عمان - غدير سالم

ربما أصبح اضطراب تشوه الجسم أو وسواس التشوه الجسمي أكثر شيوعاً في العصر الحالي، نتيجة التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي على صورة الجسد وثقة الأشخاص بأنفسهم وبمظهرهم، ونتيجة انتشار أنماط قياسية للجمال فالعيوب البسيطة في شكل الوجه أو الجسد قد تسبب حالة من القلق والاضطراب المرضي لدى البعض، تتلوها محاولات كبيرة لتغيير الشكل أو إخفاء العيوب أو حتى الانعزال لعدم إظهار العيب الوهمي في الجسد.

مستشار العلاج النفسي الإنفعالي والعائلي الدكتور عبد الله الرعود يقول: إن اضطراب صورة الجسم أو تشوه صورة الجسم أو الفجوة في الصورة هو اضطراب ناتج عن تشوه في الصورة التي يكونها الشخص عن نفسه في جانب معين أو عدة جوانب وأجزاء متعددة من الجسم، ويرى فيها عيوب في شخصيته وانتقاص من الجانب الجمالي، وأنه مصدر واضح ومرئي للآخرين، بحيث يقوم المريض بالتدقيق والانشغال بهذا العيب أو النقص من وجهة نظره والتي قد تكون هذه العيوب غير موجودة أو طفيفة في مظهره وغير مرئية.

ويضيف الرعود: لكن الفرد يعمل على التدقيق على هذه الأجزاء وتفسيرها بطريقة خاطئة وتكوين أفكار ومعتقدات سلبية حولها، ثم المبالغة في تضخيم هذه السلبية وأحيانا تعميمها على بقية الأجزاء في الجسم، ويظهر هذا الاضطراب في مرحلة المراهقة ومرحلة بداية الرشد. وبعض الدراسات ذكرت ان هذا الاضطراب أكثر شيوعا عند الإناث لكن في الغالب هذا الاضطراب موجود عند كلا الجنسين الاناث والذكور.

ويبين: أن اسباب ظهور هذا الاضطراب هي العوامل الوراثية والاستعداد الوراثي، وهناك العوامل البيئية مثل التنشئة الاجتماعية الأسرية وأساليب التربية خاصة للأباء الذين لديهم اهتمام وانشغال زائد بأجسادهم، لذلك ينتقل الاضطراب عن طريق التعلم والتقليد، كذلك كثرة الانتقاد من قبل الاخرين حول جزء معين من الجسم مثل الأنف وتشوه الأذن أو الأسنان وتشوهات بارزة وواضحة عند البعض خاصة الانتقاد من قبل افراد الأسرة والرفاق قد يقوم الاشخاص بانتقاد جزء معين من الجسم بانه غير جذاب أو مشوه وغير مرغوب فيه.

ويتابع: معظم المصابين بهذا الاضطراب لا يدركون أنهم في الواقع طبيعيين (لذلك لديهم تشوه في ادراك صورة الجسم وتفسيرات خاطئة عن الجسم) قد تتكون بسبب التغذية الراجعة من الآخرين أو عن طريق المقارنات الذي يقوم بها الفرد بينه وبين الآخرين.

ويرى أن: الشخصية التي تعاني من هذا الاضطراب تكون في الغالب شخصية عصبية(قلقة) لديها درجة كبيرة من الحساسية وضعف الثقة بالنفس، وتدني مفهوم الذات وتقدير سيئ للذات واحترام الذات، وهي شخصية قابلة للإيحاء تتأثر بسرعة وحتى النظرة البسيطة تجعلها تفسر تفسيرات خاطئة مبالغ فيها وتعميم هذه النظرة والانشغال والتدقيق المبالغ فيه، كما أن الشخصية المثالية التي تسعى دوما الى الكمال من ضمن الشخصيات التي تعاني من هذا الاضطراب.

وعن أعراض الاضطراب النفسية يقول الرعود: هناك درجة عالية من القلق والتوتر والانشغال باجزاء الجسم، و الخوف والتردد من مقابلة الاخرين والابتعاد عن المواقف الاجتماعية (قلق اجتماعي)، عدا عن الانسحاب بشكل عام حسب درجة الاضطراب، ومحاولة اخفاء جوانب النقص لديه بأساليب ومواد وحتى لو لزم الامر مراجعة اطباء التجميل، وضعف الثقة بالنفس وتدني مفهوم الذات وعدم تقدير واحترام الذات، عدا عن تكون افكار ومعتقدات مشوهة مثل ان الناس يحدقون فيهم ويركزون على بعض الجوانب التي يشعر ان فيها النقص، و في الحالات المتوسطة والشديدة قد يظهر على الفرد اعراض جسدية مثل اضطراب القولون، احمرار الوجه، اللعثمة في الكلام والتأتأة، ازدياد ضربات القلب، ضيق في التنفس واعراض اخرى اكثر.

وينوه الرعود إلى أنه: قد يتطور المرض من حالة القلق الى الإكتئاب بحيث يصبح الفرد انطوائي، والأعراض قد تظهر بشكل تدريجي ومفاجئ وقد تختلف في شدتها من شخص لأخر وقد تتطور إلى حالات مزمنة إن لم يتم علاجها مبكراً، فالأجزاء التي ينشغل بها الشخص هي الأجزاء البارزة في الغالب الوجه والرأس في البداية، وقد تتطور الى أجزاء أخرى من تطور الاضطراب بحيث يرى كل اجزاء جسده مشوهة فمثلا قد يركز الفرد على حب الشباب، شعر الوجه والجسد الزائد، التجاعيد، نعومة الشعر وكثافته، حجم الاعضاء مثل الاذنين او الفم او الثدي والساقين.

ويضيف: وتنتشر بدرجة اكبر عند الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الاكل والرياضيين الذين يهتمون بشكل وبنية الجسد مثل العضلات، والبعض يلجأ الى مراقبة ذاته وجسده باستمرار عن طريق المرايا والميزان ومقاييس متعددة ويتطور لديهم وساوس قهرية حول الجسد ونظرة الناس اليهم عن طريق التجميل، والتغطية، ونتف الشعر للحصول على الطمأنينة والاستقرار النفسي.

ويتابع الرعود: علاج هذا الاضطراب يكون عن طريق العلاج الدوائي بواسطة الطبيب النفسي، و العلاج النفسي السلوكي المعرفي لتقدير صورة الجسم وزيادة الثقة بالنفس وتقدير الذات، والعلاج النفسي العائلي حتى يتعرف الأهل على الأثار النفسية للمرض وكيفية معالجتها.

أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي يقول: الشخص المصاب باضطراب تشوه صورة الجسم يكون لديه انشغال تام في واحد أو أكثر من العيوب غير الموجودة بالمظهر أو شكل الوجه أو في أحد أجزاء الجسم، وعادة يقضي المرضى المصابين بهذا الإضطراب ساعات من القلق بشأن عيوبهم التي يتصوروها أو التي تنطبع على أي جزء من الجسم.

وبين التميمي: إن أعراض هذا الإضطراب تظهر تدريجياً وبشكل مفاجئ وتختلف بدرجة الشدة، ويستمر هذا الاضطراب ما لم يعالج بشكل مناسب، لأن الأشخاص لا يلجأون للعلاج بسبب خجلهم من الذهاب للأطباء للحديث عن هذا الإضطراب، وهو يكون في أي جزء من الجسم وقد يكون في الوجه بالغالب او اي تصور لصورة الجسد، فيكون هناك صعوبة في السيطرة على مشاغلهم فيصبح هناك وسواس لديه فيقضي ساعات كل يوم حول العيوب التي يعتقد انها موجودة أو أن الأشخاص الآخرين ينظرون لها فيعتقد انه لديه مشكلة.

ويتابع: وعلى هذا الأساس الأشخاص الذين يعانون من هذا الإضطراب يقضون وقتاً كبيراً في تزيين أنفسهم أو تجميل انفسهم،أو الإخفاء بالمساحيق بالنسبة للإناث، أو الذكور بنتف البشرة أو ازالة الحبوب أو اي شيء ممكن أن يؤدي إلى شعورهم أو تصورهم بأن لديهم مشكلة، بالرغم من أن الأشخاص المصابين بهذا الإضطراب يشعرون بالوعي الذاتي حول مظهرهم فيتجنبوا الخروج في الأماكن العامة كالذهاب للعمل او المدرسة او المناسبات الإجتماعية.

وينوه التميمي الى أن الأسباب ربما تكون نفسية تتعلق بقلة الثقة بالنفس، او بصورة مشوهة للذات، إضافة لعوامل مرتبطة بالقلق والإكتئاب وهي العوامل البيوكيميائية او المرتبطة بمادة السيروتنين التي تؤدي إلى شعور الشخص بالتوتر والقلق والإنشغال التام بمثل هذه الأعراض.