الدولة الأردنية الحديثة تعبر إلى مئويتها الثانية، بعد أن حققت في العقود الأولى من عمرها إنجازات تدخل في باب المعجزات، إذا ماقورنت بإمكانياتها المادية، لذلك فإن مناسبة المئوية الأولى لدولتنا, توفر لنا فرصة تاريخية لا يجوز أن نضيعها من خلال وقوفنا عند حدود التغني, كما لا يجوز أن نسمح للبعض بأن يحولها إلى مناسبة للتكسب, بل علينا أن نجعلها محطة للمراجعة والتقييم والتقويم, لنعرف من خلالها أين نجحنا وكيف؟ وأين أخفقنا ولماذا؟ فنعظم الأولى بأن نفكر كيف نراكم على ما حققه الأباء والأجداد من إنجازات, ونعالج الثانية ?تى لا نكرر إخفاقاتنا وهذه أول مزايا الشعوب الحية.

إن من الحقائق المعروفة أن الدولة الأردنية الحديثة قامت على الإيمان بفلسفة التطور التدريجي والطبيعي، الذي قام على المزاوجة بين علوم العصر وقيم المجتمع والمزج بينهما بحذق شديد، فصارت الإدارة العامة الأردنية مصنعاً حقيقياً للقيادات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان جل رجالها من الذين تخرجوا من أهم جامعات العالم العربية والعالمية، ثم مزجوا ما تعلموه بقيم مجتمعهم ليطوروه دون استعجال، فمن رحم هذه الإدارة جاء إبراهيم هاشم, وسمير الرفاعي الجد, وهزاع المجالي, ووصفي التل, وأحمد الطراونة, ثم زيد الرفاعي, ومضر بد?ان, وأحمد عبيدات, وطاهر المصري, وكل منهم ساهم ببناء مداميك الدولة الأردنية وتطورها التدريجي الذي صار مدرسة في المنطقة, دون الأخذ بأساليب الثورات والإنقلابات وهي أساليب لا تقتصر على الإنقلابات العسكرية، بل تمتد إلى محاولات نزع المجتمعات من سياقها الحضاري بمكوناته الجغرافية والاجتماعية والثقافية، فتكون النتيجة خراباً نلمس بعض آثاره في جوانب مختلفة من حياتنا، جراء استعجال بعض الحكومات الأردنية المتأخرة في تطبيق نظريات بهرت أضواؤها رؤساء ووزراء هذه الحكومات، فحاولوا خلع مجتمعنا من سياقه تحت مسميات مختلفة، آخره? النهضة وعقدها الاجتماعي، لذلك فإن الأردنيين يأملون أن تكون أولى أولوياتنا أن نعيد مسيرة تطور دولتنا إلى سياقها الطبيعي والتدريجي والمتوازن، والقائم على المزج بين علوم العصر والثقافة الأصيلة لهذه الأمة, فما يصلح في السويد من نظريات تربوية وإعلامية, ليس بالضرورة صالح لنا, ففرق هائل بين أخذ العلوم المخبرية من طب وهندسة وتوطينها بلغتنا الأم, والأخذ بنظريات العلوم الإنسانية وتطبيقها رغم أنف سياقنا الثقافي والحضاري.

Bilal.tall@yahoo.com