عمان - شروق العصفور

في سياق احتفال الأردنيين بمرور مئة عام على تأسيس أولى البنى الإدارية والسياسية والثقافية في مشروع دولتهم الحديثة، تحتفي «الرأي» برموز الإبداع والوعي الذين أضاءوا بقناديلهم دروب المسيرة، وأسهموا بنتاجاتهم في صياغة الوجدان، ودوّنوا بإبداعهم على صفحة هذا الوطن سيرته وسرديته.

وتقدم هذه الزاوية على مدار العام تعريفا بشخصيات إبداعية تركت منجزاتها بصمات واضحة في التاريخ الحديث.

عبده موسى..

رائد الفن والغناء الأردني

صادف يوم أمس الذكرى الرابعة والثلاثون لرحيل رائد الفن والغناء، الفنان الأردني عبده موسى، الذي يعد من أبرز الفنانين الذين انفردوا في العزف على آلة الربابة وأسهموا في نشر الفن والغناء الأردني عربيا وعالميا.

قبل 34 عاما رحل الفنان عبده موسى عن عمر لم يتجاوز الخمسين عاما، حيث ولد في إربد عام 1927 وتوفي عام 1977، وكانت أغانيه تبث في الناس المشاعر الوطنية والعاطفية. تفتحت موهبة عبده موسى منذ الصغر؛ والتحق بالإذاعة عام 1958، وشارك في العديد من البرامج؛ وأبرزها «مضافة أبو محمود» الذي يعد من أشهر البرامج في تلك الفترة.

اكتشفه رئيس الوزراء الراحل هزاع المجالي وعيّنه بالاذاعة الإردنية عام 1958 حين كان مقرها في رام الله، وكان ذلك مفاجأة للجميع كما يذكر د.محمد غوانمة في كتابه «عبده موسى رائدا ومبدعا».

غنى عبده موسى العديد من الأغاني الشعبية والوطنية التي لاقت نجاحا، وتنقل منذ طفولته في الريف والبادية ما مكنه من معايشة العادات والتقاليد البدوية وغناء الهجيني والشروقي. كان عبده موسى فنانا توّاقا للتجديد ولاكتشاف مساحات فنّية متنوعة، لذا اتجه إلى أداء الثنائيات مع آخرين، وبسبب شهرته ونجوميّته، إلى جانب تواضعه ودماثته، كان الفنانون يتزاحمون على أداء الأغاني معه، لمحبتهم له، ولكي يختصروا الكثير من الخطوات اللازمة للوصول إلى الشهرة المطلوبة، فالغناء إلى جانب النجوم في ذلك الوقت كان الطريق الأسهل للشهرة.

وبالفعل؛ أدّى عبده موسى مع العديد من الفنانات الأردنيّات والعربيّات مجموعة من الحوارات الغنائيّة والثنائيّات التي ما تزال تتردد ويُعاد تسجيلها وتوزيعها حتى يومنا هذا. ومن تلك الأسماء التي أدت الثنائيات مع عبده موسى: سلوى، هيام يونس، غادة محمود، سهام شمّاس، وسهام الصفدي. ومن الثنائيات التي اشتهرت في ذلك الوقت وحتى يومنا هذا: «يا طير يلي طاير»، «سافر يا حبيبي وارجع»، «جدّلي يا أم الجدايل»، «لاطلع ع راس الجبل»، «ردّي شاليشك».

في عام 1973 تم تصوير الجزء الثاني من مسلسل «صح النوم» الشهير من بطولة الفنان السوري الكبير دريد لحّام، الذي جاء بدوره إلى مقر الإذاعة الأردنية طالبا لقاء الفنان عبده موسى، وكان دريد لحّام من المعجبين بعبده موسى وأغانيه، ونظرا لانتشار أغنية «يا عنيّد يا يابا» في سوريا، فقد قرر دريد لحام أن يستأذن عبده موسى لأداء هذه الأغنية في الجزء الثاني من المسلسل. ويصف دريد لحام عبده موسى حين التقى به بأنه كان ذا شخصيّة كريمة ومتواضعة ومتعاونة، وسرعان ما وافق على طلبه، و بدوره أراد لحام أن يقابل الطْيب بالطيب فدعا عبده موسى ليكون ضيف شرفٍ على المسلسل الذي تم تصويره في الأردن.

أبدع عبده موسى بالعزف على الربابة بالفطرة، وقدم فيها أجمل الألحان المتنوعة من الأغاني الشعبية والوطنية والبدوية والفولكلورية، إلى جانب تقديمه الألحان الموسيقية للعديد من المطربين رغم أنه لم يتعلم الموسيقى.

تَوّج عبده موسى حياته الفنية بالتحاقه بفرقة الفنون الشعبية الأردنية في عام 1967، وأقام معها العديد من العروض الموسيقية داخل الأردن وخارجه، وكانت أولى حفلاته في العاصمة البريطانيّة لندن على مسرح «ألبرت هول» الشهير، وأصبح عبده موسى أول عازف ربابة يؤدي حفلاً رفقة الربابة على هذا المسرح، وتزامن حفله هناك مع حفلٍ للفنان المصري عبدالحليم حافظ الذي بادر إلى تقديم عبده موسى للجمهور بعبارات الإعجاب والثناء على موهبته ومكانته وشهرته. وبعد نجاح هذا الحفل التاريخي في لندن انهالت الدعوات من جهات مختلفة لكي يحيي عبده موسى فيها عروضا موسيقيةً برفقة فرقة الفنون الشعبية الأردنية، فأقامت الفرقة جولات فنية متعددة شملت دولاً كثيرة منها: ألمانيا، ورومانيا، وتونس، والمغرب، وعُمان، والبحرين، والإمارات، وتركيا، والعراق، وسوريا، ولبنان.

كان الفنان عبده موسى سفيرا للأغنية الأردنية، ونال العديد من الجوائز والأوسمة تقديرا لعطائه، من أهمها: أحسن مطرب وعازف على آلة الربابة في مهرجان تونس عام 1971، وجائزة الدولة التقديرية لعام 1996.