هذا ما قرّره مع سبق الإصرار سعادة انطونيو غوتيرش/أمين عام الأمم المتحدة, الذي أصدر يوم أمس «قائمة العار/القائمة السوداء» التي تَصدر سنوياً (منذ العام/2002), بحق المنظمات والدول التي تتورّط في تجنيد واستغلال الأطفال, والعنف الجنسي ضدهم وقتلهم وتشويههم, والهجمات على المدارس أو المستشفيات ومهاجمة أو التهديد بمهاجمة الأفراد ذوي الحماية وخطف الأطفال».

إسرائيل ليست مَشمولة في قائمة المستر غوتيرش رغم كل المطالبات بإدراجها, خاصة أن دماء أطفال فلسطين في غزّة والضفة الغربية المحتلة ما تزال «طازجة» وثمَّة جثث وأشلاء لهم ما تزال تحت أنقاض بنايات ومساكن قطاع غزّة, وعشرات غيرهم يقبعون في سجون الإحتلال ومعتقلاته, شاهدهم العالَم بالصوت والصورة وأيديهم مُكبلة بالأصفاد البلاستيكية, تحيط بكل واحد منهم «كوكبة» مُدججة بالسلاح وأدوات التنكيل من قتلة الجيش «الأكثر أخلاقية في العالم».

كل ذلك القتل والقمع والتنكيل لا يُقنع مستر غوتيرش بإدراج دولة الإحتلال في قائمة العار, فيما يُسارع – ربما عن حق وغالباً عن غير حق – في إدراج دول وتنظيمات وِفق الرؤية الأميركية/الصهيونية ذات السياسات الإنتقائية, فيما هي ذاتها – الدول الإمبريالية – تغض الطرْف وتطمس انتهاكات الأنظمة/التنظيمات التي تدور في فلكها وتُنفذ سياساتها أو تخدمها في الآن ذاته.

69 طفلاً فلسطينياً شهيداً في قطاع غزّة والضفة الغربية (دع عنك 40 سيدة و17 مُسنّاً و8900 مصاباً) أشاح سعادة الأمين العام نظره عنهم, واعتبرهم مُجرد ضحايا حوادث عابرة لا يتوجّب وضع قاتليهم (وهم يتبعون دولة نووية/مُحتلة) على لائحة العار، خضوعاً وامتثالاً واستجابة بلا نقاش, لضغوط واشنطن/تل أبيب واللوبيات الصهيوأميركية, التي يخشى غوتيرش مُواجهتها خشية الإتهام بـ"معاداة السامية»، خاصّة أن «اثنين» من الأمناء العامّين السابقين تم التشهير بهم, ومطاردتهم وعزلهم أو استبعادهم. أولهما النمساوي المحترم كورت فالدهايم, الذ? لعب دوراً مهماً في صدور القرار التاريخي رقم 3379 عام 1975 والذي اعتبر «الصهيونية» شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العرقي والثاني هو المصري بطرس بطرس غالي, الذي رغم «إسهاماته» الكبيرة في الدعوة ثم الترويج والدفاع عن سياسات أنور السادات الإستسلامية تجاه إسرائيل, وصُلحه المُنفرد معها ومشاركته في زيارة القدس عندما كان وزيراً في حكومته، إلاّ أن إسرائيل/الولايات المتحدة/المعسكر الغربي, لم يغفروا له عندما كان أميناً عامّاً للأمم المتحدة, إدانته مجزرة «قانا", التي ارتكبتها إسرائيل عام 1996, عندما قصفت مقرّاً لقو?ت (اليونيفيل) لجأت إليه عائلات لبنانية وفلسطينية ما أسفر عن استشهاد 106 من المدنيّين.

فشنّوا حملة تشهير شعواء ضدّه، ولم يوافقوا على التجديد له (رغم اعتبار التجديد لولاية ثانية تقليداً راسخاً في المنظمة الدولية), فذهب «وقتذاك» بطرس غالي إلى صحراء الدبلوماسية والسياسية.

هل هذا هو «السبب» الذي دفع بسليل ثورة القرنفل البرتغالية (25 نيسان 9741) التي أطاحت الديكتاتورية الفاشية ووضعت حدّاً للإستعمار البرتغالي لدول عديدة, وأحد أبرز رؤساء حكومات البرتغال, لعدم وضع إسرائيل على قائمة العار؟.

ربما خصوصاً أن إعداد القائمة تزامن مع «مشاورات/مناورات» التجديد للأمين العام, ولهذا اكتفى سعادته بـ«حثّ اسرائيل على (مراجعة) وتعزيز الإجراءات, لمنع أي استخدام (مُفرط) للقوة، ولضمان عدم استخدام القوة إلاّ (عند الضرورة) و(تقليل) آثار عمليات قواتها على الأطفال».

لُغة مغسولة ومُتواطئة ومُنافقة.. لا تليق بمن هو في موقع المُؤتمَن على «ميثاق» مُنظمة فقدت منذ وقت طويل صِدقيتها, وباتت ألعوبة في يد دولة المَقرّ, خادمة لسياساتها العدوانية, ما ألحق بها «العار» وأفقدها دورها ومَكانتها.

kharroub@jpf.com.jo