منذُ أن تم إنشاء دولة إسرائيل في عام 1948 لم تحظ القضية الفلسطينية بنظرة عادلة مُنصفة من الرأي العام العالمي وبالذات الغربي منه، بل على العكس ظلت شرائح كبيرة من مواطني الدول الغربية تعتقد أنّ إسرائيل دولة صغيرة تدافع عن نفسها ضد أعداء كثيرين متعطشين لإبادة شعبها.

ولكن مع الزمن ومع تكاثر مقارفات إسرائيل وانتهاكاتها ضد الشعب الفلسطيني بدأ ينمو وعي غربي متزايد بأنّ إسرائيل دولة عدوانية عنصرية تدأب على سلب أراضي الفلسطينيين وتنتهك أبسط حقوقهم الإنسانية.

وفي الفتره الأخيرة كثرت الشواهد على «استفاقة» للرأي العام الغربي إزاء هذه القضية وقد عظم من هذه «الاستفاقة» العدوان الأخير على غزة وما تمخّض عنه من دمار رهيب في هذا القطاع الصغير (365 كم2) المُحاصر منذ خمس عشرة سنة، ولعل رصد هذه الشواهد يفيد في البناء عليها بحكم أن الدول الغربية دول ديمقراطية تهتم بالرأي العام وتضع سياساتها على أساسه، ولعل من أهم هذه الشواهد:

أولاً: تقرير منظمة العفو الدولية Amnesty International (الأميركية وفيها عدد من القادة اليهود) الذي أشار إلى أنّ إسرائيل دولة تمارس سياسة فصل عنصري (Apartheid).

ثانياً: تبني مجلس حقوق الإنسان (وفيه عدد غير قليل من ممثلي الدول الغربية) لقرار يدعو لإنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة للتحقيق في انتهاكات إسرائيل وتجاوزاتها للقانون الدولي الإنساني في تعاملها مع الفلسطينيين ليست فقط في الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) بل وفي إسرائيل أيضاً.

ثالثاً: اقتراح عدد من أعضاء الكونجرس (بمن فيهم بيرني ساندرز اليهودي وعضو مجلس الشيوخ البارز) سن قانون لحجب مبيعات أسلحة دقيقة التوجيه لإسرائيل بقيمه 735 مليون دولار.

رابعاً: تصريح وزير خارجيه فرنسا «لودريان» القائل بأنّ إسرائيل ستصبح دولة عنصرية «أبارتهايد» إذا واصلت «احتلالها للأراضي الفلسطينية».

خامساً: تصريح وزير الخارجية الايرلندي (سايمون كوفنبي) الذي أشار فيه إلى خطورة الاستيطان الإسرائيلي وأنه في النهاية ضم فعلي للأراضي الفلسطينية.

سادساً: تراجع شعبية إسرائيل في دول أوروبا الغربية كبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا وغيرها، وذلك حسب الاستطلاعات التي أُجريت أخيراً في أوروبا من قبل جهات مستقلة.

سابعاً: نشر واحدة من أهم الصحف العالمية إن لم تكن أهمها وهي New york Times الأميركية لصور أطفال غزة الذي قتلوا في العدوان الاسرائيلي الأخير على صدر صفحتها الأولى وهي حدث غير مسبوق على الصعيد الاعلامي الغربي الذي ما انفك تاريخياً عن الترويج لإسرائيل وتجاهل ارتكاباتها.

ثامناً: المظاهرات الشعبية الكبيرة التي شهدتها المدن الغربية (الأوروبية والأميركية) بعد العدوان الأخير على غزة والتي أثّرت بوضوح على تحول مهم في نظرة الإنسان الغربي إلى إسرائيل وممارساتها العدوانية.

وختاماً، فإن ما يجب أن يكون واضحاً ونحن نستقرئ هذه الشواهد هو أن المعركة ضد إسرائيل ليست عسكرية فقط بل هي معركة «عقول» و«قلوب» أيضاً، وبالذات في العالم الغربي، ولعّل من أهم النجاحات التي يمكن أن تتحقق على هذا الصعيد هو أن تتم توعية الرأي العام الغربي بحقيقة إسرائيل العدوانية، وبعدالة قضية الشعب الفلسطيني الذي ما زال يعاني ليس فقط في فلسطين التاريخية بل وفي الشتات أيضاً، ولعل المسألة في هذا الإطار ليست المطالبة وتسول التعاطف بل وفي الدفاع الذي لا يستكين عن الحق وليس فقط من قبل الفلسطينيين أصحاب الشأن الأول،?بل من قبل العرب ومن قبل كل إنسان حُر يقظ الضمير يستكشف الحقيقة ويجري وراءَها.

إن البوادر مشجعة ولذا فلا بدّ من استثمارها والبناء عليها وصولاً إلى رأي عام غربي مستنير يناهض سياسات دوله المنحازة لإسرائيل ويقول لها كفى!