خالد عزب

صدر عن المكتب العربي للمعارف كتاب للباحث المرموق ايهاب خليفة عن المدن الذكية وهو من المؤلفات العربية القليلة في هذا الموضوع ينطلق ايهاب من انه إذا كان العقلُ وسيلةً للتَّمييز بين الإنسان وغيره من المخلوقات الحيَّة، فإنَّ الذكاء مرحلة أعلى للتَّمييز أيضًا بين الإنسان وغيره من بني البشر، حيث يتضمَّن ذلك القُدرات العقلية المتعلقة بالقُدرة على التحليل والتخطيط وحلِّ المشاكل وبناء الاستنتاجات بطريقة سليمة، وبالتالي لا يمكن أن يكون الإنسان ذكيًّا دون أن يكون عاقلًا أولًا.

ومع التطورات التكنولوجية غير المسبوقة ظهر توجُّه جديد لوصف الآلات والمُعدَّات بالذكاء، فأصبح الذكاء أيضًا سمةً لغير العاقل، ولم يعُد قاصرًا على الإنسان العاقل، وذلك لأن هذه الآلات والمعدات أصبحت قادرة على تنفيذ خطوات البحث العلمي من ملاحظة، وتحليل، واستنتاجات، واتخاذ قرارات، وتنفيذها أيضًا، دون أن يكون لها عقل، فأصبح الذكاء سمةً رئيسية في الحياة البشرية مع اختلاف هويته، وما إذا كانت العقل، أو الخوارزميات، والبرمجيات، وأجهزة الاستشعار، وأجهزة الكمبيوتر.

ويتكوَّن الكتاب من خمسة فصول رئيسية، يناقش الفصل الأول تعريف المُدُن الذَّكيَّة، ويناقش الفصل الثاني أهم نماذج إنشاء المدن الذكية، ويهتم الفصل الثالث بالقوى التكنولوجية المحركة التي تدفع في اتجاه إنشاء المُدُن الذَّكيَّة من نظم الذكاء الاصطناعي وانترنت الأشياء والبيانات الضخمة والبلوكتشين وغيرها من التقنيات الذكية، ويدرس الفصل الرابع الفرص التي تقدمها المدن الذكية والتهديدات التي تطرحها، في حين يناقش الفصل الخامس حالة دراسية كنموذج للمدن الذكية وهي سنغافورة.

تعريف المُدُن الذَّكيَّة: المفهوم والنظرية

تعود أصول مفهوم المدينة الذَّكيَّة إلى أواخر التسعينيات، وتحديدًا مع حركة النمو الذكي Smart Growth التي شهدتها هذه الفترة، والتي تبنَّت سياسات حديثة للتخطيط الحضاري، بينما ظهر مفهوم المدينة الذَّكيَّة عام 2005 على يد بعض شركات التكنولوجيا، مثل سيسكو، وسيمنز، وآي بي إم، والتي كانت تعني بها دمج النُّظُم التكنولوجية في البنية التحتية، مثل قطاع النقل، والطاقة، والبناء، والمياه، والأمن العام، ثم بدأ يتطوَّر المفهوم تدريجيًّا ليشمل توظيف جميع التطورات التكنولوجية الحديثة في عملية التخطيط، والتنمية، والتشغيل، للمُدُن().

وعلى الرغم من أنه أحد المفاهيم واسعة الانتشار في الآونة الأخيرة، فإنه حتى الآن لا يوجد تعريف واضح ومحدد للمقصود بالمدينة الذَّكيَّة، كما أن التصنيفات التي تُحدِّد هذه النوعية من المُدُن متنوعة، بعضها يضيق مؤشراته ويقصرها على عناصر صارمة حتى تأخذ في الاعتبار المُدُن التي بدأت بالتحول بالفعل، وبعضها الآخر واسع، ويشمل حتى الدول التي تخطط في المستقبل القريب للتحول إلى مدينة ذكية.

المُدُن الذَّكيَّة: الأنواع والنماذج

قامت دراسة لـVasilis Niaros منشورة في()Journal for a Global Sustainable Information Society، بعنوانIntroducing A Taxonomy Of The «Smart City»: Towards A Commons-Oriented Approach بتقديم تصنيف أكثر دقَّة لأنواع المُدُن الذَّكيَّة، حيث يرى أن هناك أربعة أنماط من المُدُن الذَّكيَّة، هي:

– النمط الأول «The Corporate Smart City»: ويمكن ترجمته بـنمط «الشركة»، وهي تلك المدينة التي تقوم شركات التكنولوجية العملاقة، مثل سيسكو، وآي بي إم بإنشائها من الأساس، مثل مدينة مصدر في الإمارات، ومدينة سونجدو Songdo في كوريا الجنوبية.

– أما النمط الثاني فهو «The Sponsored Smart City»: أو نمط «الرعاية»، وتلعب أيضًا شركات تكنولوجيا المعلومات دورًا مهمًّا في هذا النوع من المُدُن، وقد تكون هنا الرعاية من قبل شركات التكنولوجية، أو من قبل المجتمع والدولة، ويكون الفارق بين النط الأول والثاني في طريقة إنشاء المدينة نفسها، فيكون في الأول من خلال برمجيات وتطبيقات تطورها شركة واحدة بالأساس، ولا تستطيع شركات أخرى تطوير المدينة إلا بالتعاون مع هذه الشركة، أما في النمط الثاني فيكون من المصادر المفتوحة Open Source، التي تُتيح لأكثر من شركة المشاركة في تطوير المدينة مع مشاركة المجتمع في ذلك.

– النمط الثالث في «The Resilient Smart City»: أونمط «المرونة»، ويؤكد هذا النمط ضرورة مشاركة المجتمع في بناء المدينة، حيث يعمل على تحفيز المواطنين وجميع الهيئات والجماعات بداخل المدينة على المشاركة في صياغتها وتطويرها، بل وإدارتها، وذلك من خلال إتاحة الفرصة للمُبرمجين والمطورين وقراصنة المعلومات أيضًا للابتكار والتجريب وتقديم الحلول والاقتراحات، فتكون المسؤولية في النهاية مشتركة بين الجميع داخل المدينة.

– أما النمط الرابع فهو «The Commons-Based Smart City»: وما يمكن ترجمته بنمط المعايير أو السمات «المشتركة»، وذلك لأنه يدافع عن تطوير خصائص وصفات مشتركة عالميًّا للمُدُن الذَّكيَّة، بحيث تكون مقبولة على نطاق عالمي، وليست مصممة خصيصًا لمدينة واحدة، فيكون تصميم المدينة والبنية التحتية والخدمات لها معايير موحدة على مستوى العالم، ويقترب هذا النمط من النمط الأول، الذي تقوده الشركات، حيث تقوم بتصميم نمط واحد وإنشائه عالميًّا في مُدُن مختلفة.

وعلى الرغم من أن هذا التقسيم يُعطي صورة واضحة عن نماذج المُدُن الذَّكيَّة، فإنه تقسيم حدِّي، في راي الموءلف فهو يُركِّز بالأساس على الجانب الفني، المعنيِّ بالكيفية التي يتم بها إنشاء المدينة، فهو يُركِّز على حدٍّ واحد فقط من حدود هذه المدينة، ولا يتناول أبعادًا مختلفة كالأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما أن هذه النماذج تقترب بصيغة أو أخرى من بعضها، فالمدينة الذَّكيَّة يُساهم في إنشائها الشركات، وفي إدارتها المجتمعات، وفي اكتشاف ثغراتها الأفراد، والجميع له دور في عملية الإنشاء.

ومن هنا يُقدم هذا الكتاب تصنيف آخر للمدن الذكية، قائم على معايير مزدوجة، تختلف حسب أربعة عناصر، تتمثَّل في ما يلي: أولًا: نوع التكنولوجيا المستخدمة فيها، والتي قد تكون تكنولوجيا مُغلقة المصدر، لا يستطيع تطويرها إلا الشركة التي قامت بابتكارها، أو مفتوحة المصدر، يمكن لأي مطور أو مُبرمج العمل عليها وتطويرها. ثانيًا: الفواعل المساهمون في عملية بناء المدينة، سواء أكان القطاع الخاص منفردًا، أو بالتعاون مع المجتمع المدني في إطار استراتيجية حكومية. ثالثًا: القطاع الذي تخدمه المدينة، سواء أكان قطاعًا فرعيًّا أو جميع القطاعات بالدولة. رابعًا: درجة حداثة المدينة نفسها، فهناك مُدُن يتم بناؤها منذ البداية لتكون ذكيَّة، وهناك مُدُن قديمة يتم تحويلها إلى مُدُن ذكية.

القوى المحركة: تكنولوجيا المدن الذكية

يتناول الموءلف هنا مجموعة من القوى المُحرِّكة التي أفرزتها التطورات التكنولوجية، والتي تُساهم بصورة مباشرة في بلورة مفهوم المدينة الذَّكيَّة، والدَّفع قُدُمًا نحو تبنِّي هذا النموذج، بصورة تجعل المدينة الذَّكيَّة هي الإطار الذي يشمل جميع هذه التقنيات الجديدة والبرمجيات الذَّكيَّة التي تُعتبر مُكوِّنًا رئيسيًّا للمدينة الذَّكيَّة، يستخدمها سكانها في حياتهم اليومية بصورة مباشرة.

لذلك يمكن القول أن المدينة الذَّكيَّة تقوم على خمسة مُحرِّكات وقوى تكنولوجية دافعة تُساهم في تشكيل المدينة وتأسيسها، وهي: الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والمعلومات العملاقة، والجيل الخامس من الإنترنت، والتَّطبيقات الذَّكيَّة، وبالطبع، هذه القوى المحركة ليست على سبيل الحصر، فالتطورات التكنولوجية تُفرز دائمًا تقنيات جديدة يصعب الوقوف عندها، أو حتى حصرها.

الفرص والتهديدات: تحقيق الاستدامة داخل المدن الذكية

على الرغم من المميزات العديدة التي تُقدِّمها المُدُن الذَّكيَّة من سهولة في الحصول على الخدمات، وكفاءة في إدارة الموارد، وتوفير في النَّفقات، وتحسين جودة حياة الأفراد، فإن لها عديدًا من التَّحدِّيات التي تعوق عملية التنفيذ والإنشاء، ليس أقلها التخطيط الاستراتيجي الجيِّد، ووجود رغبة حقيقية من صُنَّاع القرار في إنشاء المدينة تُحرِّكها رؤية مُستقبلية للوظائف التي ستقوم بها هذه المدينة.

كما أن الحياة داخل المدينة لا تتَّسم بالمثالية والكمال، بل تطرح أيضًا تهديدات ومخاطر، وأشكالًا جديدة من العُنف والجرائم، وثغرات قد تتسبَّب في تهديد حياة الأفراد والأمن القومي أيضًا، وهو ما يتطلَّب التعامل الحَذِر مع التقنيات الجديدة بالمدينة، والتحرُّك الاستباقي لمُكافحة أي أعمال عُنف أو إرهاب، والتحديث المستمر للأجهزة والبرمجيات بصورة تمنع القراصنة من تهديد الحياة داخل المدينة، والتعاون الدولي في مجال تكنولوجيا المعلومات.