عاش العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية أجواء الحرب الباردة، التي دارت رحاها بين المعسكرين الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، والشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي سابقا، واستمرت حتى انهيار الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية عام 1990، والتي تحولت بمجملها من النظام الاشتراكي الشمولي إلى الاقتصاد الرأسمالي الحر.

وقد اعتقد الجميع أن أسباب التوتر في الساحة العالمية قد انتهت، بانتهاء الحرب العالمية الباردة الأولى، وأن العالم سيعيش في حقبة جديدة من الأمان والسلام العالمي، إلا أن حروباً عسكرية إقليمية عدوانية إجرامية شنتها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها الغربيون على العديد من دول العالم، كما في افغانستان والعراق ودول البلقان وغيرها، وما لبثت المنافسات بين الدول الكبرى أن تجددت، وأن حرباً عالمية باردة ثانية جديدة أخذت تلوح في الأفق، وإذا كانت دوافع الحرب الباردة الأولى تتمثل بمحاولة كل من الولايات المتحدة الأميركية?والاتحاد السوفيتي الهيمنة على أنظمة الحكم في الدول الأخرى والحاقها بركبيهما، فان الحرب العالمية الباردة الثانية تدور رحاها حول الهيمنة على التجارة الخارجية والصادرات العالمية، وقد ظهرت بوادر هذه الحرب الباردة الجديدة، بالحرب التجارية التي شنها الرئيس الأميركي السابق ترمب على الصين.

قبل أيام اجتمعت دول حلف الناتو في بروكسل، وأطرت الحرب الباردة بتصريحات ورسائل أعلنتها قيادات دول الحلف في تصريحات فردية، كتصريحات الرئيس الأميركي بايدن، وتصريحات أمين عام الحلف ستولتنبرغ، والتي جاءت ضمن محورين: الأول تحذير دول الحلف من المخاطر التي يشكلها التهديدان الروسي والصيني على مصالح دول الحلف، حينما ذكر: (أنّ قادة الحلفاء اتفقوا على أهمية توحيد امكانيات أميركا والدول الأوروبية لمواجهة الأنظمة الشمولية وهي روسيا والصين، وتحذيره دول الحلف من تطوير الصين لأسلحتها النووية وقدراتها المعلوماتية، وتمددها ف? القارة الإفريقية وغيرها، هذا التمدد الذي حسب اعتقاده يهدد دول الحلف)، والثاني توجه دول الحلف لتبني خطة الحلف لعام 2034 حول إعادة بناء وتطوير قدرات الحلف الدفاعية العسكرية والمعلوماتية والسيبرانية.

لكن إذا كانت المعطيات في الحرب الباردة الأولى قد سارت لصالح المعسكر الغربي نظراً لتفوقه في تلك الفترة في الجوانب الاقتصادية والتقنية والصناعية والرفاهية الاجتماعية وفي مجال الديموقراطية وحقوق الإنسان على معسكر الاتحاد السوفيتي سابقاً، فقد تغيرت هذه المعايير في الوقت الراهن، فأصبحت روسيا أكثر قوة اقتصاديا وعسكريا ومعلوماتياً، خصوصاً بعد تخلصها من دول أوروبا الشرقية التي كانت تشكل عبئا عسكريا واقتصاديا ثقيلاً عليها، وكذلك الصين التي اكتسحت دول العالم بقوتها التجارية الهائلة، التي ازاحت منذ عام 2007 الولايات ?لمتحدة الأميركية عن الصدارة العالمية في مجال الصادرات السلعية وفي العديد من المجالات الاقتصادية الأخرى، مما يجعل الاصطفافات والتحالفات الدولية إلى جانبها وجانب حلفائها في الحرب الباردة الجديدة أمراً مغايراً لما سبق، ثم أن حقبة الولايات المتحدة الأميركية فى قيادة العالم والتحكم بمصيره قد ولت وانتهى أمرها، وسيتجه العالم نحو تحالفات وتكتلات دولية جديدة مختلفة عما سبق، ولن تكن في صالح الولايات المتحدة الاميركية وحليفاتها الغربيات.