وزيرة الطراونة (كاتبة أردنية)

صغيرة كنت، لم أدرك العمق الذي اقترنت به.. لم يفهم عقلي البسيط عقلَين كالمحيط.. لم أفهم آنذاك لماذا كان يؤرقك خرق سفينة المساكين وقتل غلام الأبوين المؤمنين أيها الشفاف.. حسبت أنني إنسانة عادية وزوجة عادية لزوج عادي، فإذا بي أصطدم بواقع كأنه غيب.. خليط بين شخص غير عادي وكُتُب.. حاولتُ فهمك مرات ومرات وأخفقت، فأرغمني تعدد الإخفاقات على أن أتعرف عليك من طاقات الكتاب، فأقرأ حيناً ثم ينتابني الملل، وتُعاود إصرارك عليّ أن أقرأ في الدين، في الأدب، وأحفظ الشعر.. وكنت تطلب مني أن أقرأ لك وأنت تقود السيارة كي لا تضيع عليك دقيقة لا تنشرح فيها نفسك للعيش مع الكتب.. وصرتَ تناديني: «تلميذتي النجيبة التي تمتلك حافظة مذهلة».. وكنت كلما قرأت قفز لعقلي السؤال: من أنت! وأنت على فراش الموت تُردّد وِرداً أخبرتَنا أن جدك وأمك قد أتياك على حين غفوة ولقّناك إياه، فاجتهدتَ وأجهدتَ نفسك ليعلو همسك كي نسمعك.. بسم الله الكافي.. بسم الله المعين.. أيها الأيوبيّ الصابر، اليوسفي الذي قهره ظلم أحد عشر كوكباً أو أقل أو أكثر.. تواطؤوا بشأن إلقاء فلسطين والعراق وسوريا واليمن في جبّ الاستعمار والظلم مجددا.. احترقتَ بنيران أمك وأمتك وأهديتهما احتراقاتك في رواية احتوت التاريخ: «مقامات المحال»، التي استحال فهمها على كثير من العوام، لأنك نخبة تكتب للنخبة... في جِدّك ومزاحك كنت أتساءل: من أنت أيها الشفاف؟ كلما مرّت الأمة بأزمة- وكثيرا ما تمر- نسمعك تردد: «سئمت تكاليف الحياة».. مع ذلك تحاول أن تجعلنا فرحين من فرحك غير المكتمل وتخفي عنا ما استطعت من حزنك غير المنقوص.. كانت تأسرك الفيزياء، فكنت تعتكف في صومعة أعددتَها لنفسك في فناء الدار، تستحضر زمان صاحب الغار الذي عرج للسماء.. وكنت ترحل لعوالم أصحاب المعجزات، فيغيب عقلك في قول نملة، وغيبة هدهد، ووحي الله للنحلة.. تتمثل لك رؤيا يوحنا اللاهوتي.. تسمّيني طفلتك وتروقُ لك مناكفاتنا وتغرق في نوبات عتب سرعان ما تنتهي ?ضحكتك تملأ المكان وأنت تتوسل لي ممازحاً أن أتعاطف معك وأبدي بعض عتب على بعض شخوص التاريخ، مثل سيدنا عثمان ورجال زمان الفتنة، فأقول لك: «لماذا لا تريح بالك مثلي وتقول: (تلك أمة قد خلت)»، فترد علي قائلاً: «نعم، لكن ذلك لا يمنع أن أمتعض مما حصل.. أنا يا حبيبتي في كل محطة من محطات تاريخ الأمة والدين أترك سليمان عند ابن الخطاب.. أترك سليمان المقتدي شديد الإعجاب.. عند علي أترك سليمان الغاضب المحارب للظلم.. في كل مكان من زمان الأمة أترك سليمان الفرح حيناً والمغتمّ أغلب الأحيان». يا من أتعبتْ قلبَك الأحزان؛ من أنت! أسموك «غوغل» وأسموك «ذا العقلين»، وأسموك «مؤدب الهندسة ومهندس الأدب»، وأسموك «أبا الفيزياء».. وأنا أتساءل: من أنت! في نشيد أنشادك عشتَ دهرك تتغزل بخالق الكون وإنجازه وإعجازه في كل ذرّة ظاهرة وخفية.. قرأتَ القرآن الكريم أكثر من مئة مرة متأملاً محلّلاً متمعناً في تفسيره وتأويل آياته وانغرزت بين صفحاته سنين عمرك... ويأتيك قبس الغموض الحزين من سفر التكوين يا كنزي الذي ذهب وألهب النار في قلوبنا ثم غادر الدار على عجل.. من أنت! • في رثاء الروائي والباحث د.سليمان الطراونة، بمناسبة مرور 40 يوماً على رحيله.