عبر مؤسس علم الاجتماع «ابن خلدون» عن ثقافة الابتكار والتجديد، معتمداً على المنهجية العلمية في تحليل التحولات الاجتماعية والتفاعل معها، وموفقاً بين عمق الأصالة ومحدثات الزمان، بفضل ما فيه من أسس الايجابية والتوازن والانفتاح. ولهذا فإن دعوة الإصلاح والتجديد التي نادى بها ابن خلدون، ما تزال ماثلة في منطلقات الجهود الإصلاحية والتجديد في المجتمع العربي المعاصر. فلقد قامت دعوة ابن خلدون الإصلاحية، من خلال استنطاق التاريخ، ليقول بدورة الحياة بالنسبة للدول كما هي بالنسبة للإنسان، تنمو وتقوى وترتفع، ثم تضعف وتهبط. ويدعو الأمم إلى اخذ العبرة من تاريخ الأمم التي سبقتها، حيث أن التاريخ في باطنه نظر وتحقيق، على نحو ما فعله «ميكافيلي» في «الامير» و «أوغسطين» في «مدينة الله» و«بودان» في كتابه «الجمهورية» ومونتسكيو في «فلسفة التاريخ». ولكن هذا لا يعني أن تاريخ الشعوب، مرسوم ترسيمة تاريخية كونيه سابقة على قيامها، مثلما أنه لا يوجد قدرية ثابتة للمجتمعات، وكما يقول «ابن خلدون» إن أعمال أهل المصر(البلاد) تستدعي بعضها بعضاً، لما في طبيعة العمران من التعاون وما يستدعي من الأعمال.

ويبقى السؤال الأهم في فلك التساؤلات الخلدونية المتواصلة، يدور على حفز الثقافة وتفعيلها في المجال العربي، حيث التوكيد على ملمح «الهوية» مقابل عنصر التهديد بالفناء، الذي كان يحاصر الأمة،فبعد أن خبا وانهار سلاحها الحضاري، بات من الجلي والأهم أن يتم الركون نحو ترسانتها الثقافية. ولعل ما هو مطلوب الآن في عصر العولمة وفي ظل الانفتاح العالمي الواسع،أن يعمل المثقفون والعلماء والخبراء العرب، كل في مجال عمله وميدان تخصصه على صياغة اجابة شافية وعلى بلورة تفسير واضح عن تلك التساؤلات والتي تصاحبها حيرة في صياغتها وبلورتها على نحو يتناسب مع مقتضيات العصر ويتفق مع شروط التعولم، تلك التي تتطلب الانفتاح والتفاعل، مثلما تقتضي التعاون والتفاعل بين الحضارات وبين الشعوب، والتي تستوجب وحدة الموقف العربي ليقوى ويؤثر في ارجاء العالم الحديث.

إن الهوية الثقافية ضمة من القيم والتصورات التي يتميز بها المجتمع، تبعاً لخصوصياته التاريخية والحضارية، وكل شعب من الشعوب البشرية ينتمي إلى ثقافة متميزة عن غيرها، وهي كيان يتطور باستمرار ويتأثر بالهويات الثقافية الأخرى فردية أو جماعية أو وطنية.

وهناك من يدعو إلى العولمة والأخذ بها، وفريق آخر يحذر من خطرها على هويتنا وثقافتنا والبعد عنها، والرفض المطلق للعولمة لن يُمكِّن الدول والمجتمعات من تجنب مخاطرها، كما أن القبول المطلق لها لن يمكنها من الاستفادة التامة منها.وهوالأمرالذي يتطلب صياغة استراتيجية عربية للتعامل مع التكنولوجيا الحديثة، وإعادة النظر فى المناهج الدراسية على نحو يهدف إلى تأصيل الملامح الحضارية فى الشخصية العربية، وتبني إعلام ناضج، قادر على أن يكون فاعلاً فى حوار الثقافات، مصونًا ضد أخطار العولمة، ومحافظًا على هوية الأمة وقيمها.

dfaisal77@hotmail.com