عمان - د. أماني الشوبكي

كيف لي أن أحكي عن عالم آخر؟!

عن ضحكة جميلة، ابتسامة بريئة، يد حنونة تصافح بحب وتعانق بودّ.. عن عالم يكسوه بياض قلوبهم، وروعة ثغورهم التي تعج ابتسامة لطف وبراءة وحنان.

نطقها السليم هو ما لفت انتباهي، خلال حديثي مع روان، وهي تتحدث بكل ثقة عن إنجازها بحفظ القرآن الكريم وحصولها على الكثير من الجوائز.

منذ طفولتها لم تكن روان كغيرها من أطفال متلازمة داون، حيث التحقت روان بالصفوف الأولى بمدارس غير مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، واستطاعت أن تتفوق على زميلاتها وزملائها الأطفال الطبيعيين في المدرسة وكانت دائماً تحصد المرتبة الأولى في صفها، وفق والدتها.

متلازمة داون عبارة عن اضطراب وراثي بسبب انقساما غير طبيعي فى الخلايا ما يؤدي إلى زيادة النسخ الكلي أو الجزئي فى الكروموسوم 21، وتسبب هذه المادة الوراثية الزائدة تغيرات النمو والملامح الجسدية التي تتسم بها متلازمة داون.

«روان دويك» شابة تبلغ من العمر ٢٦ عاما من متلازمة داون، حفظت القرآن الكريم وأنهت حفظه في ٢٩ رمضان الماضي.

تقول والدة روان، ودموع الفرح تنهلّ من مدمعيها: «أنا أم روان وأفتخر»، وتتبعها بالقول أن والد روان متوفى.

وأضافت الأم «كان لدي 4 بنات وولد واحد، ونتيجة لتوسل ابني باعتباره وحيدا وكان يطلب مني أخا عندما فكرت بذلك، جاءتني روان، الحمد لله هي هدية من رب العالمين لأزداد بها فخرا وعزا».

وتستطرد بالقول: «عندما أنجبتها وعرفت أنها تعاني متلازمة داون شعرت بالحزن كأي أم، لكني أحببتها كثيرا. وأقسمت لله أن أعلمها قراءة القرآن، وإذا بربي يكتب أن تحفظه وكرمني بأن أبرّ بقسمي وبأن أحفظه أنا كذلك».

وتشير إلى أن روان «تميزت بذكاء حادّ، ولما شعرت بفطنتها وذكائها، وأن نطقها سليم ويختلف عن سائر أطفال متلازمة داون؛ بدأت بتعليمها المفردات باللغة الإنجليزية وأقرأ لها القصص القصيرة بالإضافة إلى قصار السور من القرآن الكريم، وكانت تحفظ بسرعة شديدة، فألحقتها بالمدرسة وهي بعمر 6 سنوات وأبدعت فيها».

وتلفت الأم إلى أن ابنتها درست «إلى الصف السابع، في المدارس الحكومية العادية وكانت دائماً تحصد المرتبة الأولى على زملائها الطبيعيين، وكانت تتقن القراءة والكتابة مثلنا، وتمتحن الإملاء مع الصفوف الأكبر منها دائماً لتميزها. ولاحظ الجميع أنها كانت مميزة وذكية وأنّ ربنا حباها بسلامة النطق، وهو ما ساعدها على التعلم بيسر.

إلا أنها رفضت المدرسة بعد ذلك، ونزلت والدتها عند رغبتها.

تقول والدتها: «كنت أتعلم أحكام التجويد وأصطحبها معي إلى مركز تحفيظ القرآن، والمصابون بمتلازمة داون يخزنون كل شيء. وبدأت بحفظ 4 صفحات من سورة البقرة، وعندما سجلتها في مركز قالت لي مدرّستها بأنها تحفظ الجزء الأول من السورة، إلا انها لم تستمر وقتا طويلا لعدم تحملهم الجهد الذي يبذل عليها».

ثم سجلت روان في مركز مع طالبات جامعيات وحفظت سورة البقرة وتفوقت على زميلاتها الجامعيات وأخذت علامة كاملة.

وعن طريقة حفظها، كشفت الأم أن روان «كانت تحفظ من خلال الكتابة، وحفظت سورة البقرة خلال عام ونصف.

في عام ٢٠١٤ انضمت روان إلى مركز البيان لتحفيظ القرآن تحت إدارة الدكتورة تماضر العيسى، التي عندما رأت روان تواصلت مع معلمتها انتصار الخطيب وحدثتها عنها وأنها من متلازمة داون وتحفظ سورة البقرة وتفاجأت الخطيب ولم تصدق الا لما رأت بعينها روان وعندها تمنت لو روان تخرج من متلازمة داون.

واستمرت روان في حفظ القرآن بوتيرة منتظمة على مدار 7 سنوات، وأتمت حفظه في الـ29 من شهر رمضان الماضي (2021)، وكانت عندما تحفظ جزءا أو جزأين أو ثلاثة تمتحن فيهم».

والدة روان كانت تلقنها كل آية قراءة ١٠ مرات وإعادة ١٠ مرات حتى تتمكن من حفظها وهكذا كانت حتى تمكنت روان من الحفظ المتقن مع تحفيظها للتجويد الذي تعلمته والدتها وكذلك حفظت الأم القرآن من ابنتها.

حاولت ان تجد لها صديقات من متلازمة داون حتى تشعر بالفرحة وأنها مثلها كمثل الآخرين.

عن جهد والدة روان التي قدمت كل المحبة والجهد ولم تكن تعلم بوجود مراكز لتطوير السلوك والنطق وإنما علمتها من نفسها وبذلت كل الجهد وسهرت الليل لتعلمها وكانت تصطحبها كل مكان ولم تغلق الباب عليها بل أطلقت لها العنان ودعمتها واعتبرتها هدية من الله وأمانة بذات الوقت وأنّ سهرها وتعبها وجهادها معها في تربيتها وتعليمها وتحفيظها للقرآن هو هدية من الله، لتنال رضى الله وأن تكون روان بابا لها لدخول الجنة.

وعن دور رئيسة المبادرة «مبادرة متلازمة داون» انتصار الخطيب، تحدثت والدة روان عن جهودها العظيمة وقصتها التي بدأت منذ بداية حفظ روان لسورة البقرة وكان ذلك بكانون الأول من عام ٢٠١٤

تقول الخطيب أنها التقت روان ووالدتها بالتنسيق مع مديرة مركز البيان القرآني آنذاك الدكتورة تماضر العيسى، وهي كانت حلقة الوصل وبداية التعريف بها وعن طريقها..

وتتابع: «عملنا لروان الدويك حفلة كبيرة اخذ صداها أثرا ايجابيا كبيرا بالتشارك والتنسيق مع مديرة المركز و مديرة ومؤسسة مبادرة متلازمة داون انتصار الخطيب.. ومما بهر الأنظار ولفت الانتباه ارتداء روان الدويك للبذلة البيضاء تحقيقا لحلمها، إذ كانت تحلم أنها عروس بالبذلة البيضاء لسيدنا يوسف وكانت تلك مفاجأة من والدتها.

وكان الحفل أجمل ذكرى في حياة روان وأدخل على قلبها البهجة والسعادة وشكل عندها حافزاً إيجابياً لتكملة حلمها في حفظ القرآن كاملا.

الخطيب أكدت، في حديثها إلى $، أن مما لا شك فيه أن إنجاز روان الدويك كان مبهرا وكان خبراً عظيما؛ فحفظ سورة البقرة «ليس سهلا علي صببية متميزة بمتلازمة داون» وشكّل لها التكريم الأول باسم المبادرة متلازمة داون معنى كبيرا لها..

فكانت بداية الانطلاقة وبداية العهد بالاهتمام والتشجيع بمتابعة روان بقية حفظ أجزاء القرآن الكريم تباعا أولا بأول طوال سبع سنوات وهي السنوات التي استمرت فيها روان، وبمتابعة والدتها بالدرجة الأولى ومتابعة ورعاية مركز البيان القرآني والتابع لجمعية حفظ القرآن الكريم على يد معلمتها إيناس الجغبير.

وللعلم كانت روان الدويك خلال فترة الحفظ إحدى طالبات الحفظ للقرآن الكريم كالشمس للدنيا وهو البرنامج القرآني الذي أنشأته (وصاحبة فكرته منذ الأساس) الدكتورة تماضر العيسى، التي تابعته رغم استقالتها من رئاسة المركز لعدم التفرغ.. ولكنها بقيت تتابع البرنامج ومتابعة للطالبة الوحيدة بالبرنامج كالشمس للدنيا المتميزة بمتلازمة داون.

وتوضح الخطيب أنّ روان ووالدتها كانتا على تواصل دائم مع بقية العائلات وأهالي الأطفال الذين يعانون من متلازمة داون، وأقامتا العلاقات والصلات الطيبة القائمة على المحبة والأخوة..

و تشير إلى أن مجالات المبادرة المختلفة كانت مفتوحة أمام روان وغيرها من متلازمة داون، إذ شاركت بفكرة مشروع صحبة حلا لتعليم وتأهيل الفتيات لصناعة الحلويات على أيدي «شيفات» ماهرات: الشيف رندة الصلاج والشيف علا الفراح..

وشاركت روان بالماراثونات الرياضية ونالت المراكز الأولى. ومسابقات الرسم والتطريز وفي كل الاحتفالات باليوم العالمي لمتلازمة داون.

وكانت ووالدتها، الحافظة للقرآن أيضا يجري تكريمها.. كانت الأنظار دوما مسلطة على قصة نجاح روان في مختلف المجالات وكان يتم تكريمها من بعض الجهات والمبادرات كونها متفوقة ومتألقة.

وتؤكد والدتها أنّ «ما نسعى إليه هو أن تقوم روان بتثبيت حفظ القرآن، وتمتحن جزءا بجزء، وتأخذ شهادة الحافظة، فهي لم تقرأ أمام مشايخ، وإن شاء الله يتبنوها، وهذا ما أطمح له».

أما «روان» وبكل فخر فتقول: «أقرأ القرآن في اليوم 3 مرات، وطول عمري أقرأه وقد حفظته عن ظهر قلب».