في المقالين الأخيرين أقر بأنني استفززت كثيراً من الأخوة والأخوات حول تعليقي على المكرمين بمناسبة المئوية الأولى للأردن الهاشمي. وقد تجرأت فذكرت أسماء لأبناء من الوطن وبناته شعرت بأنهم يستحقون التكريم، ولكن أسماءهم غابت عن ذاكرة الذين اقترحوا الأسماء. وقد وقعت في شَرَك نصبته لنفسي دون إدراك حين استبدلت اسم السيد عدنان عبيدات باسم جمال عبيدات. ولقيت عتاباً استحقه. وكذلك لامني أناس آخرون على اغفالي بعض الأسماء، وشكرني آخرون على ذكر بعضها.

وقد تلقيت أكثر من مائة هاتف، وعلى الأقل مائة رسالة عبر وسائل الاتصال الالكتروني، وملاحظات من أناس قابلتهم وجهاً لوجه. وأخذت أقلب الملاحظات التي وصلتني واتمعن فيها، حتى قادني التفكير إلى خلفيتي الرياضية (الرياضيات). ولي أشقاء درسوا الهندسة وكانوا مبدعين بالرياضيات، وكذلك كان أبناؤهم، وحتى أخي الطبيب د.عبدالرحمن يتمتع بطاقة عالية جداً في هذا المضمار. وقد عقدت حلقة نقاش معهم قبل كتابة هذا المقال حول مفهوم الأبعاد الستة (six dimensions).

ومن حصيلة النقاش أريد أن أشارك القراء أفكاري وتحليلاتي حول مواقف الناس وأفكارهم حيال الوطن. وليس القصد من هذا التحليل سوى تقديم نموذج يمكن الاستعانه به للتعمق في فهم المجتمع الذي نعيش فيه، والوطن الذي على أرضه نحيا وتحت ترابه قد ندفن.

قبل أن ندخل في الأبعاد، فإن أصغر تحديد لمكان أو وجود هو النقطة. فالنقطة هي الصورة المايكروية الصغرى التي تقول لنا أين نحن، وكيف نرى العالم. والنقطة قد تكون سابحة في عالم الملكوت في أي مكان، وقد تكون نقطة تقاطع بين خطين على الأقل. فهل منا من يرى العالم نقطة ثابتة محددة؟ إن المتعصبين قد يكونون أقرب الناس من هذا المفهوم.

والخط هو البعد الأول والذي يصل بين نقطتين. وكثير من الناس يرى العالم كأنه خط، هذا مفهوم استاتيكي مريح، وليس فيه ديناميكا ولا ميكانيكا. بعض الناس يرون الحياة مثل أهل الكهف حيث يتكرر نفس المشهد الثابت، ولا يَدَعون فكرهم يبارح ذلك البعد.

وإذا ذهبنا إلى هندسة «إقليدس»، فالبعد الثاني هو المسطح والذي يشكل مساحة ضمن ثلاثة خطوط على الأقل أو أربعة أو أكثر. وبعض الناس يتعاملون مع حقائق الحياة فيه وكأنه لا عمق في الوجود، بل هو مجرد مسطح أو مساحة ممتدة ويحددون شكلها وقيمتها من البعد الاقليدي. المساحة هي طول مضروبة في عرض، وهذا هو أقصى التصور الذي يمكن أن يصلوا إليه.

ولكن الهندسة الفراغية، أو هندسة الحجوم، تعطينا البعد الثالث، وهو الذي يشكل مع جانبي الطول والعرض الحجم (volume). وهنا تصبح للأشياء أجسام ثلاثية الأبعاد تشبه ما نراه بأم أعيننا، والناس الذين نتعامل معهم، ونعيش إلى جوارهم، ونتزوج منهم هم أجسام ثلاثية متحركة. والكثرة من الناس تقف عند هذا الحد، وتعيش متعاملة مع هذه الكينونات الجسدية باعتبار الزمان ساكناً لا يتغير.

ولكن المفهوم الديناميكي يضيف البعد الرابع، وهو الزمن، فالأجسام والأشكال الثلاثية تتفاوت مع الزمن، ولا يمكن أن نتحدث عن التغيير وضروراته دون أن ندرك مفهوم الزمن وما يفعله بالبعد الثالث شكلاًوحجماً واستقراراً أو قلقاً. وفي رواية ه. ج. ويلز (آلة الزمان)، نرى بطل الأقصوصة يركب آله للزمن، فيصل إلى عالم بعيد في المستقبل يعيش فيه قلة مرفهة خائفة فوق سطح الأرض (الإلويت) وأناس وحوش مستعبدون يعيشون تحت الأرض (وورلوكس). ولكن بطل القصة يكتشف أن آلة الزمان لم تبرح مكانها وأن التغير حصل على نفس المكان عبر الزمن.

وأما البعد الخامس فهو ما بَحَثَ فيه البرت انيشتاين وهو تغير الزمان والمكان. وفي رأيه أن الزمان ليس موجوداً بل هو حصيلة تغير مكان (الأرض) مقابل تغير في نجمة (الشمس). وكلاهما يدور. والزمان والمكان يتغيران. ولو ركب انسان مركبة فضائية بسرعة الضوء إلى كوكب يبعد عن الأرض سنة ضوئية. فإنه عند عودته للأرض يكون أخوه التوأم قد كبر سبعين عاماً بينما لم يتغير شكل المسافر في الفضاء إلا قليلا، وهنا نُدخل على البعد الخامس ديناميكية الزمان والمكان معاً. ومن هذا التصور جاءت نظرية النسبية.

كثير من الأردنيين عندما تحدثهم عن سبب غياب التخطيط في الأردن، وهل نحن بحاجة إليه، سترى أن الاجابات تقع تحت ثلاثة عناوين. العنوان الأول ينادي بوجوب العودة للتخطيط حتى تكون قراراتنا عابرة للحكومات، وللمزاجات، وللأهواء، والمصالح.

والعنوان الثاني لا يؤمن بالتخطيط لأننا بطبعنا لا نتقيد به، وأننا سرعان ما نُسْتَغْرَق في قضايا طارئة تنسينا ما كنا خططنا له.

وعنوان ثالث يقول لك نعم نريد أن نضع استراتيجية طويلة الأمد نحدد فيها النهايات والأهداف الأخيرة التي نسعى للوصول إليها، ولكن ندخل عليها التغيرات والتطورات غير المحسوبة مستفيدين من دروس الماضي، ومتأملين في المستقبل وما يحمله لنا من وعد ووعيد.

وينطبق هذا التحليل على مواقفنا لعمليات ومساعي الإصلاح، أو التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أو إعادة صياغة الدستور. وقد وضعت عبر تاريخ الأردن وثائق ودراسات كثيرة من أجل الاستعداد للمستقبل والأجيال. ولقد كانت جملة «ترضى عنه الأجيال القادمة» تتردد كثيراً على لسان الملك عبدالله المؤسس والملك الحسين الباني (غفر الله لهما)، أي أن تفكيرهما يمتد عبر الزمن للمستقبل، وكلاهما كان حريصاً بالفطرة على أن تذكره الأجيال القادمة بالرضا. ونظرة ملك يعمل في هذا الموقع طول حياته وهو يعلم أن أبنه سيرثه من بعده تختلف عن نظرة رئيس جمهورية منتخب لا يدري من سيأتي بعده. ولذلك نرى أن الأردن الذي كان حكمه الملكي عمودياً يسعى للتفكير عبر الزمان والمكان. والمكان يبقى لا يتحرك ولكن ما يظهر عليه من ملامح العمران أو الهدم هو الذي يتغير عبر الزمان.

خطابات الملك المؤسس وكتبه كانت فلسفية النزعة، وتتحدث عن مخطط طموح لبناء دولة عربية موحدة. ولم يفارق هذا الحلم الملك الراحل الحسين، وأن قَبِلَ في ظروف معينة ابتلاءات تغيير المكان إما بسبب الحرب أو بسبب الضغوط الخارجية.

ونحن في الأردن نتفاوت في نظرتنا من وقت إلى آخر لأنفسنا كأردنيين، وأحياناً حتى كأردنيين نحصر المفهوم فيمن ولد عن سابع جد في أرضه، وأحياناً نرى أنفسنا موطناً عربياً يسع الجميع. وهذا التفاوت في النظرة كان في معظمه نتيجة ظروف خارجة عن إرادتنا، أو لأنها تعطي فرصة لأصحاب الفكر المحصور في النقطة أو البعد الأول أو البعد الثاني على أبعد حد فرصة للكسب.

والملك عبدالله الثاني الحفيد الثاني للملك المؤسس، والجيل الرابع من ملوك بني هاشم، يحيا في زمان يريد فيه أن يرى الأردن يمتد عبر الزمان بدون جغرافيا، بل بالبعد السادس.

يقول لنا علماء الفضاء، إنك لو أخذت أبعاد اقليدس لستة أشياء، فإنها سَتُكَوِّن مع بعضها عالماً يشبه الفضاء الخارجي. ولو أُتيح لامرئ أن يكون خارج الأرض في الفضاء ونظر إلى الأرض بأبعادها كلها، فماذا سيرى؟ ما هو العالم الذي يقع خارج إطار عوالمنا الصغيرة؟ إنه الفرص والقدرات التي تمكنك من أن تسبح في الفضاء، وتتصل مع أجزاء أخرى من الأرض بالفكر، والعقل، والابداع. إن البعد السادس هو الذي يسخر الأبعاد كلها لتحقيق المعجزات والقدرات الخلاقة.

أصحاب نظرة النقطة لا يستطيعون تقديم الكثير لأوطانهم أو للآخرين. وهم يعيشون في نقطة محدودة ضيقة يرون كل الدنيا فيها، ولذلك لا يحدث هؤلاء أثراً على غيرهم، بل يموتون دون أن يكونوا قد عاشوا ليوم واحد.

وأصحاب البعد الأول يرون الحياة خطاً محدوداً، يراوحون بين أقصى نقطتين فيه، ولا يقدرون على صناعة أو انجاز شيء بل هم مستغرقون في ذلك الخط الذي يفصلهم في حقيقته عن باقي الدنيا.

وأهل البعد الثاني هم الذين يرون المساحات بأشكال مختلفة، ولكنهم لا يميزون بين القريب والبعيد، ولا بين ثلاثي الأضلاع أو رباعيه، ويحسبون أن شكل العالم يتحدد بالمساحة التي يقيمون عليها. وعندهم بعض المرونة في التفكير، وقد يصنعون فناً ثنائي الأبعاد له جمالياته، ولكن الناس فيه كلهم متشابهون متساوون.

وأما أهل البعد الثالث، فهم أولئك الذين يرون الحياة مجسدات لها ملامحها وخواصها. فهي أجسام متحركة ذات طول وعرض وارتفاع، وتتفاعل مع بعضها البعض، ولكن هويتها الذاتية مهمة لها، وتنزع إلى الهويات الفرعية أكثر ما تنزع إلى الهويات الجامعة. فالعالم لا يتغير كثيراً في منظورها، والزمان بالنسبة لها ساكن أو استاتيكي، أو إن تحرك فهو ينزع يميناً وشمالاً ولكنه يبقى في كل الأحوال مكانه.

وأصحاب البعد الرابع ديناميكيون، وينتقلون من المفهوم القيمي للأشخاص أو الأشياء إلى مفهوم المساهمة الاضافية للناس والأشياء. ولا يكتفون بالقول ماذا عند فلان بل يسألون عما صنع فلان بما عنده. وهؤلاء مثل قصة بطلها يحاسب في الآخرة لا على ما استطاع الحصول عليه، ولكن يحاسب على الفرص التي اتيحت وتيسرت له ثم أهدرها. وهذا المكون في المجتمع بدأ يتزايد عدداً وأهمية. وهم مكروهون من القابعين في الأبعاد الأولى.

والأكثر ذكاء ومساهمة من أصحاب البعد الرابع هم أصحاب البعد الخامس الذين يدركون أن الزمان والمكان يتغيران، وأن الأمور بمطلقاتها لا تبقى على حالها، بل أن التغير النسبي هو الذي يدركه الأذكياء أصحاب الهمة القعساء والقريحة الوقادة الذين يفهمون أن القدرة على الانجاز تتسارع مع الزمن، وتوصل الانسان إلى أماكن ما كان يحلم بها. وهؤلك هم المخترعون والمبدعون والمنظمون أصحاب الخيال الذي لا يقف عند حدود.

وأخيراً هنالك أصحاب البعد السادس المدركون لحقيقة الأبعاد الخمسة الأخرى والذين لا يقبلون أن يعيشوا في العالم الذي يتغير زماناً ومكاناً، ولكنهم يريدون أن يسبروا غور قوانين الكون ليكتشفوا كيف تخلق الأشياء الجديدة، وليروا عوالم أخرى لا يدركها من يبقون محاصرين في الأبعاد الخمسة الأولى. هل علم الاتصالات الحديثة الذي يستثمر الموجات الكونية ما بعد الأرض بداية لدخولنا في هذا البعد السادس؟ وحتى الشعراء والموسيقيون المبدعون هم من يتمكنون من الوصول إلى ذلك التجلي الرحماني الذي لا يعترف بمحددات الأبعاد الأرضية الدنيوية. أليس هذا ما فعله الله بمحمد صلى الله عليه وسلم حين أسرى به إلى السماوات العلى، وبالنبي موسى حين كلمه الله بالوادي المقدس طوى، ومع السيد المسيح حين رفعه الله إلى السماء؟

هنالك خلف الآفاق آفاق. وأتمنى للجنة الاصلاح برئاسة دولة الصديق سمير الرفاعي أن ترقى لأبعد الأبعاد الممكنة، لأننا لا نريد أن نبقى حبيسي البُعدين الثالث والثاني دون مفهوم لتغير الزمان، وتغير طبيعة المكان.