السنوات الأخيرة إلى 1.3 مليون دولار لتحتل بريطانيا المركز الـ 12 على هذا المقياس.