حتى شهر أيار من عام 1945م، لم يكن هناك جهاز لوزارة الخارجية بالمعنى المؤسساتي، كان من يتولى منصب رئيس الوزراء يقوم بأعمال وزارة الخارجية، دون أنّ يكون هناك مقر لها.

وتشير مطالعة تاريخ الوزارة، ونشأتها، إلى أنّ هذه الوزارة تألفت في حكومة إبراهيم هاشم، حيث أسندت لأول مرة بشكل مستقل ومنفصل، في تاريخ بلدنا، وتولاها توفيق أبوالهدى، وبدأت الوزارة تتشكل مؤسساتياً.

وجرى في الأول من أيلول عام 1945م، تعديل أسندت بموجبها وزارة الخارجية إلى محمد الشريقي، بالإضافة إلى توليه منصب وزير المالية آنذاك، وشهدت الوزارة في هذه الفترة رصد موازنة خاصة بها، إذ خصص لها في موازنة عام 1946م مبلغ 6271 ديناراً، ونمت حتى عام 1971م، لتبلغ موازنتها حوالي مليون دينار.

وكانت أولى القنصليات التي تأسست في الخارج، في: لندن، القاهرة، بيروت وبغداد، وأخذت بعدها بالتوسع إلى العديد من الدول، فمثلاً في عام 1971م، بلغ عدد السفارات والقنصليات الأردنية 25.

وقد تأخر الأردن عن الانضمام إلى الأمم المتحدة، لنحو تسع سنواتٍ بعد نيله الاستقلال، إذ افتتح مكتب الوفد الأردني لدى الأمم المتحدة في 14 كانون الأول عام 1955م، وذلك بسبب موقف الاتحاد السوفييتي الرافض لانضمام الأردن لهذه المنظمة الدولية.

ومن الجدير ذكره أنّه ونتيجة لهذا الرفض السوفييتي فقد أصدر قانون مكافحة الشيوعية عام 1948م، وتم حظر الحزب الشيوعي في قوانين لاحقة عام 1954م و1955م.

وتميزت الدبلوماسية الأردنية بعد سنوات قليلة من تأسيس وزارة الخارجية بأسلوبها الجامع، والمدافع عن القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ويعبر عن ذلك انتخاب الأردن لعضوية مجلس الأمن للعامين 1965 و 1966، وتولى مندوبان للمملكة رئاسة المجلس، وخلال هاتين السنتين، تصدى الأردن دبلوماسياً لمحاولات إسرائيل تمرير رواياتها بعد عدوانها على قرية السموع في تشرين الثاني 1966م، وأفضى الدور الأردني إلى اتخاذ مجلس الأمن الدولي قراراً بإدانة العدوان الإسرائيلي.

ولاحقاً، انخرطت الخارجية الأردنية، إلى جانب الدعم الدبلوماسي العربي باستصدار قرارات من مجلس الأمن الدولي لإدانة إسرائيل، بينها: قرار إدانة العدوان الإسرائيلي على الكرامة في 24 أذار 1968م، وقرار إدانة العدوان الإسرائيلي على السلط ورقمه 256 بتاريخ 21 أب 1968م، وقرار بإدانة العدوان الإسرائيلي على السلط وإربد ورقمه 265 بتاريخ 1 نيسان 1969م.

كما عرض الأردن قضية القدس مرات عدة على مجلس الأمن الدولي، وأفضت رسالة من الممثل الدائم للأردن، إلى اتخاذ المجلس لقرار رقم 252 بتاريخ 21 أيار 1968،والذي أعلن بموجبه أن الإجراءات الإسرائيلية المتخذة لتغيير وضع القدس تعتبر باطلة، ولا تغير وضع المدينة، ووجوب كف إسرائيل يدها عن مثل هذه الإجراءات، ومرر القرار بأغلبية 13 صوتاً مقابل لا شيء، وامتناع كندا والولايات المتحدة.

كما شارك الأردن الدول العربية والإسلامية في مناقشة حرق المسجد الأقصى عام 1969م، حيث اتخذ مجلس الأمن الدولي قراره رقم 271 الذي أكّد القرارات السابقة حول المدينة المقدسة، وأدان عدم تنفيذ إسرائيل لقرارات المجلس، مؤكداً القرار بأن إقدام إسرائيل على مثل هذه السلوكيات يهدد الأمن والسلم.

إنّ هذه الأدوار الدبلوماسية لوزارة الخارجية، عكست تطوراً وتنظيماً للوزارة، حيث وضع لها نظام جديد للسلك الدبلوماسي عام 1962م، وتأسس بها أيضاً، قسم للأبحاث، وبقي هذا النظام سارياً حتى عام 1971م، وحدد هذا النظام صلاحيات واخصاصات الوزارة بشكل عام، ضمن دوائر، وهي: الدائرة السياسية، الدائرة الإدارية، الدائرة الثفافية، دائرة الأبحاث، دائرة الشؤون القنصلية، دائرة شؤون المنظات الدولية، الدائرة الصحفية ودائرة المراسم.

إنّ النظرة إلى وزارة الخارجية، وما كرسته من أدوار، وتقاليد دبلوماسية، مصحوبة برعاية المصالح الأردنية في الخارج، يعبر عن جانب من تطور الدولة، وخطابها العميق الجذور المنتمي إلى النهضة العربية وشرعية الحُكم ودور ملوك بني هاشم في الدفاع عن القضايا العربية في محافل الدبلوماسية، وعلى رأسها قضية فلسطين وصون مقدساتها الإسلامية والمسيحية.