تتعدد صور وأشكال الحكومات البرلمانية تبعا لمستوى الديمقراطية النيابية، فهناك من يرى أن إلزام كل حكومة جديدة تؤلف بأن تقدم بيانا وزاريا إلى مجلس النواب للحصول على ثقة أعضائه هو شكل من أشكال الحكومات البرلمانية، في حين يذهب البعض إلى القول إن اخضاع الحكومات إلى رقابة مجلس النواب وإمكانية طرح الثقة بها هو مظهر آخر من مظاهر الحكومة البرلمانية.

إن هذه الأحكام قد كرسها الدستور الأردني بنصوص واضحة وصريحة، وقد جرى عليها تعديلات دستورية في عام 2011 جعلت تقديم البيان الوزاري واجبا على كل حكومة جديدة، بحيث لم يعد بإمكانها أن تتستر خلف خطبة العرش واعتبارها بيانا وزاريا لها.

أما تحديث المنظومة السياسية التي أمر بها جلالة الملك، فتسعى إلى تجسيد أسمى أشكال الحكومات البرلمانية والتي تتمثل بأن ينتخب أفراد الشعب نوابه في انتخابات حرة ونزيهة وعلى أساس حزبي، وأن تؤدي نتائج هذه الانتخابات إلى تشكيل حكومة من الحزب الفائز، أو على الأقل من ائتلاف أغلبية حزبية تمارس الحكم كسلطة تنفيذية.

إن تعريف الفقه الدستوري للحكومة البرلمانية يتضمن ثلاثة عناصر مجتمعة، أولها وجود برلمان منتخب انتخابا حرا ونزيها يمثل كافة أطياف المجتمع، وثانيها أن يفوز حزب سياسي في الانتخابات فيشكل حكومة بمفرده أو بالاشتراك مع أحزاب سياسية أخرى لتشكيل حكومة ائتلاف، وثالثها أن يشكل الحزب الخاسر في الانتخابات حكومة موازية للحكومة البرلمانية تسمى حكومة الظل، تسعى لمراقبة أداء الحكومة البرلمانية ومعارضتها بهدف الوصول إلى الحكم. فيتحقق بذلك التداول السلمي للسلطة بين الأحزاب السياسية.

إن الدستور الأردني بحلته الحالية يتضمن أساسا مباشرا لتشكيل الحكومات البرلمانية. فالمادة (52) منه تنص بالقول على أنه يحق لرئيس الوزراء أو للوزير الذي يكون عضوا في أحد مجلسي الأعيان والنواب التصويت في مجلسه وحق الكلام في كلا المجلسين. فهذا الحكم الدستوري الذي جرى الاستفادة منه في السابق من أجل «توزير النواب والأعيان»، هو ذاته الذي سيسمح للنائب المنتخب أن يتم اختياره عضوا في الحكومة التي شكلها الحزب السياسي الذي ينتمي إليه.

فالحكومة البرلمانية قائمة على أساس أن التمثيل في السلطة التشريعية هو شرط أساسي للعضوية في السلطة التنفيذية. فالوزير يُنتخب ابتداء إلى مجلس النواب ومن ثم يمكن أن يتم اختياره في مجلس الوزراء، بحيث يترتب على زوال الصفة التشريعية عنه فقدانه الوظيفة التنفيذية حكما.

إن الحكومة البرلمانية التي نسعى إلى تطبيقها هي ليست مجرد الحكومة التي تحصل على ثقة مجلس النواب وتبقى محافظة عليها، وإنما هي الحكومة التي تنبثق عن حزب الأغلبية أو ائتلاف الأغلبية الحزبية.

ويبقى الانتقاد الموجه إلى المادة (35) من الدستور بأنها لا تقيد جلالة الملك باختيار رئيس الحزب الفائز في الانتخابات قولا في غير محله. فالحكومة البرلمانية كنهج حكم دستوري تفرض نفسها على صلاحيات الملك في ما يتعلق بشخصية رئيس الوزراء، فهو سيقوم بتكليف رئيس الحزب السياسي الفائز أو رئيس ائتلاف الأغلبية دون غيره، والسبب في ذلك أن «الغير» لن يكون بمقدوره الحصول على الثقة المطلوبة من مجلس النواب.

أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

laith@lawyer.com