يحتفل الاردنيون هذا العام بمرور مئة عام على تأسيس دولتهم التي أرست ورسخت أركانها على مبادئ ثابتة منذ انطلاق الثورة (النهضة) العربية الكبرى، وتأسيس الإمارة. وما زلنا نتفيأ ظلال الاحتفال بيوم الجيش وذكرى الثورة العربية الكبرى وعيد الجلوس الملكي في هذا الشهر. وقد نشأ الجيش العربي مرافقاً لمسيرة الدولة الأردنية وشريكاً اساسياً ومحورياً في بنائها ورفيقاً ملازما لتطلعات وآمال الاردنيين وطموحاتهم لتحقيق وطن نموذج متقدم ومزدهر يباهون به الامم. ارتبط تاريخ الجيش العربي ارتباطاً وثيقاً وعضوياً برسالة الثورة العربية ?لكبرى حيث تشكلت نواة هذا الجيش من المخلصين من ابناء الوطن الذين اتحدوا تحت راية الأمير عبدالله بن الحسين في آذار 1920 في معان بعد مشاركتهم في عمليات ومسارات الثورة. وقد حمل الجيش اسم «الجيش العربي» منذ عام 1917 عندما أطلق الأمير عبدالله بن الحسين هذا الاسم على مجموعة المقاتلين من جنود الثورة العربية الكبرى والذين كانوا معه واستمرت التسمية عندما تشكلت نواة قوة إمارة شرق الأردن عام 1923. وللاسم دلالات لا بد من وعيها وفهمها، فهو جيش لكل العرب، وكما كانت الثورة العربية ثورة لكل العرب بطموحاتها. وها هو جلالة ال?لك عبدالله الثاني يؤكد على هذه الرسالة الخالدة عندما قال مخاطباً منتسبي الجيش العربي:

"إن الشعار الذي علا جباهكم مكتوب عليه الجيش العربي هذا الاسم لم يكن صدفة أو مجرد شعار وإنما هو تأكيد على التزام هذا الجيش بالدفاع عن قضايا الأمة العربية وترابها وأمنها من أي خطر».

ولم يتوان الجيش العربي يوماً عن نصرة قضايا الأمة، فقد خاض منذ عام 1948 معارك الشرف والبطولة واستبسل أبطاله في مواجهة العدو الصهيوني وقدموا قوافل الشهداء دفاعاً عن تراب فلسطين، ودحر الجيش العربي في يوم الكرامة عام 1968 اسطورة الجيش الذي لا يقهر ومرَّغ أنوف المعتدين في التراب، كما شارك في المعارك والحروب إلى جانب الدول الشقيقة دفاعاً عن أرضها وعروبتها.

ثم أصبح حفظ الأمن والسلم الدوليين مهمة رئيسية من مهام الجيش العربي بعد أول مشاركة له في أنغولا عام 1989 وتوسعت هذه المشاركات لتصبح القوات المسلحة الأردنية-الجيش العربي في إحدى المراحل ثاني أكبر دولة شاركت في قوات حفظ السلام الدولية على مستوى العالم تمد يد العون للدول المنكوبة في الحروب الداخلية وتنشئ المستشفيات في بقاع المعمورة على امتداد اطرافها من تيمور الشرقية الى هاييتي رافعة اسم الاردن عالياً بين الامم.

أما رحلة البناء والمشاركة في نهضة الأردن الشاملة فهي ملحمة سطَّرها الجيش العربي بأبهى صورها، واستذكر هنا قولا من أقوال الحسين الباني طيب الله ثراه في احد خطاباته حيث قال:

"جيشنا أيها الاخوة، جيش رسالة وجيش قضية، رسالة تجديد نهضة الامة العربية، وحماية هذه النهضة، وتدعيم الحق العربي، ومساندة الأمة العربية في كل بقاعها، والحفاظ على أخلاق الاسلام الذي جعل من العروبة قاعدة لحضارة حية خلاَّقة عظيمة، تقوم على الخُلق والإيمان قبل القوة المادية والثروة والغنى، وجيشنا أيها الاخوة، هو أيضاً جيش المستقبل فمع التحامه بالتاريخ والتراث هو أيضاً حليف للعقل العلمي والعصرين وهو قوة متصلة بمستقبلنا المنشود، مستقبل النهضة والتقدم والعلم».

فالقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي من أكبر واقدم المؤسسات الوطنية التي ساهمت وبشكل ريادي وكبير وناجح في ميادين التنمية الوطنية بتنفيذها العديد من المشاريع لتحقيق حياة أفضل للشعب الأردني إضافة إلى دورها الرئيس وهو الحفاظ على أمن واستقرار الأردن من اي تهديد خارجي او داخلي، وقد حظيت ومنذ تأسيسها بدعم ورعاية القيادة الهاشمية الحكيمة التي رسخت مفهوم الأمن الوطني الشامل بأبعاده المختلفة التي تتعدى الأمن والدفاع لتشمل الأمن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والبيئي.

والجيش العربي هو جيش محترف يدافع عن الأمة ويصون استقلالها ويشارك في مسيرة نهضتها، لكنه لا يتدخل في السياسة. ونستذكر هنا مرة اخرى جلالة الملك الباني الحسين طيب الله ثراه حيث قال بهذا الصدد:

«الجيش هو جيش فقط، سيف البلاد وسياجها ومدار اعتزازها وصوتها وسوطها وكيد أعدائها وقُرَّة عين مليكها هو كلما ازداد حمل الأمن، وكلما تمرن اكتوى على تحمل المسؤولية».

ومما يساعد الجيش العربي على الاضطلاع بأدواره المختلفة في التنمية الشاملة ايمان القائمين على قيادته بهذه المفاهيم واهميتها أولاً، وتوفير الاسباب والإمكانات التي لا تتوفر في مؤسسات اخرى.

فهي تمتلك العنصر البشري المؤهل والمحترف، وهي منتشرة في كافة مناطق المملكة ومتواجدة ومنذ البداية في البادية والمناطق النائية، مع انه لم يعد هناك مناطق نائية بالمفهوم الجغرافي كما كان ولغاية اواسط القرن الماضي.

كما يتميز منتسبيها بانتمائهم الوطني الفطري كغيرهم من المواطنين، إلا أن ترسيخ هذا الانتماء ضمن المؤسسة العسكرية يتم من خلال خطط وبرامج خاصة يتلقاها كافة منتسبي الجيش العربي، فالجندية هي التضحية وعلاقة الجندي بتراب وطنه علاقة الدم بالوريد.

كما تنبع فكرة مشاركة الجيش العربي في النهضة الوطنية الشاملة من فكرة استراتيجية تبناها قادة الجيش العربي على مر العقود وعلى رأسهم قيادتهم الهاشمية وهي علاقة المؤسسة العسكرية بالمواطن الأردني التي يجب أن تبقى وعلى الدوام علاقة ناصعة البياض لا تشوبها شائبة ولعل أهم ما يبرهن على ذلك نظرة المواطن الأردني لجيشه وثقته بهذا الجيش ولدرجة أن حضور الجيش في أي إشكالية يعني انتهاءها ودون إراقة نقطة دم واحدة. فهذه استراتيجية أخذها الجيش على عاتقه مبكراً ووفر لها ما يلزم من موارد لتحقيقها، وقد رأينا بأم أعيننا كيف وقفت ج?وش في وجه مواطنيها في بعض الدول وأحدثت ما أحدثته من خراب ودمار.

كما ترتكز فكرة واستراتيجية مشاركة القوات المسلحة في النهضة الشاملة إلى ضرورة المساهمة في البناء لتكون مؤسسة منتجة وليست مستهلكة ولتساهم في تخفيض العبء على موازنة الدولة وهي بذلك تطبيقاً لفلسفة وطنية ذات أهداف بعيدة المدى لبناء الوطن والمواطن.

ولا ننسى أن اكبر دور تقوم به القوات المسلحة في مجال التنمية والنهضة اللأردنية هو الدور الجوهري في تأمين مناخ البيئة المناسبة للتنمية من خلال المحافظة على الأمن والاستقرار، فلا تنمية دون أمن واستقرار.

أما المجالات العملية التي تساهم فيها القوات المسلحة ضمن خطط التنمية والبرامج الوطنية، فيمكن اجمالها بما يلي ولا يتسع المجال هنا لتفصيلها:

*الرعاية الطبية والصحية.

* التعليم والثقافة.

* التدريب الطبي والمهني.

* حماية البيئة.

* العلوم والتكنولوجيا.

* الزراعة والري.

* الصناعة.

* الاستثمار.

* الاتصالات.

* الإسكان والانشاءات.

* الدور الاجتماعي والإنساني.

إن مساهمات الجيش العربي في النهضة الأردنية كثيرة ولا يمكن حصرها وقد ساهمت في ارساء الثقة بين المواطن الأردني ومؤسسته العسكرية، كما ساهمت بالحد من البطالة وإمداد المجتمع المحلي بأصحاب المهارات المختلفة وترسيخ نهج الأردن أولاً.

يحق لكل من انتسب إلى هذا الجيش العربي أن يفخر بانتسابه وخدمته لوطنه، ويحق للأردنيين أن يفتخروا ويفاخروا العالم كله بجيشهم.