أول أمس كان علامة فارقة من عمر الدولة الأردنية، إذ ظهر المسؤول السابق والقوي باسم عوض الله مرتدياً لباس الموقوفين الأزرق وهو يدخل محكمة أمن الدولة يتبعه المتهم الثاني برفقة ضابط وشرطيان لمحاكمته بتهمة التآمر، هناك رأينا من كان يستطيع أن يبقى في المنصب لسنوات طويلة لو قدم خططاً ونظريات اقتصادية وسياسية تحمي الأردن وبنيته السياسية والاقتصادية ليتطور بشكل حقيقي ويحافظ على مؤسسات ومقدرات الوطن، وبين العسكري الذي لا يمتلك سوى رتبته وراتبه والذي نذر نفسه ليخدم أمن وطنه ومواطنيه دون منافسة زعامية أو تهديد لاستقرار منظومة الدولة ومثله كل العسكريين والأمنيين.

من هنا سندخل إلى رجال الدولة ومسؤوليها من ذوي الطبقات الهامة والياقات العالية رؤساء ووزراء وقادة وبينهم من تعرض للظلم جرّاء المنافسة غير الشريفة، ومنهم من تمتع حتى استوى عوده ثم غاب عن المشهد كلياً، وقد يكون قليل منهم قد استحب الإعتكاف خشية سهام النقد من الرأي العام وصام عن الكلام المباح وغير المباح، ولكن الأغلبية لاذوا بصمت مطبق ومن يتحرك منهم ينتظر اتصالاً ما قد يأتي ليعيدهم الى كرسي عشقوه ولم يخلصوا له، ومنهم من قرر مبكراً الطلاق البائن فذهب إلى بلاد بعيدة ليستمتع بما يعشق القلب.

هنا لا نحاكم أحداً بقدر ما نعتب على ترك هذا البلد لمصيره وكأنه واد يسيل الماء فيه حسب تعرجات الطبوغرافيا ومساقط المياه، فسنة يجري وسنين يجف، وكان لزاماً عليهم أن يقدموا خطابهم ودفاعهم عن الدولة التي صنعتهم ويقدموا أفكارهم ورؤاهم من تجاربهم الصائبة او الفاشلة، بغض النظر عن ظروفهم، ليعطوا رؤية للمستقبل السياسي والاقتصادي والاجتماعي لبلدهم ونظامهم وشعبهم الذي قدمهم وآثرهم على نفسه وهو يحملهم على الأكتاف وأقدامه تغوص في الطين.

هنا نرى عدد قليل من الرؤساء والمسؤولين الناشطين، منهم من يشبع الناس كلاماً مكرراً ومنهم من قدم كتاباً يحوي مذكراته عن حقبة مضت لم تعد مفيدة في البناء المستقبلي لأن الجيل الجديد من المسؤولين والشباب لم يترب على ثقافة القراءة للأسف، وأغلب المعلومات فيها مرافعات دفاعية ليس فيها أي معالجات للوضع الراهن، وليتهم جميعاً يقدمون لنا حقائق ووقائع تؤشر على مكامن الخطر وأين الأخطاء وماذا يجب أن نفعل لنتلافاها..

الانشقاق اليوم بات على ثلاثة محاور، سياسي واقتصادي واجتماعي، ورغم اجتماع لجنة تطوير المنظومة السياسية فإن الخلل واضح في عدم قبول عدد من الجمهور لأي طروحات أو تعديلات شكلية لا تصل إلى طموحاتهم، فبات أي تأخير يسبب مشكلة جديدة تفاقم مشاكلنا القديمة، خصوصاً عندما خرجت الحكومة والبرلمان من غرفة الاجتماعات النظرية، وبقيت الحكومة في المربع الاقتصادي الحرج في ظل المتغيرات الصعبة التي تواجه الاقتصاد العالمي واقتصادنا الرسمي الذي يعتمد على الإيرادات والمساعدات.

قبل خمسين عاماً قاد الشهيد وصفي التل الحكومة والبلد بكل اقتدار وتضحية رغم تواضع الإمكانات وقدم روحه في النهاية بعد ثلاثة حكومات خلدته تاريخياً، وكانت نظرياته الاجتماعية والاقتصادية مشعلا استنار به عمالقة الحكم الاقتصادي فيما بعد، ولم يحمل سلاحاً بل حمل فكراً مستشرفاً لمستقبل الدولة، ولكن اليوم لا نرى سوى أسماءً في السباق تشبه الألعاب النارية تضيء لحظة ثم تختفي، فهلّا خرج علينا رجال الدولة ليقدموا نظريات تعالجنا مما نحن فيه دون الحديث عن أنفسهم؟!

Royal430@hotmail.com