ما يزال السِجال الساخن والجدل الصاخب المحمول على تشكيك ورائحة فساد وتواطؤ, يفرِضان نفسيهما على الساحة الفلسطينية المُثقلة بالأزمات والإنقسامات, وخصوصاً العجز وانعدام القدرة على إحداث أي خرق في جدار العزلة الذي يحيط بالسلطة الفلسطينية, في الوقت ذاته الذي فشلت فيه محاولات إحياء «الحوارات» الفلسطينية التي سبقت الحرب الأخيرة, ما دفع الوسيط المصري إلى إعلان تأجيلها إلى أجل غير مُسمّى. ما عكس ضمن أمور أخرى اتساع الصدع بين فتح وحماس حيث طالبت الأخيرة مشاركة الرئيس عباس حوارات القاهرة, كونه طرفاً فيها كزعيم لفتح/السلطة وليس مُحايداً/أو مرجعية, الأمر الذي أطاح أي محاولة لتقريب وجهات النظر أو التوافق على القواسم واستبعاد/تأجيل الخلافات.

ثم جاءت ما باتت تسميه قطاعات وازنة في المجتمع الفلسطيني «فضيحة» صفقة اللقاحات مع إسرائيل. لتصب المزيد من الزيت على النار المُشتعلة في جنبات المشهد الفلسطيني المُحتقِن، خاصّة مع غياب الحقائق وتضارب التفسيرات وتباين التصريحات, على نحو يَشي بأنه غموضاً/توطؤاً يسربل «القصة»، ليس في ما إذا كان الإتفاق مباشراً مع دولة الإحتلال أم عبر الشركة الصانعة/فايزر, بل أيضاً ما إذا كان هناك «وسيط» فلسطيني تولّى التفاوض مع إسرائيل, خرج على الناس لاحقاً لينفي أي دور له رغم أن أكثر من وسيلة إعلام إسرائيلية أكدت ضلوعه فيها كونه «القناة الوحيدة» التي تتواصل السلطة عبرها مع الإحتلال.

الضغوط الشعبية/والحملة الجماهيرية المكثفة عبر وسائل التواصل الإجتماعي, أجبرتا رئيس الوزراء محمد اشتية تشكيل لجنة «مستقلة» في قضية صفقة اللقاحات, وكان لافتاً توضيحه أن الإتفاقية المُبرمة مع إسرائيل (إعتراف واضح بأنها تمت بين السلطة وإسرائيل) سيتم وضعها أمام اللجنة ونشرها أمام الجمهور.

في انتظار ما ستقوله اللجنة التي شكلها رئيس الوزراء الفلسطيني, والذي لم يُحدّد مهلة زمنية لها لتقديم تقريرها/توصياتها/قراراتها, من المهم الإضاءة على بعض الحقائق التي كشفتها الصحافة الصهيونية, حيث لم نلحظ أي رد فعل أو توضيح فلسطيني على ما جاء فيها, ما يُنبئ بأن الصمت المُريب هذا نِتاج حرج أو تجاهل لمشاعر الجمهور الفلسطيني, الذي لم يتوقّف عن كيل المزيد من الإتهامات لما وصفه باستهتار السلطة بصحة المواطن الفلسطيني, عندما أقدمت على توقيع اتفاقية مع عدو خبيث, يقايض لقاحات تنتهي صلاحيتها بعد أسبوعين فقط (على ما قال الإعلام الصهيوني نفسه), خاصة – يقول النشطاء–أن إلغاء الصفقة «لا يعفي الحكومة الفلسطينية من مسؤولية قانونية وأخلاقية, للكشف عن الأشخاص الذين وقّعوا الصفقة ومُحاكمتهم».

مَوقع «N12» العبري.. نقل عن مسؤول كبير في وزارة الصحة الإسرائيلية قوله:» إن إسرائيل ستضطر إلى رمي عشرات الآلاف من اللقاحات في القمامة, وهي تبلغ مائة ألف لقاح تم إرسالها للسلطة الفلسطينية» وتنتهي صلاحياتها (في أواخر حزيران الجاري), وحسب المسؤول نفسه فإنه «يوجد الآن في إسرائيل مليون ومائة ألف جرعة من اللقاحات التي تنتهي صلاحياتها حتى نهاية تموز المقبل (كانت سترسلها إسرائيل إلى السلطة). في المقابل قالت صحيفة هآرتس: إن مداولات الصفقة تجري منذ عدّة أشهر بين وزارتي الصحة الإسرائيلية والفلسطينية, بوساطة مُنسّق شؤون الإحتلال في الأراضي المحتلة, وأن السلطة «عرَفتْ» بموعد إنتهاء صلاحيات اللقاحات قبل التوقيع على الصفقة, وأن إلغاء الصفقة تضيف هآرتس..جاء بعد الإنتقادات الشعبية». أما وزيرة الصحة الفلسطينية ميّ الكيلة فقالت: أن وزارتها «لم» تكن على علم مُسبق بأن مدّة صلاحية اللقاحات لدى الجانب الإسرائيلي «شارَفت» على الإنتهاء.

فأي جانب منهما يقول الحقيقة؟

وهل ثمَّة رِهان لدى أحد على أن لجنة التحقيق «المُستقِلة».. ستكشف الحقائق؟.

kharroub@jpf.com.jo