لا يبدو أن السياسة الخارجية الإيرانية في مرحلة «ابراهيم رئيسي» يمكن أن تتخطى حدود ما وصلت إليه سياستها في العقود الماضية؛ إذ أن المؤشرات الأولية لتوجهات الرئيس المنتخب– والمصنف بأنه من أصحاب الخط المتشدد- لا تحمل بين طياتها أية بوادر تغييرية سواء كان ذلك على مستوى السياسة الداخلية أو الخارجية. فقد ظهر ذلك من خلال تصريحات الرئيس الأولية خلال أول مؤتمر له بعد إعلان انتصاره في الانتخابات، إذ لم يتوان عن إطلاق «لاءاته» بشكل مباشر تجاه لقاء الرئيس الأميركي بايدن وتجاه مسألة المرونة حول بعض القضايا الإقليمية وال?ولية. فعلى الرغم أن الرئيس الجديد صرح بأنه سيدعم مفاوضات فيينا حول برنامج إيران النووي، إلا أنه ربط العودة الإيرانية إلى طاولة المفاوضات برفع العقوبات الدولية عن إيران وبعدم ربط مستقبل دولته بهذه المفاوضات، مما يوحي وللوهلة الأولى بأن التوجهات الإيرانية في هذه المسألة لا تدخل في حساباتها مسألة التكيف مع التغيرات الدولية وتستبعد من خياراتها عنصري المرونة والمساومة، مما يؤذن بتعثر سريع ومحتمل لهذا الملف، أو على الأقل بسلسلة طويلة من جولات المفاوضة مع الجانب الغربي والأميركي.

الملامح الأولى لهذا التعثر ظهرت من خلال إعلان الرئيس الجديد رفضه الصريح للقاء الرئيس بايدن، ومن خلال إعلانه رفض التفاوض حول مسألة برنامج الصواريخ البالستية وحول تغيير الدور الإيراني في المنطقة وبخاصة في العراق واليمن وفلسطين. ولا ننسى في هذا المقام أن «رئيسي» هو أول رئيس إيراني متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية من قبل منظمات حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ومدرج في قائمة عقوبات الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مما يجعل حركته وبالتالي حركة سياسته الخارجية ثقيلة الخطى بسبب تعقيدات زياراته الدولية وغيابه المحتم? عن المحافل الدولية (المنظمات والمؤتمرات الدولية).

الرئيسي المنتخب لا يبدي كذلك أية مؤشرات حول أي تكيف محتمل على صعيد السياسة الداخلية في إيران، فهو مصنف على أنه أحد ركائز النظام الإسلامي في إيران ويعتبر من السياسيين المحافظين المتشددين، ومن مؤيدي الفصل بين الجنسين وعقوبة الإعدام ومن دعاة أسلمة الجامعات والرقابة على الإنترنت ومن مناهضي الثقافة الغربية، مما يضع مسألة انفتاح الدولة الإيرانية على العالم الخارجي الذي يعيش مرحلة متقدمة من العولمة على المحك!!

وعلى الرغم من أن الرئيس المنتخب كان قد دعا إلى الاعتماد على الزراعة وتفعيل «اقتصاد المقاومة» من أجل إنهاء الفقر والحرمان في البلاد ووعد بزيادة الرواتب ومضاعفتها ومحاربة الفساد وخلق فرص عمل جديدة وبأنه يمتلك –كما يدعي- رؤية لمقاومة العقوبات الاقتصادية الخارجية، إلا أن إيران المتعطشة لكسر العزلة الدولية التي تعيشها منذ عقود لن يكون بمقدورها التكيف داخل أسوار قلعتها؛ فإذا ما أرادت التحلل من قيود العزلة والقضاء على تحدياتها الإقليمية والدولية، فليس لها إلا أن تواكب تيار العولمة بكل أبعاده السياسية والاقتصادية ?حتى الثقافية إلى حد ما؛ فزمن العيش «خارج التاريخ» لم يعد ممكنا في ظل تداخل وتشابك المصالح بين أعضاء المجتمع الدولي كافة!.

قسم العلوم السياسية - جامعة اليرموك