في رواية «آل نتانياهو» التي نشرت في الولايات المتحدة وتدور أحداثها حول بن صهيون والد بنيامين نتانياهو رئيس وزراء الاحتلال السابق، الأستاذ والباحث في جامعة كورنيل، والمتخصص في تاريخ اليهود والقرون الوسيطة، تتقاطع خطوط الخيال مع الواقع، وعلى صفحات الرواية ترتسم معالم الوعي اليهودي وتأثره بالشتات والتقلبات السياسية والاجتماعية في الغرب وصولا الى المحرقة والانتداب البريطاني على فلسطين، وبين سطور هذه القصة يرسل الكاتب الأميركي «كوهين» اشارات سبقها له إرنست رينان تحاول الإجابة عن سؤال: كيف تتشكل الأمم؟.

تتقارب الجماعات مع بعضها بعوامل وحدة كثيرة، كاللغة والدين ووحدة العرق ومواقع السكن الجغرافية والعلاقات الاجتماعية كالنسب مثلاً، لكنها لا تحول بوجودها هذه الجماعات الى أمة واحدة، ولا بانعدامها تنفي صفة الامة عنها كذلك، والامثلة على ذلك كثيرة كالأمة الفرنسية التي لا يوحدها الدين، أو كحالة بلجيكا التي تمتلك ثلاث لغات رسمية، والاميركان الذين لا يجمعهم عرق واحد. فعوامل الوحدة التي سلف ذكرها تساعد على تقارب الناس مع بعضهم وتعمل على تسهيل التواصل فيما بينهم لكنها لا تجعل منهم أمة تسعى للبقاء، وكما يتقاطع الخيال م? الواقع في الروايات يفعل كذلك في ذاكرة الشعوب الجمعية ليوجد تصورات واحدة تبرز وترفع قيمة تحولات تاريخية وتخفي وتطمس غيرها، لتمنح هذه الجماعات تفسيرات جامعة للماضي المشترك تنسجم مع فكرة ثنائية الوطن-الامة المخصوص لهـذه الجماعة فقط، ليتشكل من هذا وعي الأمم بوجودها ووحدتها، ويكون منطلقًا لنظرتها وتفسيراتها للعالم وأحداثه من حولها.

وهذا ما يفعله الصهاينة في دولة الاحتلال، اذ يبرزون وجودهم المحدود زمنيا وجغرافيا على أرض فلسطين كحدث مفصلي هام، ويشكلون ذاكرة جمعية لقومهم تعتمد على محكيات الشتات والمحرقة وعقدة الامن والاضطهاد التي لم يعان أكثرهم منها، وعلى هذه الأسس الفكرية يبنون هويتهم التي يخاطبون أنفسهم والعالم بأدواتها ومفرداتها.

وعلى النقيض من ذلك، تتجه شعوبنا الى احياء الهويات الفرعية، والذكريات والتجارب المحدودة جغرافيا والمحصورة بفئات معينة بمناطق وجود جغرافي وزمني محددة، وتبتعد عن الهوية الجامعة المنبثقة عن عقل جمعي واحد والمنبعثة من ذاكرة جامعة ومنظومة أفكار توحد الجميع، مع أن الواجب أن تسرد قصتها معتمدة على تذويب الهويات الفرعية في محكية جامعة تروي التاريخ بمفرداتها الخاصة لتمتلك أدوات التخطيط لمستقبلها.

الدعوة لخلق وعي الشعوب بذاتها يحتاج الى نخبة تتمتع بحاضنة اجتماعية تتجاوز اشكالية الفروق الطبقية الاجتماعية ومصالحها الضيقة تمنحها القوة الدافعة اللازمة لها للتغيير وتجاوز التحالفات السياسية والاقتصادية القائمة.

أي على هذه النخب أن تولد من رحم المجتمعات بتفاعل أفرادها ايجاباً مع التحديات التي يواجهها الناس وتزويدهم بتفسيرات لماضيهم المشترك وأمل لمستقبلهم المشترك، إما بإسنادهم ماديًا ومعنويًا أو بتوجيههم وتنظيم تحركاتهم الشعبية، وتقديم خطط عمل مدروسة لرسم ملامح المستقبل وتجاوز الاخطار ومكامن الخلل وسبل التغلب عليها وتصحيحها، وضرب المثال بالتضحية في سبيل مصلحة الامة والوطن.

Saifalrawashdeh0@gmail.com