محمد معتصم

(ناقد مغربي)


لقد تم اختراق جنس "السيرة الذاتية"، مع بداية العصر الحديث وظهور التكنولوجيا، وبداية تفكك الفلسفات الشمولية والمثالية التي جعلت الإنسان وتجربته الشخصية مركزا أساسياً للمعرفة، وقد جاء ذلك بعدما عانت "السيرة الذاتية" من التهميش والازدراء لفترة طويلة من الزمان. ويُرجع النقاد المؤرخون بداية ظهور السيرة الذاتية، وحضور الذات في الكتابة إلى "مونتينيه" في كتابه "بحوث" أو "محاولات" على حد ما ترجمه المترجون لعنوان الكتاب (Essais). يَعْتَرِفُ مونتينيه في هذا الكتاب، بأنه يكتب ذاته/ أناه (Je).

لقد كانت "أنا" منبوذة في الخطاب، خاصةً في الخطاب الديني، فالإنسان مهما كانت تجربته في الحياة، تظل ناقصة، وتحتمل الخسران، ولا يمكن أن تكونَ هناك "أنا" كاملة خالية من الشوائب، وليُبرز هذا الوضع المكانة التي كانت عليها الأفهام والوعي وقتئذ، إنْ كان الوعي ينحو جهة "التطهير" و"النقاء" و"التسامي"، وهنا يظهر أن التسامي لم يَكن من أهدافه فقط الخلاص الديني والأخلاقي، بل كان على علامة على التمايز الطبقي وانقسام المجتمع إلى فئتين كبيرتيْن: فئة الأسياد وفئة العبيد. الفئة التي تقرأ وتكتب وتتحكم، والفئة التي تعمل وتكدّ ويُتحكَّمُ فيها.

لذلك، فقد ناسبَ انفجار الأنا حالة من مناهضة التحكم وسيطرة فئة بعينها واستعبادها لعامة الناس، الفئة المحظوظة والفئة المزدراة والمنبوذة. لقد ازدهرت "الاعترافات" بين القساوسة ومختلف طبقات رجال الدين يمتزج فيها ما هو ذاتي محض، وما هو سَيْري يخص الآخر "هو". إلا أنَّ صراعاً قوياً على السلطة أفرزته "النهضة" بين سلطة الكنيسة التي يتسامى رجالها عن الواقع (الخطيئة) وعن عامة الناس (المنبوذين) في المجتمع، وبين سلطة سيادة الحكم التي رأت أن الفرصة مواتية للخلاص من تحكم الكنيسة الرومانية (روما) في تعيين الملوك وإضفاء الشرعية عليهم وعلى أحكامهم. وولَّدَ ذلك الصراع انفتاحاً وانفراجاً في علاقة الإنسان بأناه. وأبرز مظاهرها ما تمثلَ في "اعترافات" جان جاك روسو.

لقد وضعت كتابات روسو مفهوم "الصدق" في السيرة الذاتية أو غيرها من السير موضع السؤال مجدداً، وكأنها قامت بعملية هدم لمعتقَد وتصوُّر سابقين سادا مع سير القساوسة وسير الأبطال وسير الآلهة في الأساطير اليونانية والرومانية، وسير الفراعنة قبلهما.. وقامت بالتالي بإعادة الاعتبار للخسران والنقصان، أي أن السير انتقلت من الفئة المنزهة إلى الفئة المنبوذة، الانتقال من التركيز على الفئة المتحكمة في السلطة الدينية والسياسية إلى الفئة المهملة والمنبوذة والمتحكَّم فيها من عامة الناس، وبالتالي فإن مفهوم السيرة تغير في سياق تغيير مفهوم "الأدب"، وانتقل الوعي من التصديق المطلق للسيرة النقية إلى الشك الذي أعاد الاعتبار لسيرة الإنسان/ الفرد.

في رواية الكاتب حسن أبو دية "مِرآة واحدة لا تكفي" (الآن ناشرون وموزعون، عمّان، 2019)، وهي رواية بضمير المتكلم، ومحورها حياة شخصية "سامي"، تتجلّى صورة من صور تفكيك مفهوم "الصدق" وتسامي الذات في الكتابة "السير ذاتية"، ويتجلى أيضاً تداخل الأنواع والأجناس التي تميزت بها الرواية المعاصرة.

هذه الرواية تمثل خطاباً سردياً ذاتياً يتساءل حول حقيقة الذات، والثورة، والحب، والانتماء. ويبرز سؤال الذات في مقاطع متفرقة من الرواية، من أبرزها السؤال حول الهوية والاسم العلَم، فالشخصية المحورية متعددة الاسم العلم، وهذا التعدد لا يدل على الاختلاف والتنوع بقدر ما يدل على التعدد والتشظي وفقدان الهوية المتجانسة، فهو سامي، وسامي مصطفى، وسامي اليافي، وتشي أبو شرار.

سؤال الهوية، سيظل "جرحاً" ذاتيا عند البطل "سامي"، ولن يكشفَ لغز الاسم العلَم إلا بالتدرج في السرد. تجيب عنه رسالة زينب إلى سامي، إذ يكشف سامي أنه مجرد "أمانة"، أودعها الله بين يدي أسرة زينب بعدما هلكت أسرته برمتها تحت أنقاض بيتهم، ويَسْلَم "سامي" لأنه وقتها كان يلعب في بيت زينب. ويكتشف أنه ليس سامي اليافي، بل سامي مصطفى عندما تُضطر الأسرة المتبنية تسجيله في بداية مشواره التعليمي، لأنه لا يملك بطاقة تثبت عمره ونسبه، أي "هويته"، فيضطر رب الأسرة إلى إلحاقه بأسرته، ولكن رغم ذلك، كان سامي سيصطدم باستمرار بوقائع تحيره، ومنها؛ لماذا الأهل في المخيم يكْنون رب الأسرة "أبو إسماعيل" وليس "أبو سامي" ما دام سامي أكبر سناً من إسماعيل؟ ولماذا نهت الأمُّ ابنتها زينب عن مرافقة سامي إلى السوق وبألا تمسك يده أثناء التسوق، كما يفعل الإخوة؟ ثم لماذا طرده والده من المنزل ونعته بالكلب عندما ضرب سامي أخاه إسماعيل، لأنه لم يتراجع عن ضرب أخته زينب ومعاقبتها؟

إذن، هذه الرواية السيرية، أو السَّيرذاتية، تخالف السيرة الذاتية التقليدية التعليمية، التي تجعل من الـ"أنا" ذاتاً منزَّهةً متعالية ومتسامية عن النقصان، وتقدم الأنا كذات متعددة، تعكس حقيقة الحياة، حياة طفل فلسطيني، ترحّل في الأمكنة من مخيم الوحدات إلى مخيم اليرموك، ومن لبنان إلى دمشق (سورية): "وعرفتُ إذ كبرتُ أنّ ذلك الدرب كان من مخيم الوحدات إلى مخيم اليرموك، وفي الذاكرة تساؤلاتي الطفولية عن اختلاف لون بشرتي عن أسرتي، ترهقني هذه الذاكرة التي أتخمتها الطفولة بتساؤلات ما كنت أستطيع البوح بها، وعند الكبر تحولت الأجوبة إلى أحجية لا يستطيع الكثيرون إدراكها" (ص48).

من علامات شرخ الهوية تعدُّدُ الاسم العلم للشخصية المحورية، ومنها كذلك المعرفة الحسية، أي المعرفة الفطرية التي تكتَسبها الذات مباشرة من الواقع باستعمال الملاحظة والمقارنة، ويضاف إليها الحدس، وهذه المعرفة الفطرية والمباشرة هي التي أرهقت ذاكرة الطفل "سامي" وجعلته يشعر شعوراً حدسياً وملتبساً باختلافه عن أسرته التي عاش في كنفها بين أمه وأبيه وأخته زينب وأخيه إسماعيل. وقد أرهقه كذلك، ذلك الحلم الغريب الذي يراوده وتتجلى فيه امرأة فارعة الطول، طويلة الشعر كأنها "خوجاية" (أي غريبة)، ذات جمال غربي غير عربي، وهو ما سيؤكد عليه النص كصورة مستحضرة في اللاوعي عن الأم الوالدة.

تجلّى الاختلاف في الهوية كذلك بين طفل المخيم ومعسكر التدريب والشباب المقاوم المسلح، وكذلك بينهم وبين شخصية أستاذ الفلسفة، الذي عاش في الجزائر بهوية مختلفة، وصاحب الصورة النموذجية في أذهان أبناء المخيم: فهو في الجزائر أستاذ الفلسفة "سامي اليافي"، وفي ذاكرة المخيم البطل الشهيد "تشي أبو شرار".

من مظاهر التعدد والانشطار كذلك، ما عرفه مسار "الثورة"، قبل اتفاقية أوسلو وبعدها، ثم انتقال الحكم والسيادة والقيادة من (فتح) إلى (حماس)، وهو ما يدل على انتقال في الوعي وفي طريقة العمل والكفاح. والأدهى والأمرّ، الانقسام في الجسم الواحد، وتحوُّل الصراع ليكون من أجل السلطة والسيادة على وجودٍ صوري وحرية ناقصة.

تتخلل الرواية قصة حب نشأت بين "ندا"، وهي صحافية تهتم بالشأن الفلسطيني ومسار القضية الفلسطينية، و"سامي" الذي سيعيدُ اكتشاف ذاته التي كانت خارجَه دائماً، ذاته المزيفة في أسرة مصطفى، الاسم العلَم المزيف، وخارج المكان (لبنان، سورية، الجزائر)، وفي ظل هوية مزيفة: البطل الشهيد في المخيم، وأستاذ الفلسفة في الجزائر بعد الخروج من لبنان على أثر المذبحة الشنيعة "صبرا وشاتيلا" في عام 1982، حيث ثمَّ تشتيت المناضلين في العالم بين قبرص وتونس وباريس والجزائر، في خطة مدروسة لتفريغ العالم العربي والإسلامي والمنطقة (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) من المقاومة عامة، ومن المناضلين الفلسطينيين خاصة.

جاءت "ندا" لتكشف جزءاً آخر من ذات "سامي"، الجزء الشخصي، أي الحب، الذي كان يجمعه بـ"كفاح" التي ذهبت ضحية المذبحة الشنيعة، وهو الحب الذي لم يستطع سامي تجاوزه والتعبير عنه إلا بفضل تجربته الجديدة مع "ندا".

ويختم الكاتب الرواية السيرذاتية، المصاغة بضمير المتكلم (رواية بضمير المتكلم، لكنها خالية من التركيب السردي)، بحالة من التفاؤل والتصالح مع الذات: عندما قرر سامي وندا البقاء في المخيم، والعيش بين أهله، مضحّيان معاً بحياتهما ووضعيتيهما خارجه؛ أستاذ الفلسفة، والصحافية: "وقال: لا تعجبي مما سأقوله الآن؛ لقد قررتُ أن أبقى.

نظرت في عينيه، وهمست: جملتك مخطوءة أيها الأستاذُ، عليك أن تقول: أن نبقى؛ فلا ينبغي لليافي ولا لكفاحه أن يغادرا المخيم إلا للوطن!

وعانقته من جديد، وبكيا" (ص94-95).

لقد انتصر الانتماء على التيه والاقتلاع، وانتصرت الهوية المتصالحة مع ذاتها وواقعها ووضعها على الهوية المتعددة التي أنتجها الواقع المفروض على فلسطين وأبنائها وبناتها.

إنها رواية قصيرة (نوفيلا)، تحمل خصائص هذه النوع السردي المتمثل في قصة خالية من التركيب مسترسلة متمركز حول فكرة موجِّهة ذات هدف خطابي واضح، قليلة الأحداث العملية التي تعوض بالإحالة على الأحداث بالتذكر والإشارة، كما أن عدد شخصياتها قليلٌ كي لا يضطر السرد إلى فتح مسارات جديدة ومتنوعة للسرد.

رواية يمكننا اليوم نسبتها إلى ما قبل الانتفاضة الثالثة والحرب ضد الهجوم على غزة، الذي تحققت فيه فكرة الرواية عبر الوحدة بين مختلف الوضعيات والسياسات والأهداف للمواطن الفلسطيني.