صحيح أن وفاة «أبو خالد الفناطسة» مؤسس ورئيس فرقة معان للتراث، هي النهاية المحتومة على الإنسان بالموت ومفارقة الأهل والأحبة، لكننا في بعض حالات الغياب كما في حالة أيقونة الوطن أبا خالد، نجد أننا ملزمون بالتوقف عند مزايا ضافية أو إضافية عن الغير استودعها الله في شخصيته التي استحوذت انتباه الناس من مختلف مستوياتهم حزنًا وتأثرًا برحيله، ذلك أن تقبّل فكرة غياب بعض الأسماء من الحياة هي مسألة غاية في الصعوبة، فليس كل فرد يمر اسمه امامك أو على مسمعك وتتوقف عنده، أو تحمل قلمك لتكتب عنه وليست الكتابة هنا والميل لمديح الرجل تزلّفًا، بقدر ما هي ترتبط بالإرث الخالد الذي تركه خلفه ألا وهو إرث «الحب الصادق».
يغيب «أبو خالد» الذي صدح بأغان وطنية ما زال صداها يرنّ في آذاننا وهو ينشد بحضور الحسين الراحل ويقول «أبو عبدالله يا كوم الذهب الأصفر يــ اللي قلوب العِدا منك بــ تتحسر» فيتفاعل معه الحسين ويبتسم والجمهور غاية في البهجة والفرح، ويختال على خشبة المسارح متنقلًا بين مدن ومحافظات وألوية المملكة، مدفوعاً بصادق انتمائه وإخلاصه للعرش المفدى، يوم كانت الأغنية الوطنية مفعمة بالمشاعر ومعاني الكلمات التي يكتبها المخلصون ويؤديها المخلصون دون حسبة تجارية كم سيكون المردود منها، ولعلّ هذا السبب الذي جعل تلك الأغاني ما زالت حاضرة فينا ويغلب علينا الترنّم بترديدها بين حين وحين.
من أين لك كل هذا الحب؟ وكيف جمعتَ قلوب الناس على امتداد مساحات المملكة على محبتك؟ ولعمرك أنني ما وددت الكتابة عن الحزن برحيلك بقدر ما كنت ميّالاً للعزف على أوتار الحب العظيم الذي بان وأحسب أنك كنتَ تعرف حجمه في حياتك، ولعمري أنك حِزت ذلك الحب بمقدار خِفّة ظِلك وعذب فكاهتك وسحر ابتسامتك المنبعثة من صميم قلبك وتلقاء نفسك فكانت تأتي منك عفوية وبنت ساعتها، وهكذا عرفك الناس ولهذا أحبّوك ولذلك حزنوا على رحيلك، وراحوا ينعوك ويستذكرون نُبل خِصالك، وإن كانت الكلمات قليلة فلأننا نستغني بالكلام القليل ونلوذ به أحيانًا عن الشرح والتطويل.
يموت «أبو خالد» فنكتشف أن في قلوبنا متسع للحب بعد، وأن منغّصات الحياة وتقلّباتها لم تتمكن من انتزاع هذه الصفة منا، بل إنها باقية ولكنها تحجم عن البوح إلا لمن هو أهل لها، حتى وإن طواه الموت وأصبح وراء الأفق وتوسّد الثرى، فالحضور في القلب والوجدان في حالات، يصبح لربما أكثر اتضاحًا من الحضور أمام النظر، وهكذا تقدّم الفناطسة ما يمكن أن نكتب عنه من موضوعات وقضايا فجاء في الطليعة، وحُقّ له ذلك، كيف لا وهو شخصية أردنية عظيمة في تكويناتها التي اختلطت بها عناصر قوة متآلفة، فكان رحيله رحيل الفارس الشجاع الذي تميز بالانتماء الصادق المخلص لوطنه فبذل في خدمته وفق ما وجدَ نفسه أنه قادر على فعله.