رشيد عبد الرحمن النجاب

(كاتب أردني)


أعادني عنوان هذا الكتاب إلى سبعينيات القرن الماضي، إلى مرحلة الدراسة الثانوية وكتاب "العلوم عند العرب والمسلمين"، وسلسلة من أسماء وعناوين استعنت على تذكارها بما توفر فيها من سجع مثل: كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني.. عناوين شدتني إليها، ووعدت نفسي بالعودة إليها، وأخرى مرت بي في سنين الطفولة والسنوات الدراسية الأولى، مثل حكايات ألف ليلة وليلة، وبعض قصص "كليلة ودمنة" التي ضمّنها التربوي الرائد خليل السكاكيني في سلسة كتب "الجديد في القراءة".

هذا ما جذبتني إليه الذاكرة للوهلة الأولى، إلا أنني سرعان ما وجدت نفسي أمام نافذة تطل على كنوز ودرر من الفكر الإنساني، كتب استُمِدَّت من حضارات قديمة من الشرق والغرب، كالهندية والفارسية والمصرية والإغريقية، وأخرى منارة في العلوم كمقدمة ابن خلدون، الذي كان سباقاً لوضع أسس علم الاجتماع.

إنه إذن عمل موسوعي، وجهد ريادي دؤوب بادر إليه المؤلف د.أيوب ابودية وحرره وراجعه د.همام غصيب، في عمل تبنته وزارة الثقافة الأردنية بمناسبة المئوية الأولى للمملكة، تضمن قراءة لمئة وواحد من أمهات الكتب في مجال الإنسانيات، لم يكتف المؤلف بسردها في سياق تاريخي، وتقديم ملخص محدود الكلمات لأعمال وردت في مجلدات، بل أرفقها بما تستحق من التقييم والنقد. فعلى سبيل المثال، ورد أن كتاب "فتوح الشام" للواقدي منقول عنه وليس من تأليفه، وكان بذلك عرضة لأن يتضمن العديد من المبالغات، كقولهم في فتح دمشق أن "ضرار بن الأزور قتل 150 شخصاً في ليلة واحدة".

وتحدث المؤلف عما تضمنته بعض هذه الكتب من الظواهر الخارقة للطبيعة، كالحديث عما يسمى " الهواتف"، الأمر الذي يدعو القارئ إلى التدقيق والتمحيص قبل الأخذ بالمضامين. ويشير أبو دية في مكان آخر إلى صعوبة لغة المعري في "رسالة الغفران" دون أن يقلل ذلك من قيمة مضامينها.

ثمة بين صفحات هذا العمل الموسوعي قيم فكرية رائدة، ويأتي في هذا السياق الشعور بمعاناة أصحاب الفكر والمبادئ، مثل عبدالله بن المقفع ولسان الدين بن الخطيب، ويتضمن الإشادة بقيم التسامح التي كانت سائدة في ذلك الوقت تجاه كتابات مثل "رسالة الغفران" وغيرها، وقد وضّح المؤلف تأثير هذه المؤلفات في الأدب العالمي مثل كتاب "ألف ليلة وليلة"، وتأثّر دانتي في "الكوميديا الإلهية" بـ"رسالة الغفران".

هذه إذن مئة كتاب وكتاب من أمهات التراث، بعضها يرتبط بالحضارات القديمة كالهندية والفارسية والمصرية القديمة مثل "ألف ليلة وليلة"، و"كليلة ودمنة" لابن المقفع الذي تعدى الترجمة والنقل إلى نتاج فكري زاوج بين الحضارات. وتضمنت الموسوعة أيضاً كتباً في الأمثال، مثل: "الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة" للأصبهاني، و"جمهرة الأمثال" للعسكري، و"كتاب الأمثال" لقاسم بن سلام، و"أمثال العرب" للمفضل الضّبي.

وفي التصنيف والاختصاص، جاءت كتب الطبقات: "طبقات الأطباء والحكماء" لابن جلجل، و"نزهة الألباء في طبقات الأدباء" للأنباري، و"الطبقات الكبيرة" لابن سعد. ثم كتب الرحّالة، مثل: رحلة ابن فضلان، ورحلة ابن جبير، ورحلة ابن بطوطة، ورحلة ناصر خسرو. ثم كتب من الأندلس، مثل: "الإحاطة في أخبار غرناطة" لابن الخطيب، و"طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي، و"تاريخ افتتاح الأندلس" لابن القوطية. ثم كتب التاريخ مثل: "الكامل في التاريخ" لابن الأثير، و"تاريخ الإسلام" للذهبي، "وتاريخ مدينة دمشق" لابن عساكر، و"تاريخ افتتاح الأندلس" لابن القوطية، و"تاريخ بغداد" للبغدادي.

وفي الفقرات التالية إطلالة موجزة على خمسة من الكتب تنوعت مواضيعها فشملت بعض الفئات التي سبق ذكرها. أول هذه الكتب "ألف ليلة وليلة"، حيث يلخّص المؤلف هذه الحكايات التي تصدرت الموسوعة نظراً لأقدميتها التاريخية، وجذورها الضاربة في الحضارة المصرية القديمة وحضارات ما بين النهرين وبلاد فارس المتأثرة بالموروث الهندي، ويرصد المؤلف أثر هذه الحكايات في الفكرين العربي والأوروبي على امتداد عصور متعددة، فمن الجاحظ وأبي العلاء المعري، إلى ابن شهيد الأندلسي، ثم امتداداً للعصر الحديث، حيث أسهمت "ألف ليلة وليلة" في إثراء الخطاب الروائي العربي، ونرى هذا التأثير في أعمال ذات صلة لكلّ من توفيق الحكيم، وطه حسين، ونجيب محفوظ، والطيب صالح. وفي الأدب الإنجليزي، تأثر "تشوسر" بـ"ألف ليلة وليلة" في "حكايات كانتربري"، كما انعكس هذا الأثر موسيقياً في سيمفونية "شهرزاد" للموسيقار الروسي "كورساكوف"، و"علاء الدين" للدنماركي "كارل نيلسن".

أما كتاب "رحلة ابن فضلان" فيمتاز بمحتواه الغني، والشامل، والمستجد بمقياس ذلك الزمان، في وصف بلاد جديدة لم يسبق ابنَ فضلان إليها أحد، وامتدت الرحلة إلى خوارزم، وروسيا، وبلاد البلغار، ومملكة الخزر. ووصف ابن فضلان فيها طبيعة المهمة المكلف بها، والصعاب التي واجهت البعثة، إضافة إلى وصف دقيق لجغرافية البلاد، وتحدث عن أهل تلك البلاد من حيث أصولهم، وصفاتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، ومعتقداتهم، ومظاهر العمران في بلادهم.

وبالرغم من قصر تلك الرحلة التي لم تتجاوز مدتُها أحدَ عشر شهراً، إلا أنها وفقاً للمستشرق الروسي "كراتشكوفسكي" قدمت "الروس على طبق من ذهب". وقد جاء هذا العمل ليتناول حقبة من تاريخ الروس آنذاك أغفلها الغرب لأكثر من سبب. وقد ظهر أثر هذا الكتاب في عدد من المؤلفات التي تحوّل بعضها إلى أعمال سينمائية وتلفزيونية.

وفي "رسالة الغفران"، يعمد أبو العلاء المعري إلى الخيال، فيقوده خياله الخصب إلى خوض تجربة شخصية يتمكن من خلالها من مقابلة بعض أهل الجنة مستفسراً منهم عن سبب فوزهم بالجنة، ويسأل آخرين عن السبب الذي ألقى بهم في الجحيم. وكانت هذه الرسالة مصدر إلهام لـ"دانتي" حين أبدع "الكوميديا الإلهية".

ويشيد المؤلف بشجاعة المعري في اقتحام المجهول وطرح أسئلة لم يكن ممكناً طرحها من قبل، ويرى في ذلك دليلاً على قدرة الكاتب لغوياً، وعلى نضج ذاك العصر فلسفياً. كما يشيد بسيادة روح التسامح ومبدأ قبول الرأي الآخر.

أما ابن حزم الأندلسي، فقد خاض في كتابه "طوق الحمامة في الألفة والأُلّاف" قبل نحو ألف عام في موضوع الحب من حيث تصنيفه، ومعانيه، وأسبابه، وأعراضه، كما تحدث عن أسباب نشوء العاطفة وصفاتها الحميدة والذميمة على حد سواء. واعتمد ابن حزم المنهج الواقعي بأن أفصح عن مشاعره الذاتية، واعترف بحبه الحقيقي، فاستحق كتابه أن يندرج في باب "أدب الاعتراف". ولعل في ذلك بعض ما يثير الدهشة، فابن حزم الفقيه لم يتردد في الخوض في هذه المسائل، والحديث عنها بأسلوب قصصي يتسم بالخفة والظرافة. كما يفيض "طوق الحمامة" بالمعاني والأحاسيس، والصور الشعرية الرومانسية الجميلة. ويشير المؤلف إلى مقدرة ابن حزم الأندلسي على فهم سيكولوجية المرأة وأحاسيسها، وذلك من واقع تجربة شخصية واعية. ولهذا الكتاب أيضاً قيمة عالية في الأدب العالمي.

وأختتم هذا المقال بكتاب "مقدمة ابن خلدون" التي تعدّ المدخل إلى واحد من أهم مؤلفاته وأشهرها: "كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر...".

يعد ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع ، ومن أوائل من أسس لعلم التاريخ بوصفه فناً يتعدى السرد ورواية الأخبار إلى كونه "معرفة بكيفيات الوقائع". وقد أكد ابن خلدون على ضرورة "الاجتماع الإنساني"، ووصف تأثير البيئة في الأقاليم على البشر وما يتعلق بامور حياتهم.

وتناول ابن خلدون العصبية وأهميتها في تأسيس الدولة، وتضمنت المقدمة مفهوم الدورة الخلدونية: من العصبية إلى الدولة، ومن المُلك إلى الترف، فالظلم، ثم انهيار الدولة.

كما تناول ابن خلدون في مقدمته، بناء الدولة وأهمية التجارة والصنائع فيها، محرراً الفكر التاريخي من هيمنة الأفكار التقليدية الغيبية، ومعرّفاً علم العمران بأنه "آلية حركة التاريخ الاجتماعي للكشف عن الحقائق المادية".

ولابن خلدون في مقدمته نظريات في التعليم، إذ يرى أن كثرة التأليف تشكل عائقاً في التحصيل، وأن كثرة الاختصارات مُخِلّة بالتعليم، ويشير إلى مساوئ الشدة والقسوة على المتعلمين، وأنها تضر بهم نفسياً وتؤثر في تحصيلهم العلمي.